د. خالد زغريت
كاتب من سوريا
بلا توقيت سياسي شنت إسرائيل حربها على إيران ، وبلا ترتيب دبلوماسي ستستدرج إسرائيل العرب وأمريكا وأوربا لمشاركتها الحرب، تلك هي بدعة سياسة نتنياهو ، إسرائيل لا تفاوض إيران بالنيران ، بل تفاوض حلفاءها بالنيران لمناصرتها.
بدقة عالية كانت الضربة التي شنتها إسرائيل على إيران خارج صندوق المناوشات الحربية ، وخارج القصف النار ي للضغط السياسي. هي طلقة بداية حرب لا رجعة فيها قبل تحقيق جزء رئيس من أهدافها، أقله تجريد إيران من مخالبها العسكرية التقليدية والمتطورة، وبتر شريان أذرعها، و إشغالها داخلياً بصراعات تتولد بآثار الضربة التي كسرت قواعد أهداف إيران الإستراتيجية المتمثلة بأيدلوجيتها التي تقنّع الطموح الإمبراطوري الفارسي بالثورية الشيعية ، و تفريخ حركات توظفها في تحقيق الأهداف الفرسية المخاتلة .
جعلت هذه الضربة إيران تقف أمام الذين يتبنون شعاراتها خارجياً ، والذين يحملون شبعويتها داخلياً عاجزة بائسة محبطة. ، مما يفجّر صراعات داخلية بينهم، تتجاوز أهداف إيران وسياستها ، وتفرغها من محتواها ، وتزجها في شبكة معقدة من تناحر إثني وقومي و ديني. ينذر بتفكيك إيران ، أو على الأقل أو يرمي في تيه تصارعي طويل الأمد.
لم يعد أمام إسرائيل أية خطوة تراجع عن تحقيق تدمير ملموس في بنية الدولة الإيرانية عسكرياً واقتصادياً وإيديولوجياً . ولم يعد أمام إيران فرصة ابتلاع الإهانة ، والمراوغة في إخراج تمثيلي يحفظ ماء وجهها أمام شعبها و أذرعها ، لكن رد إيراد سيكشف وهم قوتها .
لم تقدم إسرائيل على الضربة إلا بعد أن حسمت عوامل تفوقها ،بتقديرها لقوة إيران ، وامتلاكها القدرة على شلها في مفاجآت تفوق ما رأيناه في حرب غزة و حزب الله . إنها حرب لن تنتهي إلا بنصر حاسم، يحول إيران إلى دولة مشغولة بضعفها ومشكلاتها وسيطول بها الزمن لنقل ركام أنقاض بناها العسكرية الخلبية ، وبناها التحتية الواهنة ، وسيكون الأمد قصيراً لإخلاء الشرق الأوسط من نفوذها وسياستها.
لم يكن غريباً على العرب أن يظهروا مربكين تجاه الضربة ، وإن كانت رغبتهم ساحقة بالتخلص من هيمنة إيران وقواها العسكرية وأذرعها ، لكن العرب يعرفون أن إسرائيل لا تشارك أحداً بغنائم نصرها ، وعلى العرب فقط تسديد جزء من فاتورة كلفة الحرب ، وتحمل أجزاء من عبء آثارها في الفوضى التي ستجتاح إيران جراء الضربة وارتداداتها في المنطقة .
مشكلة العرب خوفهم من أن تتحول بلادهم إلى رهينة لإيران، واقتصادهم أسير انتقامها، وابتزاز العالم العربي بهما، وهذا الخوف مشروع لأن إسرائيل لا تتوجع لما يلحق باقتصاد العرب وأمانهم واستقرارهم . وإيران لن تنخدع بتصريحات العرب الشاجبة للعدوان الإسرائيلي وإداناتهم. لذلك لن تتوانى عن تهديد العالم بتوسيع حربها الانتقامية بضرب مواقع عربية إستراتيجية اقتصادية وعسكرية ، من غير دغدغة القواعد الأمريكية.
تلتقي أهداف إيران وإسرائيل في استدراج العرب للحرب لتحويلهم إلى رهينة ، فهي مرغمة على الضغط على العرب و أمريكا لإيقاف الحرب عليها . وإسرائيل ترغب في ابتزاز أمريكا وأوربا والعرب لدعمها في حربها عسكرياً ومالياً ، وتشتيت قوى إيران بفتح الجبهات عديدة عسكرية واقتصادية وسياسية ، فلا تحمل عبء الحرب منفردة .
إنها لعبة إسرائيل السياسية مفاوضات النيران، وهي نيران ليست للضغط السياسي، بل لربح الحرب من غير تنازلات ، إذ تضع إيران تحت نيران جبهات أمريكا وأوربا والعرب ، فتشلها وتبدد قواها، ويصير استمرارها في الحرب استنزافاً خاسراً يقترب من الانتحار ، ومضاعفة عزلتها مقابل مضاعفة أنصار إسرائيل.
ضربة إسرائيل لن يستثمر فيها سواها ، ولن يقتسم معها غنائم نصرها. إنما على الجميع أن يشارك في تكلفة الحرب. الضربة ليست ولن تكون أداة ضغط في تفاوض إيران مع أمريكا ، إنه تفاوض إسرائيل بالنيران المدمرة لا المهددة، والرابحة التي لا تقبل قسمة الغنائم وتفرض قسمة التكلفة.


















































