باريس ـ قريش
صدر حديثًا عن دار فكرة كوم للنشر والتوزيع بالجزائر كتاب ثلاث روايات قصيرة من اليمن الحزين للكاتب اليمني حميد عقبي، ويضم ثلاث روايات قصيرة هي البهلونة، ميكروباص صنعاني وبلدوز أحمر، هذه الروايات تظهر مستقلة لكنها تتجاور في الرؤية والهمّ الإنساني، وتقدّم قراءة سردية مكثفة لليمن والذي يظهر كمكانٍ للذاكرة والقلق والحلم المؤجّل.
في «البهلوانة» يعود السرد إلى مدينة بيت الفقيه في تهامة اليمن خلال أوائل الثمانينيات، عبر صوت طفل يراقب العالم من الهامش. لا تقوم الرواية على حبكة تقليدية، بل تتقدّم من خلال مشاهد متجاورة وأمكنة رمزية مثل البئر والضريح والمدرسة. تتحوّل الحكايات الشعبية والإيمان الشعبي والخوف والتمييز الاجتماعي إلى عناصر تشكّل وعيًا مبكرًا، حيث تتداخل الأسطورة مع الواقع، ويُطرح السؤال الأخلاقي جزءًا من الحياة اليومية.

أما «ميكروباص صنعاني» فتجري أحداثها في اليوم الأخير من عام 1999 داخل ميكروباصات صنعاء القديمة. يتحوّل التنقّل اليومي إلى مساحة اعتراف وسخرية وتأمّل، ويبرز حضور الفنان المسرحي اليمني الراحل عبدالله مسعد العمري بوصفه طاقة مسرحية حيّة وليس بطلًا تقليديًا. الرحلة القصيرة تتحوّل إلى عرض مرتجل تتقاطع فيه أصوات الركّاب مع ضجيج المدينة، في لحظة زمنية مشحونة بالقلق والأسئلة عن الغد.
وفي «بلدوز أحمر» ينتقل السرد إلى زمن قريب متخيّل (2029)، حيث يصبح البلدوز رمزًا لقوة عمياء تهدم الذاكرة والمكان باسم «التحديث». تتقاطع مصائر شخصيات متعددة في عالم يختلط فيه الديني بالسياسي والتقني، وتُطرح أسئلة حادّة عن المراقبة والعنف وحدود النجاة الفردية.
تلتقي الروايات الثلاث في ثيمات مشتركة أبرزها: الخوف بوصفه حالة يومية، المدينة كذاكرة حيّة مهدّدة، الإنسان الهشّ في مواجهة السلطة والعنف، والحلم بالحياة والسلام. وتقوم تقنياتها على التكثيف، وبناء المشهد، وحضور الحسّ السينمائي في الإيقاع والانتقال، ما يمنح القارئ تجربة قراءة موحّدة رغم تنوّع الأزمنة والحكايات.
يُعدّ حميد عقبي من الأصوات اليمنية النشطة في السرد العربي المعاصر، وقد أنجز أعمالًا روائية ونصوصًا سردية غزيرة ومتنوّعة، إلى جانب اشتغاله في السينما والمسرح والنقد. تتميّز كتابته بالتكثيف، والحسّ البصري، والانشغال بالإنسان والهامش والذاكرة.
من أجواء الكتاب ـ الفصل الأول من رواية بلدوز أحمر والتي تتكون من 25 فصل
الفصل الأول
يُصاب الناس بالذعر كلما رأوا البلدوز الأحمر الضخم يدخل المدينة، يقولون إنه لا يأتي بخير؛ فكلما دخل مدينة تهامية أحزن أهلها. بعضهم يسميه المدمّرة كول، وبعض المثقفين يسمونه المدمّرة بوتمكين نسبةً إلى عنوان فيلم المخرج الروسي سيرغي أيزنشتاين، رغم أن أغلبهم لم يشاهدوا الفيلم، لكن الجميع يربطه بالتدمير. والغريب أنه يتبع وزارة الإنشاء والتعمير والهيئة اليمنية لتطوير وتحسين المدن، ويقال إنه تابع أيضًا لوزارة التنمية.
يرجع الكثير من الناس إلى السوقطري يسألونه عما يجهلونه. لا أحد يعرف لماذا سُمّي بالسوقطري، وهو معلم رياضيات في المدرسة الثانوية. يُقال إنه يستخدم مواقع الذكاء الاصطناعي بشكل مميز، ولذلك يسأله الناس كثيرًا في مسائل الاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا، وأحيانًا الدين. لكنه يهرب من أي سؤال عن البلدوز الأحمر، ويقول: هؤلاء قبصتهم القبر، وأحيانًا كثيرة تتمنى القبر بعد قبصتهم.
بيت الفقيه، مدينة تهامية كغيرها من مدن الساحل التهامي اليمني، تعاني من ظلمهم وجبروتهم، من غطرستهم ومكرهم، منذ دخلوا دون مقاومة، أو سُلّمت لهم كما سُلّمت المدن والمحافظات والمعسكرات وكل مؤسسات الدولة منذ 6 فبراير الأسود عام 2015 وإلى اليوم، نحن في 2029 : ما يقارب من خمسة عشر عام بلا دولة ولا قانون.
من حين إلى آخر يخطب الزعيم من كهفه، يعد ويتوعّد، يمني الناس بالجنة ورضوان الله ورضاه، ويهدد الأعداء بالويل والثبور وغضب الله وسخطه وسقوط أمريكا وإسرائيل. والحقيقة أن كل يوم يسقط المئات من الأطفال موتى بسبب الجوع وسوء التغذية وفقر الدم.
قبل يومين دخل البلدوز الأحمر وهدم بيتًا أثريًا قديمًا يعود لعائلة صوفية صغيرة لم تتاجر بالدين وبقيت في الظل. أُصيب عميد هذه الأسرة بشلل جزئي من هول الصدمة. ويقال إن المصائب كلها من ذلك الجاسوس الذي يسمونه أيضًا البلدوز الأصفر. يدّعي أنه رجل دين صالح يعمل من أجل البلاد، ويرفع شعار: نتّقي شرّهم بالطاعة والصبر.

















































