هندسة العلاقة السورية الإسرائيلية وتداعياتها على التوازنات الإقليمية؟

9 يناير 2026
هندسة العلاقة السورية الإسرائيلية وتداعياتها على التوازنات الإقليمية؟

صباح البغدادي

مع اشتداد المعارك التي اندلعت الخميس 8 ك2 ومنذ ساعات الفجر الأولى في محافظة حلب بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، واعلن الجيش السوري وقف القتال نهار الجمعة وفتح ممرات امنة للخروج من حي الشيخ مقصود , يبرز للوهلة الاولى تساؤل جوهري وحيوي حول حقيقية قد تكون أبعادها ما تزال خافية لغاية الان لكن قراءة متأنية لهذه الاحداث والمعارك الطاحنة وحرب الشوارع وأبعادها الاخرى غير المعلنة التي تجري حاليآ , قد نستنتج معها , ما إذا كانت هذه الاشتباكات الدامية تمثل حدثاً عسكرياً معزولاً بحد ذاته وأنها نتيجة طبيعية للظروف السياسية والامنية التي تمر بها سوريا حاليآ ، أم أنها حلقة وصلة ومنهج  في سياق إقليمي أوسع تحكمه اعتبارات تتجاوز الفاعلين المحليين . وفق قراءة تحليلية ما تزال لهذه الساعة غير متداولة إعلامياً حتى الآن، يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءاً من تفاعلات غير مباشرة ترتبط بإعادة صيغة شروط ومطالب جوهرية في إعادة رسم قواعد الاشتباك والتفاوض في الملف السوري الاسرائيلي وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها او مقاربة لها : بأن التصعيد العسكري بين “دمشق” و “قسد” لا تجري حاليا بمعزل عن حسابات إسرائيلية أوسع واشمل، تسعى من خلالها “تل أبيب” إلى توظيف التوترات الداخلية السورية كورقة ضغط سياسية وأمنية. ووفق هذا المنظور، ولذا فإن إسرائيل قد تجد في تحريك أو استثمار الصدامات بين الجيش السوري و”قسد” حاليا او حتى معى “الدروز” مستقبلا , فرصة سانحة لا تعوض وفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة على الحكومة السورية، مستفيدة من هشاشة الوضع الميداني وتعدد بؤر الصدام والتوتر.
وتشير هذه المقاربة إلى أن إسرائيل، وفي إطار سعيها لتكريس دورها كفاعل مقرِّر والاخر يبقى منفذ لها , في أي ترتيبات أمنية مقبلة في سوريا، وحسب ما نشر في وسائل الاعلام خلال الايام الماضية وما مفاده بانه :” قد طلبت من واشنطن تأجيل البت في أي اتفاق أمني محتمل مع قوات سوريا الديمقراطية، إلى حين الانتهاء من بلورة تفاهم أمني خاص بها مع دمشق” بالتالي يعكس لنا صيغة هذا الطرح المهم والحيوي وفق ما يجري من معارك في محافظة “حلب” ليعكس هذا الطرح محاولة إسرائيلية لضمان ألا يُبرم أي ترتيب أمني في الشمال أو الشرق والجنوب السوري ومن دون أن تكون لها الكلمة الفصل فيه، سواء بصورة مباشرة أو عبر الوسيط الأمريكي.
ومن خلال سيناريو هذا السياق ، فانها تسعى “إسرائيل” إلى استغلال التوتر المتزامن بين الحكومة السورية من جهة، وكل من قوات سورية الديمقراطية في الشمال الشرقي، والدروز في محافظة السويداء من جهة أخرى، باعتباره عامل ضغط مركب يعزز موقعها التفاوضي وشروطها والتي في الغالب ستكون مجحفة مفروضة فرضا بحق “دمشق” . فكلما ازدادت الضغوط الداخلية على دمشق، تراجعت قدرتها على المناورة السياسية، وازدادت قابلية قبولها بتفاهمات غير متكافئة تُفرض عليها بحكم الأمر الواقع , وتكمن خطورة سيناريو هذا المسار , في أنه قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نمط من العلاقات غير المتوازنة، تُفرض فيه الشروط الأمنية من الخارج، وتتحول فيه الحكومة السورية إلى طرف متلقٍّ للترتيبات بدلاً من أن تكون شريكاً فاعلاً في صياغتها . وهو ما يفتح الباب أمام حالة من التبعية السياسية والأمنية، ويُضعف السيادة الوطنية في مقابل تثبيت وقائع ميدانية جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية على المدى المتوسط والبعيد.
وعليه، فإن ما يجري في محافظة “حلب” والقاء التهم ومن بدأ فيما بينهما من اشعال فتيل المواجهات اليوم ، ووفق هذه القراءة، لا يمكن فصله عن لوحة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والأمريكية مع التوازنات المحلية السورية، وفي ظل غياب قراءة إعلامية معمقة حتى الآن تربط بين هذه المستويات المختلفة. وهو غياب يطرح تساؤلات حول قدرة الإعلام العربي والدولي على مقاربة الحدث السوري خارج إطاره العسكري المباشر، والانتقال إلى تحليل بنيته الجيوسياسية الأعمق على رؤية المستقبل لهذه العلاقات.
اليوم وكما نشاهد ونتابع ونقرأ لهذه الأحداث فيما يخص مستقبل وشكل والعلاقة في طبيعة وفهم حقيقة ما يجري في الخفاء والعلن  حول الصراع السوري–الإسرائيلي واليوم اصبح صراعاً تقليدياً مفتوحاً، بل بات أقرب إلى حالة “إدارة توتر” تحكمها حسابات دقيقة. وفي هذا السياق، ومن خلال ما يكتسبه من اخبار حول الاجتماعات في العاصمة الباريسية والجولة الجديدة من المفاوضات بين سورية وإسرائيل والتي عُقدت يومي 5 و6 من شهر ك2 2026، وهي الثالثة بين الطرفين في باريس برعاية امريكية ودعم مباشر من “البيت الابيض ” وحسب ما أعلنته وزارة الخارجية الأميركي قبل يوميين ، عن توصل سورية وإسرائيل إلى جملة تفاهمات خلال محادثات وشملت الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة بين الجانبَين. ووفق البيان المشترك : أميركي – إسرائيلي – سوري، إن “قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط أتاحت إجراء مناقشات مثمرة بين إسرائيل وسورية”، وإلى أنّ محادثات باريس تمحورت حول احترام سيادة سورية، واستقرارها، وأمن إسرائيل”.وأضاف البيان أن الجانبين السوري والإسرائيلي : ” توصّلا إلى تفاهمات عدّة خلال هذه المحادثات، وقرّرا إنشاء آلية تنسيق مشتركة  تهدف إلى تسهيل التنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمل على خفض التصعيد العسكري، ومعالجة أي نزاعات محتملة على وجه السرعة”. 

فما الذي يكتسب هذا الحديث لنا سوى أنه البوادر الأولية واحتمالية فتح مكتب اتصال إسرائيلي في العاصمة “دمشق” بدعم أمريكي، دلالة تتجاوز الحدث ذاته وهذا التحول – إن تحقق وفق ما هو متفق عليه – لا يعني فقط مجرد تطبيعاً ولا سلاماً، بل اعترافاً متبادلاً بضرورة منع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية غير مرغوبة ، خاصة في الجنوب السوري والرئيس “ترامب” ومن خلال هذا الدعم الذي يوليه لادامة التفاهمات وعدم الوقوع في الفخ الايراني ، ومن جهة اخرى يسعى  إلى تثبيت معادلة تهدئة طويلة الامد تخدم هدفين : تحجيم إيران، ومنع توسع رقعة الصراع. ومن الناحية الاخرى حتما سيُربك هذا المسار والعلاقات حسابات “طهران” أكثر من غيرها، ويمكن تذهب بعيدآ في ايجاد صيغ تفاهمات مشتركة مع تنظيم داعش لغرض اعادة خلق التوترات الامنية وحتى استهداف المصالح الامريكية والاسرائيلية ان وجدت مستقبلآ وفيما ستتعامل بغداد وأنقرة معه ببراجماتية حذرة، وبينما يراقبه لبنان من موقع القلق الصامت والحلقة الاضعف حاليآ أم الاردن فانه سوف يبقى المساهم في ادامة هذه العلاقات من خلف الستار ولكن يبقى لنا من كل هذا الحدث والتفاهمات والأهم أن مكتب الاتصال، إن أُنشئ، سيكون أداة أمنية محدودة، لا بوابة اعتراف سياسي، وسيبقى في “دمشق” دون تمثيل في مقابل في “تل أبيب”، بما يحافظ على العلاقة في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام. وباختصار، نحن أمام تحول في أدوات الصراع لا في جوهره، وأمام خارطة شرق أوسط جديدة تعيد تعريف خصوماته بلغة أقل صخباً وأكثر براغماتية.

ولكن ما تزال لدينا معضلة جوهرية سوف تنشأ حتمآ ويراد لها حل حول فتح قنوات تمثيل دبلوماسي بين “دمشق” و “تل أبيب” ستكون  محفوفاً بجملة من الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها. ويبرز في هذا السياق سؤالان أساسيان:

الأول، هل تسمح إسرائيل فعلياً بفتح مكتب تمثيل سوري في تل أبيب، أم أن أي صيغة محتملة ستبقى أحادية الاتجاه ومحصورة داخل الأراضي السورية؟
 السؤال الثاني، وهو الأهم، فيتعلق بالجدوى الأمنية من فتح مكتب تمثيل إسرائيلي في دمشق في ظل واقع أمني لا يزال هشّاً ومضطرباً.
ولان فتح مكتب تمثيل إسرائيلي مستقل في العاصمة السورية، خارج إطار الحماية الدولية المشددة، يطرح تحديات أمنية جسيمة، في ظل استمرار نشاط خلايا نائمة لتنظيمات إسلامية متشددة، وعلى رأسها تنظيم “داعش”، إضافة إلى وجود بيئة اجتماعية وسياسية لا تزال رافضة لأي حضور إسرائيلي مباشر. ومن ثم، فإن افتراض إمكانية توفير حماية كافية لمكتب دبلوماسي إسرائيلي في مبنى مستقل أو في شارع عام يبدو، في المرحلة الراهنة، أقرب إلى التصور النظري منه إلى الخيار العملي القابل للتنفيذ لان ببساطة سيكون معرض الى هجمات انتحارية ناهيك عن السيارات الموجهة والمفخخة , ولذا انطلاقاً من ذلك، يُرجَّح لنا – في حال جرى التقدم نحو أي صيغة اتصال رسمي – أن تلجأ إسرائيل إلى خيار أكثر تحفظاً، يتمثل في إنشاء مكتب تمثيل دبلوماسي دائم في  داخل مقر السفارة الأمريكية في دمشق، وبما يوفر غطاءً أمنياً وسياسياً مزدوجاً، ويقلل من المخاطر المباشرة، ويمنح جميع الأطراف هامشاً من المرونة وقابلية الإنكار السياسي. وعليه، فإن أي حديث عن مكتب تمثيل إسرائيلي مستقل ومعلن في دمشق، وفق الصيغ الدبلوماسية التقليدية المتعارف عليه بين الدول ، لا ينسجم مع المعطيات الأمنية الحالية في سوريا، ويظل احتمالاً ضعيفاً في المدى المنظور او حتى غير قابل للتطبيق على أرض الواقع وهذا ما نراه حاليا ، مقابل ترجيح نماذج تمثيل غير مباشرة أو مدمجة ضمن بعثات دبلوماسية غربية دولية قائمة ، وعلى رأسها البعثة الأمريكية.

ما نشهده في المرحلة الراهنة من أحداث متسارعة , يمكن اعتبار تطوير مستوى العلاقات السورية–الإسرائيلية وتحت الرعاية الأمريكية كأداة تكتيكية لدفع سوريا نحو إعادة الانخراط الدولي الشامل ، وبمقابل تحقيق المكاسب الاقتصادية والسياسية، مع الحفاظ على سقف الدولة السورية ومصالحها الاستراتيجية. وما يمكن استقرائه من مسارات المستقبل رغم ما يكتنفه من ضبابية بطبيعته، يوحي بأن القيادة السورية الحالية وعلى راسها ” احمد الشرع ” باتت تدرك اليوم وبوضوح تام حدود الخطاب التقليدي وجدواه. فقراءة ما بين السطور، وربط معطيات المشهد الإقليمي والدولي، تشير إلى ان هناك اصبح وعي متزايد وتفهم لدى اعضاء القيادة السورية الانتقالية الجديدة :” بأن زمن الشعارات الثورية الصاخبة، وخطابات “المقاومة” بمعناها الكلاسيكي المتعارف عليه ، لم تعد أدوات فعّالة في عالم تحكمه موازين القوة الاقتصادية، والتقدم العلمي، والتفوق العسكري التكنولوجي. ولقد انتقل مركز الثقل السياسي في الصراع بين الدول من ساحات الخطابة والشعارات إلى ميادين التنمية البشرية، وبناء الاقتصاد، وتطوير المعرفة العلمية والصناعة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرهان لم يعد على التعبئة اللفظية، بل على تأسيس قاعدة صلبة لنهضة اقتصادية وعلمية شاملة، باعتبارها الشرط الأول لأي استعادة مستقبلية للحقوق المغتصبة أو الأراضي المحتلة ، ليكون ضمن مسار تراكمي طويل الأمد.
أما منطق الصراع المباشر والقتال لاجل ارجاع الاراضي المحتلة ” الجولان ” ، فيُرجأ – وفق هذه الرؤية – إلى أجيال قادمة، شريطة أن تمتلك أدوات العصر من أساسيات والركائز العلم وتقنية واقتصاد وقوة إنتاج، إذ إن التجارب التاريخية منذ منتصف القرن الماضي أثبتت أن الشعارات الثورية المجردة، غير المسنودة بقوة تنموية حقيقية، لم تُنتج سوى استنزاف طويل الأمد دون تحقيق أهدافها المعلنة ولغاية الآن , ويمكن وصف هذا النوع من التحرك الأمريكي لقبول المقترحات الإسرائيلية وبعيدا عن شعارات الأرض المحتلة “الجولان” بأنه “إغراء دبلوماسي” أو حوافز رومانسية سياسية، إذ يوفر للحكومة السورية فرصة استعادة  الشرعية الدولية الكاملة ومن دون تقديم تنازلات جوهرية فورية على الأرض، ومع الحفاظ على أوراق وهامش القوة التقليدية مثل قضية “الجولان”. ولكن يجب ان لا ننسى كذلك ونشير وفي الوقت نفسه، ليبقى هذا التحرك محفوفاً بالمخاطر إذا فُسّر داخلياً وبالأخص من قبل المتشددين الاسلاميين ومن خلال منابر خطب الجمعة في دمشق وبقية المحافظات السورية :” على أنه تراجع عن السيادة والاراضي المحتلة أو فتح الباب للتدخل الخارجي المباشر. ومن غير الواقعي لنا وحتى افتراض , أن إسرائيل يمكن أن تتخلى عن مرتفعات “الجولان” مقابل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وصريحة مع سوريا، وعلى غرار ما جرى مع كلٍّ من مصر والأردن سابقا. فمثل هذا الطرح يتجاهل الى مبدأ السذاجة السياسية وما نشاهده من التحولات العميقة التي طرأت على موازين القوة الإقليمية والدولية، ويتعامل مع السياق الراهن بعقلية تاريخية لم تعد قائمة. إن الترويج لإمكانية “الأرض مقابل السلام” في الحالة السورية لا يستند إلى معطيات واقعية، بل يعكس قراءة ساذجة وبسيطة لطبيعة السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي في المرحلة الحالية.

تستند إسرائيل اليوم إلى معادلة “فرض الأمر الواقع” مدعومةً بدعم أمريكي واسع النطاق وغير محدود سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ما يمنحها القدرة على الاحتفاظ بالجولان دون كلفة استراتيجية تُذكر, وعليه، فإن افتراض قبولها بمقايضة الجولان بعلاقات دبلوماسية كاملة يبدو بعيداً جدا وحتى في خيالات بعض المحللين السياسيين الذي قد يروجون لهذا المنطق الساذج , لان المصالح الإسرائيلية، خصوصاً في ظل الاعتراف الأمريكي بسيادتها على الجولان، وتراجع الضغوط الدولية الفاعلة.
إن مقارنة الظرف السوري الراهن بما كان عليه الوضع قبل أكثر من خمسة عقود تُعد مقارنة مضللة وليست في محلها . ففي الحالة المصرية، جاء الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في إطار استراتيجية واضحة هدفت إلى تحييد مصر، باعتبارها الدولة العربية الأكثر وزناً عسكرياً وسياسياً، وإخراجها من معادلة الصراع المباشر مع إسرائيل. وقد شكّل ذلك التحول نقطة مفصلية أعادت تشكيل التوازن الإقليمي لمصلحة تل أبيب. وفي ذلك السياق، بقيت كلٌّ من سوريا والعراق تُصنّفان إسرائيلياً كآخر خطوط المواجهة المحتملة. غير أن اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية أسهم في استنزاف قدرات الدولتين، العسكرية والاقتصادية والبشرية، على مدى ثماني سنوات، في حرب طويلة الأمد افتقرت إلى أفق استراتيجي واضح، وأفضت إلى إنهاك الطرفين بشكل عميق. ووفق قراءة نقدية اخرى نعتبر بدورنا او على الاقل هذا ما نفهمه :” بإن هذه الحرب العبثية شكّلت فخاً استراتيجياً سهّل تحييد قوتين إقليميتين كان يُنظر إليهما بوصفهما عنصر تهديد محتمل وحتى مباشر وصريح لإسرائيل، واتت هذه الحرب وفي ظل سوء تقدير سياسي وغياب رؤية مستقبلية وسذاجة وغباء سياسي لدى القيادات الحكومية المعنية  العراق وايران .أما سوريا، فقد سعت خلال تلك المرحلة إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية وتعزيز دورها الإقليمي، إلا أن تفشي الفساد المالي والإداري، إلى جانب محدودية الموارد، حال دون قدرتها على بناء قوة ذاتية تمكّنها من مواجهة إسرائيل منفردة، في وقت كانت فيه الدول العربية الأخرى قد خرجت فعلياً من دائرة الصراع بفعل اتفاقيات سلام أو التزامات دولية، كما في حالتي مصر والأردن. ومع التطورات التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، وما أعقبها من تفكك بنيوي في الدولة والمجتمع، بات الحديث عن خيار “الأرض مقابل السلام” أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الطرح العلمي , ففي ظل هذا الواقع، تجد إسرائيل نفسها اليوم في موقع استراتيجي مريح، تعمل من خلاله على إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بهدوء وتدرّج ومن غير مواجهة حقيقية ، مستفيدةً من تراجع أدوار خصومها التقليديين، وانحسار النفوذ الإيراني، وإضعاف حزب الله اللبناني الذي شكّل لعقود أحد أبرز معوقات التفوق الإسرائيلي. وبذلك، يمكن القول إن إسرائيل لا تسعى في هذه المرحلة إلى تسويات كبرى على حساب تخليها عن الأراضي العربية التي احتلتها سابقا ، بل إلى تثبيت مكاسبها الجيوسياسية وإعادة رسم ملامح “شرق أوسط جديد” وفق رؤيتها الأمنية والاستراتيجية، دون الحاجة إلى تقديم تنازلات إقليمية جوهرية، وعلى رأسها هضبة “الجولان ” الجولان ومن كان يعتقد بان إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع سوريا مقابل تخليها عن هضبة الجولان كما حدث مع مصر والأردن فانه واهم وساذج إلى أبعد الحدود ؟.

sabahalbaghdasdi@gmail.com

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com