عندما يحترقُ الورد

6 يناير 2026
عندما يحترقُ الورد

شميسة غربي

/ سيدي بلعباس/الجزائر

الامطار الغزيرة؛ لا تمنعها من الخروج… هي تعشق المطر.. تسير تحت القطرات المتلاحقات وقد غمرتْها نشوة عجيبةٌ… بهُدوءٍ لافت؛ تتأمّلُ المارّة يمينا وشمالاً وكأنّها تريد أن تقتسِمَ الإحساس الجميل مع الرّاجلين..! الفرح بفصل الشتاء؛ يُذَكِّرُها بما قرَأتْهُ يوماً: “لا يعشق الصيف إلا مَنْ بهِ خلل..” !

تتساءل عن جدوى هذه المظلات التي يحملها البعض…؟! تُعَلّق: ” المظلّة لا تُغَطّي سوى الرأس والكتفيْن..” تبتسم، تهزُّ رأسها قليلاً؛ وتُتابع السّْير باتّجاه المكتبة الوطنية للمطالعة. القطرات؛ تتزاحم… تتزحلق فوق المعطف الجلدي، ثمّ تتناثر لتسقط على الحذاء الشتوي؛ قبل أن تُعانِق أحلام التُّراب… الإحْساس بالمشْهَد؛ جعل الذاكرة؛ تسْتحْضِرُ دُرَرَ ما تحفظهُ منْ أشعار حوْل المطر… كم كانتْ تُكرِّرُ شعر “امرئ القيس”:

ديمةٌ هطْلاءُ فيها وَطفٌ     *   طبَقُ الأرْضِ تحرّى وتدُر

وكم أبْهجَها قول “نزار قبّاني”:

هارباً منْ هذه الشّمس التي تجْلِدُني

بكرابيجِ الضّجَـــر

لا تقولي: عُدْ إلى الشّمْس.. 

فإنّي أنْتَمي إلى حِـزْبِ المطر..

خمّنتْ في البداية؛ أن تنعطف على يمين الشارع؛ قبل الوصول إلى المكتبة، لِاقتناء دواء والدتها. تدخل الصيدلية، تنتظر دورها وهي تتأمّلُ الزبائن… مختلف الأعمار والهيْئات… نساء، رجال، أطفال، لِحُسْنِ الحظّ؛ المحلّ واسع. يُلْفتُ انتباهَها؛ طفلٌ مُشاكس؛ يحاولُ أنْ يتخلّص منْ يَد أمِّه؛ ليخرج ويلعب تحت الماء المُنْهَمِر؛ وهي تشدُّ على ذراعه بقوة وتُؤنِّبُه.. ما جعل مساعد الصيدلي؛ يُخِيفُهُ بإظهار حقنة كبيرة؛ زاعما أنّه سيَحْقِنُهُ بها إن لم يتوقّفْ عن البلبلة. يُقطِّبُ الطفلُ حاجبيْهِ ويختبئ وراء جلباب والدته. تلاحِظ تحرّكاتِ طفلةٍ  أخرى؛ وهي تُمرِّرُ أناملها على المِظلات المركونة عند الباب؛ وكأنها تمسحُها ممّا علِقَ بها من الماء… تُغافِلُ والدها؛ وتأخذ مظلة نسائية وتتهادى بها داخل المحلّ… وكأنها تُقلّد عارضات الأزياء، ينْتهِرُها وَالدُها بصوْتٍ مبْحوح؛ فتُسارع إلى إعادتها في مكانها؛ بينما المرأة صاحبة المظلّة؛ تضحك وتُعقّب: ” دعْها… دعْها… ليْتنا لم نَكْبُرْ…! ” 

في الزاوية امرأة مُسِنّة، مُبَلَّلَة الثياب، أسعفها الصيدلي وأجلسها على كرسي مريح، ثمّ راح يُجهِّزُ لها أدويتها… بِيدٍ مُرْتجفة؛ فتحتِ العجوزُ حقيبتها المُهْترئة وراحتْ تبْحث عن شيْء ما… وكأنّ أصابعها ضاعت بين الثقوب الكثيرة داخل قماش الحقيبة المُمزّق، زاغ بصرُها، وبدأتْ هستيريا القلق؛ تهزُّ جسدها النّحيف. أخرجت أصابعها بِجُهْدٍ واضح؛ ثمّ أفرغتِ الحقيبة على الأرض؛ فتشتّتتِ الأغراضُ وتدحْرَجَ منْها ما تدحْرَج ليسْتقرَّ عندَ قدَمَيْ “حكيمة”…. بتأثُّرٍ شديد؛ سارعتْ إلى مُساعدة العجوز.

وهي تُلَمْلِمُ الأغرَاض؛ وَقعتْ عيْناها على صورة متآكلةِ الأطراف لِفتاةٍ؛ خُيِّلَ إليها أنّها تعرفها…! نظرتْ “حكيمة” إلى العجوز وقدْ خفَّ قلقها وبدأ الهدوء يكسو ملامحها وتابعتْ لملمة الأغراض وتعمّدتْ أن تكون تلك الصورة؛ هي آخِر ما ستضعه داخل الحقيبة…  سعلت العجوز سُعالاً متقطِّعاً؛ مدّتْ يدها نحو الصورة، أخذتْها بيدٍ مُرْتجفة، قبّلتْها، نظرتْ إليْها ملياً، تنهّدتْ، ثمّ تمتمتْ بغُصّة: ” هذه حفيدتي “عائشة” راحتْ… وانْتهى أمرُها..!”

اسمُ “عائشة” فتّقَ كلَّ خيوط الذّاكرة… خيولُ الزّمَن ترْكضُ بحكيمة إلى سنواتٍ خلتْ…تشهق… تضعُ يدها على قلْبها… وحين تهُمّ بسُؤال العجوز، يمْنَعُها تدَخّلُ الصيْدلي… لقد جهّز الأدوية وأشار إلى العجوز بأن تقتربَ حتى ُيعَرِّفَها بِمقادير الأدوية وأوقاتها. في نفس اللحظة؛ مُساعد الصّيدلي في الطرف الآخر؛ يتكفّل بوَصْفة والدة “حكيمة”، يُعْطيها الدواء، تتنحّى جانباً في انتظار أنْ تخرجَ العجوز. 

وشْوَشات تحْت الماء….

تتأبّط “حكيمة” ذراع العجوز؛ بعْد أن طلبتْ منها الإذن لمُساعدتِها في اجتياز الطريق… تسيران على مَهْلهِما تحت القطرات…. تشعر “حكيمة” أنّ القطرات تُناوِشُهُما في مشهدٍ ظريف يُحلّقُ بها في أجواء لا تعرفها إلّا هي…. أما العجوز؛ فكانتْ تمسح وجهها تارة بِكُمِّ لِباسِها العريض، وتارة تتوقّف عن المسير وتنظر إلى الطريق وكأنّها تعُدُّ الخطوات المتبقّيات للوُصول إلى بيْتها. فهِمتْ “حكيمة” ما يجول بخاطر العجوز؛ فاقترحتْ عليْها أن تتوقفا عن المشي؛ في انتظار سيارة أجرة… المطر يشتدّ… الشارع فارغ إلّا من ضجيج أحد المقاهي؛ حيث يُتابع الزبائن مباراة في كرة القدم…يعلو الهتاف… تتصاعد الشّعارات… يُردّدُ الشارع صداها… تتوقّفُ العجوز عن المشي، تنزع نظاراتها المُبَلّلة وتحاول مسْحَ الزُّجاج بالكمِّ الآخر… تبحث “حكيمة” في جيوب معطفها الجلدي عن منديلها… تُخْرِجهُ وتأخذ النظارات وتمسح ما علِق بها؛ ثمّ تُعيدُها إليْها. وهي ترْبُتُ على كتف العجوز؛ تسألها بلباقة؛ عنْ صاحبة الصورة وتُخْبِرُها أنّها تعرف هذه الملامح… فما قصة صاحبتِهِا..؟

زفرة حارقة؛ إهتزَّ معها صدر العجوز…تلتْها كلماتٌ خافتاتٌ، ووشوشة غيّبتْها قطرات الماء في جُرْحٍ غائر… ” الله يرحمها… الله يرحمها…” ثمّ صمَتتْ وكأنّها تهْرُبُ من ذكرى موجعة… يغْلُبها الدّمع… تنزع النّظارات… تطأطئ رأسها….. العجوز تحكي…. المطر يشتدّ…. “حكيمة” تنْسى موعد المكتبة…. تسْترِدُّ التفاصيل الضائعة… تركب قطار الأمس…. تتمثّلُ المحطّات…. ومن عُمْق الرّماد؛ ينْتفِضُ طائر؛ يُرفْرِف بأجنِحةٍ منْ مِداد…

“عائشة”…. تلك التّلْميذة النّابغة…. الكاتبة الصغيرة، ذات الخواطر الجميلة، درّستْها الأستاذة “حكيمة”؛ لمدة ثلاث سنوات؛ حيث تدرّجتْ معها في مرحلة التعليم الثانوي حتى نهايته. أحبّها كل أساتذتها دون استثناء…شاركت في العديد من المسابقات في الكتابات الأدبية؛ التي كانتْ تُنَظِّمُها المدرسة في الأعياد والمناسبات وفازت على أترابها، فشرّفتْ مدرستَها وحظيت بتكريم متواصل… تنهمر دموع “حكيمة” وهي تسْتَردُّ صدى التصفيقات في إحدى المناسبات؛ حين تقدّمتْ التلميذة النّجيبة إلى المنصّة؛ لِاسْتلام دِرْع التّشريف؛ قال المدير: “خواطركِ صادقة وكأنّكِ عِشْتِ زمن الثورة المجيدة… كُلّنا نُبارِكُ عملَكِ…” وقبّلَ رأسها الصّغير؛ ثمّ سألها إن كانتْ تريدُ أن تقول شيئا…. بثباتٍ كبير، وبهدوء ملحوظ؛ استدارت “عائشة” إلى حيث تجلس أستاذتها “حكيمة”؛ هزّتْ رأسها، نظرتْ إليْها مليّاً؛ ثمّ استأذنتْ مدير المؤسّسة؛ برغبتها في تسليم الدّرع إلى أستاذتها التي علّمتْها وغرست فيها حُبّ الكتابة، وحُبّ البلد… تحتَ وابلٍ من التّصفيقات الحارّة…. تتقدّمُ “حكيمة” نحو المنصّة، يُحيّيها المُدير… يتمُّ التسليم…. تُتَبادَلُ التّهاني…. تغادر “عائشة” المدرسة؛ وهي تستمتع بتمثُّلِ أغنيةٍ من الزّمن القديم؛ غنّاها: “الصّادق جمعاوي”

 “شكراً أستاذي… شكراً أستاذي…. شكراً يا وليد بلادي…

علّمْتْني الفنّ ونْطيعْ والْدِيـــا

حُب الله والوطن والانسانية

مازال تْضَحّي وتْكَوّنْ في المدرسة الأساسية

شكراً وألف شكر يا أستاذي…

شكراً وألف شكر يا وْليدْ بلادي….

لا تريد “حكيمة” أن تستفيق من هذا المشهد.. غير أنّ سُعال العجوز يقطع الشّريط، فتنْتَبِه إلى المرأة؛ وتشعر بتعبها المفاجئ… تستغربُ عدم مرور ولا سيارة أجرة كلّ هذا الوقت…! تستحسن فكرة الاتّصال بأخيها “معاذ”.. تُهاتِفُه… يحضر بعد نصف ساعة تقريبا، تقْلِقُه حالة العجوز؛ يُشاورُها إن كانتْ تقبلُ الذهاب معهما إلى عيادته الخاصّة من أجل فحصها… وقبل أن تُجيبَ يشتدُّ سعالُها…. آثارُ الحُمّى الباردة؛ تظهر شيئا فشيئاً… تتدخّل “حكيمة” بسرعة: “نعم، نعم، نأخذها إلى العيادة “. تُشير العجوز إلى كيس الأدوية المتواجد داخل حقيبتها… يتفحّصُهُ “معاذ”، يفهم أنّها مُصابة بداء السُّكّري… ينصحها بالموافقة على الذهاب معهما إلى العيادة ويعِدُها بإيصالها إلى غاية بيْتها بعْد الِانْتهاء من الفحص؛ فالسيارة موْجودة؛ ولا خوف منَ التّأخُّر في هذا الجوِّ الشّتْوي بِرُعُودِهِ وسُيوله…ِ 

سرير بنكهة الدّموع….

طلب “مُعاذ” من زميله المتمرّن الذي يتقاسم معه العيادة؛ تحضيرَ ما يلزم للفحص، اندهش الطبيب الزِّميل؛ وعلّق هامساً: “ألسْتَ في يومِ إجازتك…؟ ” تنهّد “معاذ” وهو يراقب ضغط المريضة ودرجة سكّرها، ثمّ صاح: “هيّا، هيّا أحضروا المصل… انخفض سكّرها وستدخل في غيبوبة…” جرى الممرّض والطبيب المُتَمرّنُ وتحلّق الجميع حول العجوز؛ إلا “حكيمة” فقد طلب منها أخوها الانتظار في الرّواق… هاتفتْ والدتها؛ بعد أنْ تأخر الوقت… أخبرتْها بالوضْع الإنْساني الذي أوْجَبَ تأخُّرَها…. بعد ساعة تقريباً؛ بدأت العجوز تستردُّ حيويتها… فتحتْ عيْنيْها، تساءلتْ أين هي…؟ كانتْ تنظر إلى المَصْل تارة؛ وتارة تنظر إلى المُتَحَلّقين حولها… حاول “مُعاذ” تهْدِئتَها فأخبَرها بأنها في عيادة طبية؛ وأن عليْها أن تستريح فقط…. شكرتْهُ وسألتْهُ عن الفتاة التي كانتْ معها تحت المطر…. بدون تردّد؛ خرج “معاذ” إلى الرّواق ونادى أختَهُ “حكيمة” …. جلستْ “حكيمة” على طرف السّرير؛ بيْنَما غادر أصحاب المآزر البيضاء الغرفة؛ بعد أن تأكّدوا من سلامة العجوز.  بدون مقدّمات، راحتِ العجوزُ تحكي….

بعد طلاق والدَيْ “عائشة”؛ وزواج كلّ واحد منهما زواجا جديداً، ضاعت الفتاة…. انكسرتْ أحلامها… اجتمع عليْها حقد إخوتها من أبيها، وتفنّن إخوتها من أمّها في إلحاق الأذى بها… تركتِ الجميع؛ واستقرّتْ عندي؛ وباعتباري جدّتها من أمّها؛ سهُلَ عليْها رؤية والدتها؛ عندما تزورني هذه الأخيرة؛ برفقة زوْجها الجديد… أمّا والدها فلم تكن تراه إلّا لماما؛ خاصة لمّا اتّهمها إخوتُها تهمة باطلة… فقد أصروا على أنهم شاهدوها وهي تخرج من غرفة والدهم التي لا يدخلها أحدٌ في غيابه. كانت الجانية الحقيقية هي إحدى قريبات زوجته الجديدة؛ سرقتْ مبلغا ماليا مُعْتَبَراً؛ لَمَحُوَها وهي تخرج من الغرفة؛ ومع ذلك صمتوا خوْفاً منْ أمّهِمْ ورغبة في إنزالِ الضّرر بعائشة. بكتِ الفتاة وأقسمتْ وحاولت تبرئة نفْسِها؛ احتار والدها بين التّصْديق والتّكْذيب؛ مسح على رأسها واكتفى بالتعليق: ” فلْيُسامح الله مَنْ سرقني وهو في بيْتي…!” ثمَّ انشغَلَ عنها بتجارته وبمشاكلِ أوْلادهِ التي لا تنتهي.  يوم  توْديعه الأخير على سرير المستشفى؛ لم تستطعِ البكاء…. ولم تستطع الكلام… جفّ حلقُها… شعُرتْ بِدوار، غلبَها القيء، سقطتْ؛ وعويل أسْرتهِ الجديدة يثقُبُ أذنيْها… بعد قضاء نصف يوم في المستشفى؛ أخذتها والدتها معها إلى البيْت الجديد؛ حيث  ستقضي أياما عديدة مع إخوتها الآخرين؛ الأغرابِ عنها…. لم تستطع التّأقلم معهم؛ ولا هُمُ استطاعوا ذلك. في مثل هذه الأجواء المتوتّرة؛ كانتْ تلجأ إلى كتابة ما يخطر ببالها…. تشعر بالراحة وهي تكتب…. لكنها راحة مؤقّتة؛ فغالباً ما يحاولون استفزازها…. تتدخل الأمُّ مرّة… مرّتيْن…. يتدخّلُ الزوجُ صارخا في الجميع…. هُدْنة يسيرة؛ ثمّ تُسْتَاْنَفُ المشاكسات والمضايقات لِأتْفَهِ الأسباب…. تذكُرُ يوما أنهم مزّقوا كرّاسها الذي اعتبرتْهُ أغلى من الذّهب…. وعندما سمعت والدتها بذلك؛ علّقتْ ببرود عجيب: “نشتري لكِ كُرّاساً آخر…!” وقْتَها فقط؛ أيْقَنَتْ أنْ لا حياة لها ولا سلام مع العائلتيْن…. فقرّرت الانسحابَ النهائي؛ للعيش مع جدّتها… لم يكن لهذه الأخيرة؛ سوى دخْلٍ شهْري بسيط؛ تتقاضاه من تقاعد المرحوم زوجها… شمّرتِ الفتاة عن ساعديْها ودخلت عالم الشُّغْل…. عملت في المطاعم، في تنظيف المحلات التجارية والمكاتب الخاصة، وكان آخر مكتب عملتْ فيه؛ مكتب “قدير” أحدُ المُحامين….سعلت العجوز؛ وهي تُحاولُ الجلوس بدلاً من الاستلقاء؛ وكأنّها تتأهّب لِاسْتحْضارِ سِنينَ خلتْ… مدّتْ “حكيمة” يدها لتعْديل المصل؛ الذي اهتزّ بسبب تحرّكاتِ العجوز وسعالها… وتابعتْ حكيها… بجانب مكتب المحامي؛ كانتْ غرفة الأرشيف؛ مليئة بالقضايا القديمة، والملفات البالية؛ ووجدت “عائشة” في هذه الغرفة مُبْتغاها. عندما تنتهي من عملية التّنْظيف؛ تجلس في ركن؛ حيث توجد طاولة وكرسي؛ وتغرق في تسجيل خواطرها….. الكراسُ معها دائماً… إلى أنْ جاء اليوم الذي نسيَتْهُ على الطاولة؛ وخرجتْ مُهرْولة بعد حدوث شجار كبير بين أشخاصٍ عند باب مكتب المحامي… لم تفهم شيئاً وظلّتْ واجمة…. لمْ يُمْهِلُها المحامي؛ طلب منها أنْ تُغادر المكان وتعود في الغد. خرجتْ وتركت الكراس… أمْعَن ليْلها في الطول…. تضايقتْ، اختنقتْ، حاولت الاتصال بالمحامي “قدير” بواسطة الهاتف؛ لكنها تراجعتْ… منَعَها الحياء… انشغلتْ بتذكّرِ كل معاني الصبر التي تعلّمَتْها مع مرور الأيام… في الغد ذهبتْ في موعد عملها. سارعت إلى حيث الكراس؛ وجَدتْهُ مطوياً وهي التي تركتْه مفتوحا؛ لمْ تهتمْ، راحتْ تُنَظّف مثل العادة بكل حماس…. عندما انتهى وقت عملها؛ وهمّتْ بالخروج؛ نادتها الكاتبة الرئيسية؛ “بُشْرى” وأخبرتْها أن تدخل إلى مكتب المحامي لأمْرٍ ما…. توقّفتْ بُرْهة، سألتْ باندهاش عن السبب…. ابتسمت الكاتبة وعلّقتْ: “خير… خير…. إن شاء الله.”  دخلت المكتب وهي مرتبكة…. ألقت التحية ولسان حالها يقول: “اللهم اجعلْه خيراً..” خشِيتْ أن تفقد شُغْلَها….خشيتْ أن تعود إلى تنظيف المطاعم…. خشيتْ أن تشعُرَ بالقهر؛ الذي كان يغشاها وهي تنظف الطاولات منْ أمام فتياتٍ في سنّها؛ تتمثّلُهُنّ وهنّ يتضاحكن…. يتحاكيْن….يؤثِّثْنَ لأحلامٍ تُعانِق السّماء…يغْمُرْن المكانَ بهجةً؛ تارة بسرد الطّرائف؛ وتارة بأخذ صور تذكارية في المطعم… يستخرجن هواتفهنّ النّقالة؛ وتبدأ التعليقات… ويبدأ المزاح… هاتفي أحسن من هاتفك…. هذا هدية من أبي…. هذا هدية من خطيبي…. الألوان عندي ناصحة…. ألوانكِ باهتة…. خذي؛ تصوّري بهاتفي أحسن لك….!  تذكّرتْ كلّ هذا، وفي لحظة خاطفة؛ تصوّرتْ أنّه سيستغني عنْ خدماتها…. لا تدري كيف ساورها إحساس بالضياع رغم أنها – في اعتقادها- لمْ تقترف ذنْباً… يأكل الشّكُّ قلبها الثّمل بمرارة الأيام…. وقبل أنْ تغرق في سوداوية اليأس؛ تسمع صوتَه وهو يدْعوها بكلّ أدب؛ إلى الجلوس… دون أنْ ترْفَعَ عيْنَيْها عن السّجّاد الأزرق؛ الذي يُغَطّي أرضية المكتب؛ تتقدمُ ببطءٍ نحو الكرسي؛ وكأنّها تنْفلِتُ من قيود همٍّ كبير؛ كسا وجْهها بمعنى يَصْعُبُ تفسيره… ضغط على الزّر الذي أمامه؛ أقبلتِ الكاتبة الرئيسية “بُشرى” تحمل استمارة؛ وضعتْها أمام المُحامي على مكتبه، تمعّن “قدير” في الاستمارة؛ ثمّ مدّ يده نحو “عائشة” التي هزمها الخوف…. أخذتْها بِيدٍ مرتعشة، فهِمَ المحامي ارتباكَها وخوْفَها… الاستمارة تهتزّ بين أصابع اليد؛ والفتاة في غياب تام عن الواقع. ينظر إليْها نظرة مُتفحِّصة؛ وبنبْرَة حازمة؛ يدعوها إلى ملءِ الاستمارة بدقّة؛ وفي أسرع وقت….! ثمّ يُوجِّهُ أوامره للكاتبة “بُشْرى”: ” ستكون هذه الفتاة؛ مُساعِدتُكِ الأولى في المكتب…! انطلاقاً من الغد؛ ستُدرّبينها على العمل الجديد…!” شهقتْ “عائشة”… صُعِقتْ….! كلُّ معاني الاستغراب حطّتْ بِرأسها… أرادتْ أن تسأل… أنْ تشكر… لمْ تستطع الكلام… لمْ تقْوَ…. غلبَها الدّمع، احمرّتْ وَجْنتاها… أجهشتْ بالبُكاء…. همستْ “بُشرى” وهي تربت على كتفها: ” المنطقي؛ أن تفرحي….!” تنهّدتْ “عائشة” وكأنّها تخلّصتْ منْ غُصّة في حلْقِها وبدأتْ تستوعب الموقف…. أشار “قدير” بإحدى يديْه ودون أن يرفع عيْنيْه عن ملفٍّ أمامه: ” هيّا… اِنْصرِفا.. بالتوفيق..”

 منْ أينَ تأتي هذه الفراشات…! تزدحم فوق رأسها على شكلِ تاجٍ من ألماس.. تفرش أجنحتها الزاهية؛ وبِهنْدَسة بديعة؛ تُظلّلُ جبينَها؛ فإذا بالأهداب الطويلة؛ تُعانق العيْنيْنِ الجميلتيْنِ بعد أنْ أغمَضَتْهما تشبُّثاً باللحظة الحالمة… بعْض لحظات العمْر؛ إنّما هي نفحاتٌ تُلامس الرّوح، فتتفتّقُ زهور الأمل.. نفحاتٌ تملأ الرّوح نوراً؛ تغتسل فيه الأعماق بعبق الإحساس الجديد بالحياة؛ فتضيع الكلمات؛ ويظلُّ الإحساس فقط هو الشِّراع الذي يُوَجِّهُ البشر…. تيقّنتْ أنّ “قدير” هو مَنْ طوى الكرّاس بعد الاطّلاعِ عليْه، تيقّنتْ أنّه إنسانٌ نبيل؛ أشفق عليْها بسبب ما قرأه….  والحقيقة أنّ “قدير” احترم مُستواها العِلْمي، وطاقتها في تحمّلِ ما حكتْ عنه…. عاتب نفسَه؛ سارع إلى تصحيح الوضع دون شرح….

وهي تُباشر عملها الجديد؛ تكتشف مع مرور الأيام؛ قضايا ووقائعَ أغرب من الخيال…يَصْرُخُ داخلُها: ” يا إلهي…!” شيئاً، فشيئاً، تتعوّدُ…. يتحوّلُ صُراخُها الدّاخلي إلى قناعة أبدية:  ما أتعس الإنسان.. وما أعجب الأقدار…!! 

نصحها المحامي بالعودة إلى متابعة الدراسة؛ واقترح عليْها تخفيف ساعات العمل في المكتب؛ غير أنّها رفضتْ بلباقة، وشكرتْه على هذا الدّعم…. العناية بجدّتِها والانضباط والمسؤولية تّجاه مَنْ وثِقَ بمُسْتواها؛ كل هذا يجعلها؛ تكتفي بما لديْها…

صفّارة المحطّة الأخيرة….

أربع سنوات من العمل الجادّ؛ كانتْ كافية لتُصْبِحَ “عائشة” هي الكاتبة الرئيسية، فقد سافرتْ “بُشْرى” مع زوجها إلى السعودية؛ نُزولاً عند رغبة حماها المُقيمِ هناكَ منذ زمن بعيد. وَدّعَتْها بحُزْنٍ كبير، طمْأنتْها “بُشْرى” أنّها لنْ تنْقطِعَ عن التّواصل مَعَها. تتسعُ الأمْنِيات… ويُقبِلُ المرْءُ على الحياة؛ يغْترفُ منْها زادَهُ، يجدُّ ويكِدُّ… ويضيءُ شموعا من حول الذين يعيشون معه…. وكذلك كانتْ “عائشة” شمعة جدّتها الحاجة “زُبيْدة ” التي هاجر أولادها الذّكور إلى دولٍ أجنبية؛ وتركوها وحْدها مع آلامها وأمراضها المزمنة…. أصبحتْ “عائشة” هي الدّفء، الذي افْتَقَدتْهُ الحاجة “زبيدة”…. تنتظر عوْدتَها من العمل بصبْرٍ كبير، تُؤَجِّلُ أدويتها حتى تأتي الفتاة، تؤجّلُ طعامها حتى تعود ومعها كيس فواكه…. عندما تُعاتبها الحفيدة: ” لماذا لم تأكلي يا جدّتي، يا مليكتي…؟” تتظاهر الحاجّة بأنّها لا تحبُّ الأكل دون وجود فاكهة…! تبتسم “عائشة” وتهمسُ في أذنِها: ” حاضر… فاكِهَتُكِ لن تغيبَ عنكِ…!” ثمّ تُهزُّ رأَسها وتهْمِسُ لنفْسِها: “أعلمُ… أعْلمُ أنّني أنا فاكِهتُك…” !

غير أنّ الفاكهة ستغيب…. كبُر إخوة “عائشة” من والدها المُتَوفّى؛  وكبُرتْ أطماعُهُمْ معهُمْ، وعُرِفوا بالتّهَوّر الملحوظ؛ بيْنَ ساكنِة الجِوار… جرّبوا المُسْتحيل لإخراج “عائشة” من الميراث، ولكن العدالة كانتْ أقوى منهمْ. تكلّف المُحامي “قدير” بقضيَتِها، فأطلقوا ألسنتهم في عِرْضها وعِرْضِهِ – وهو الرجل الخلوق، الكريم- هجموا عليْها وهي في المكتب؛ دخل أحدُهُمْ السِّجْن بعد أنِ اشتكاهُ المحامي إلى السلطات المعنية؛ فتأجّجتِ الحرْبُ بينها وبين بقية الإخوة. بعد انقضاء مدّة السّجن؛ اشتعلتْ نيران الحِقْد وكبُرَتِ الرّغبة في الانتقام…. تحالف ِخرِّيجُ الِّسجن مع جماعة من الأشرار لِتصْفِيَتها….. خطّطوا وطبّقوا باحترافية…. سقطتْ عند ناصية الشارع… تخبّطتْ في دمائها.. عدّةُ طعناتٍ اسْتَهْدَفَتْ جسمها النّحيف؛ كانت كافية لانتقالها من محطة الحياة إلى محطة الغياب التامّ….. تبعْثرَ كيس الفواكه والجدّة تنْتظر….

سالتْ دموع “حكيمة”…. لمْ تقْوَ على الكلام…. ارتمتْ في حضن الحاجّة “زبيْدة” همّتْ بتقبيل رأسها؛ فإذا بالرأس يترنّح على الوسادة….. صرختْ… نادتْ… حضر مَنْ حضر…. َتمَّ تسْجيلُ ساعة الرَّحيل….! 

نال المجرمون العِقاب…. عادوا إلى السُّجون وَقدْ ألِفوَها…! لكنْ هلْ تعودُ “عائشة” إلى الحياة…؟ تُحلّقُ “حكيمة” في سماء “المتنبّي” وقدِ اسْتوْحَشَتِ الكوْنَ بأسْره: وما الموتُ إلا سارِقٌ دقَّ شخْصُهُ   *   يصُولُ بِلا كفٍّ ويسْعَى بِلا رِجْلِ! 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com