نجلاء مرون
باحثة في القانون العام من المغرب
أصبحت الرياضة في أفريقيا وخصوصا كرة القدم، مجالا يتجاوز حدود الترفيه والمنافسة ليبلغ عمق العلاقات الدولية وبناء الصورة والرموز السيادية، فالتظاهرات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد أحداث ظرفية، بل تحولت إلى منصات دبلوماسية غير رسمية تختبر قدرة الدول والقارة على إدارة صورتها في نظر الرأي العام العالمي، وفي هذا السياق جاء تنظيم كأس الأمم الإفريقية بالمغرب باعتباره رهانا استراتيجيا يتجاوز استضافة بطولة قارية نحو تقديم نموذج إفريقي قادر على التنظيم المحكم، والاستقرار المؤسسي، والانفتاح، وإعادة بناء الثقة في قدرة القارة على احتضان الأحداث الكبرى وفق المعايير الدولية.
استثمر المغرب لهذا الموعد القاري في بنية تحتية متقدمة، وتأهيل شامل للملاعب والمدن، وتحديث شبكات النقل والخدمات، وتعبئة أمنية وتنظيمية واسعة، فضلا عن بعد ثقافي احتفالي يعكس تنوع وغنى الهوية الإفريقية، ولم يكن هذا الاستثمار موجها فقط لإنجاح بطولة رياضية، بل لحمل رسالة رمزية إلى الخارج مفادها أن إفريقيا قادرة على الإنتاج والتنظيم والابتكار، ومؤهلة لاحتضان التظاهرات الكبرى وفق المعايير الدولية، ومن هذا المنطلق، غدا ” الكان” واجهة دبلوماسية للقارة بقدر ما كان منافسة كروية.
غير أن لحظة الحسم في نهائي الكان كشفت هشاشة هذا الرهان، حين انتقلت مباراة المغرب والسنغال من حيز التنافس الرياضي إلى فضاء أزمة، رافقها مناخ مشحون واحتجاجات وخطابات إعلامية وجماهيرية حادة، واصطفافات عاطفية صادرة عن بعض الأوساط، وقد أنتج هذا التحول السريع إحساسا واسعا بالخذلان لدى فئات من الرأي العام المغربي، ليس بسبب النتيجة أو الجدل التحكيمي وحدهما، بل لأن جزءا من التفاعل الإفريقي مع الحدث اتخذ طابعا تصعيديا قوض البعد الوحدوي والاحتفالي الذي سعى المنظمون إلى ترسيخه.
وتكمن خطورة هذا النوع من الأزمات في كونها لا تتجسد في قرارات رسمية أو توترات دبلوماسية كلاسيكية، بل في آثارها التراكمية على الصور الذهنية والسرديات المتداولة، فقد تحولت لحظات التوتر داخل الملعب وخارجه بسرعة إلى مادة إعلامية عالمية، جرى فيها تضخيم مشاهد الانفعال والاحتجاج مقابل تهميش النجاحات التنظيمية، وفي منطق الإعلام الدولي، غالبا ما تختزل إفريقيا في لحظات الاضطراب، بما يجعل أي حدث مثير للجدل يقرأ كدليل على هشاشة القارة، بدل اعتباره حادثا ظرفيا ضمن مسار رياضي طبيعي.
وفي هذا السياق يبرز الإعلام بوصفه الحلقة المركزية في منظومة الدبلوماسية الرياضية، ففي التجارب الكروية الكبرى، لا تدخل المنتخبات المباريات الحاسمة بفرقها التقنية فقط، بل تصحبها جبهة إعلامية متكاملة تشتغل قبل وأثناء وبعد المواجهات، وتستثمر كأداة ضغط مشروع داخل منظومة كرة القدم الحديثة، ففي إسبانيا وإنجلترا وفرنسا، تطورت منظومات مواكبة إعلامية وقانونية تعتمد على خبراء في التحكيم والقانون الرياضي لإدارة النقاش العمومي المرتبط بالمنافسات الدولية. وداخل إفريقيا، تظهر في مصر والجزائر ونيجيريا والسنغال نماذج لإعلام رياضي يشتغل كذراع تعبئة وتأثير يرافق المنتخبات بخطاب موحد.
في المقابل، ورغم التحول الكبير الذي حققه المغرب على مستوى التنظيم والبنية التحتية والنتائج، لا يزال يفتقر إلى منظومة إعلامية رياضية قادرة على أداء هذا الدور الاستراتيجي، فالإعلام الرياضي المغربي، وخصوصا العمومي، ما زال في معظمه أسير منطق التغطية والوصف، لا منطق بناء السرديات وإدارة المعارك ، تغيب وحدات متخصصة في الدبلوماسية الرياضية، ويظل حضور الخبرة في القانون الرياضي والتحكيم محدودا، كما يظل الامتداد الدولي للإعلام المغربي ضعيفا من حيث اللغات والمنصات والتأثير، ونتيجة لذلك تترك في محطات كثيرة عملية إنتاج المعنى خارج الفضاء الوطني، ثم يكتفى بردود فعل متأخرة.
وفي قلب هذه الثغرة، يتأكد أن الإعلام العمومي لم يدمج بعد بوصفه أداة من أدوات القوة الناعمة، فهو قادر إذا أُعيدت هيكلته، على حماية الرأسمال الرمزي للدولة والقارة، وصياغة سردية متماسكة تعكس الإنجازات التنظيمية والثقافية، لكنه يحتاج إلى وحدات متخصصة، وبروتوكولات تدخل فورية ومسارات تكوين عالية المستوى تجمع بين الصحافة الاستراتيجية، والتواصل الدولي، والتحليل الأكاديمي، والقانون الرياضي الدولي، حتى يصبح فاعلا في إدارة الصورة لا مجرد ناقل للحدث.
والمغرب، وهو مقبل على استحقاقات رياضية عالمية أكبر، مطالب اليوم بالانتقال من منطق الاستضافة إلى منطق التأثير، ومن مجرد تنظيم الأحداث إلى هندسة صورتها، ومن التواجد في المنافسة إلى الفاعلية في موازين القوة، ففي عالم تخاض فيه المعارك قبل صافرة البداية وبعدها بقدر ما تخاض داخل الملعب تصبح الدبلوماسية الرياضية ليست ترفا مؤسساتيا، بل شرطا أساسيا للسيادة المعاصرة.
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































