إيران عند منعطف تاريخي: أفول النموذج الأيديولوجي وبداية ما بعد الإسلام السياسي
فاروق الدباغ
ما يجري اليوم في إيران لا يمكن فهمه بوصفه موجة احتجاج عابرة أو اضطرابًا اجتماعيًا مألوفًا في الشرق الأوسط. نحن أمام تحوّل بنيوي عميق يطال أحد أكثر نماذج السلطة الأيديولوجية تماسكًا في المنطقة، وربما أمام بداية النهاية لأكثر مشاريع الإسلام السياسي اكتمالًا في صيغته الدولتية. منذ ثورة عام 1979، بنت إيران نظامها على مزيج من الشرعية الدينية، والخطاب الثوري، وجهاز أمني شديد المركزية. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، صمد هذا البناء في وجه حرب طويلة، وعقوبات قاسية، وعزلة دولية، واحتجاجات متكررة. غير أن ما تشهده البلاد اليوم يختلف جذريًا عمّا سبق، ليس في الشكل فحسب، بل في الجوهر.
الاحتجاجات الراهنة لا تدور حول أسعار الوقود أو نزاهة الانتخابات أو وعود إصلاحية مؤجلة، بل تتعلق بأساس العيش ذاته. إنها صرخة جيل نشأ بلا أفق واضح، تحت رقابة دائمة، في مجتمع تحوّل فيه الفساد والقمع والركود الاقتصادي إلى حالات طبيعية. هذا الجيل لا يفاوض السلطة على تحسين الشروط، بل يشكّك في جدوى النظام برمّته. وعندما تعجز السلطة طويلًا عن توفير الحد الأدنى من الأمان المعيشي أو المعنى الرمزي، ينشأ فراغ قاتل. في الحالة الإيرانية، تآكلت المرجعية الدينية، وهي جوهر شرعية النظام، تدريجيًا، حتى باتت الدولة في نظر كثير من الشباب عائقًا لا مرجعية، وسلطة لا معنى لها. هنا تتبدّى القاعدة التاريخية المعروفة: الأنظمة السلطوية قد تعيش بالخوف، لكنها تسقط حين تفقد شرعيتها.
إيران ليست دولة معزولة في تأثيرها، بل شكّلت طوال عقود مركزًا إقليميًا لمشروع الإسلام السياسي في نسخته الدولتية. عبر شبكات أيديولوجية واقتصادية وعسكرية، تمدّد هذا المركز خارج حدوده. في العراق، أُعيد تشكيل النظام السياسي بعد 2003 بما منح الأحزاب الدينية وبُنى الميليشيات نفوذًا حاسمًا. وفي لبنان، برز حزب الله بوصفه فاعلًا سياسيًا وعسكريًا في آن واحد. أما في اليمن، فقد أسست حركة أنصار الله نموذج حرب ذي شرعية دينية. هذه الظواهر ليست جزرًا منفصلة، بل ترتبط — بدرجات متفاوتة — بالقوة السياسية والاقتصادية والرمزية لطهران. وعندما يضعف المركز، لا بد أن تتأثر الأطراف.
الأكثر دلالة اليوم في إيران ليس عدد المتظاهرين ولا اتساع رقعة الاحتجاج، بل انهيار الرموز التي كانت تُعدّ محرّمة وغير قابلة للمساس. ما كان يُخشى قوله بالأمس يُقال اليوم بلا تردد. الخوف يتراجع لصالح السخرية واللامبالاة، وهما علامتان خطيرتان على تآكل السلطة الرمزية. أما ردّ النظام، الذي يتأرجح بين العنف ومحاولات “الحوار”، فلا يعكس ثقة بقدر ما يكشف ارتباكًا. حين تبدأ دولة قامت على يقين أيديولوجي مطلق بالحديث عن تسويات، فذلك مؤشر واضح على وهنٍ بنيوي في قلبها.
ضعف إيران لا يعني بالضرورة انتقالًا ديمقراطيًا سريعًا في المنطقة، ففراغات السلطة نادرًا ما تُملأ بالمثاليات. لكنه قد يعلن نهاية مرحلة كاملة، مرحلة كان فيها الإسلام السياسي إطارًا أيديولوجيًا ونموذجًا للحكم. بالنسبة للعراق ولبنان واليمن، قد يفتح ذلك بابًا لإعادة تفاوض قاسية وعميقة حول السلطة والولاءات والهوية. وبالنسبة لأوروبا، بما فيها السويد، فإن التحدي يتمثل في إدراك أن الشرق الأوسط ليس كتلة جامدة، بل فضاء يتحرّك ببطء نحو تحوّلات عميقة ستنعكس على السياسة والأمن والهجرة والعلاقات الدولية.
لا أحد يستطيع الجزم إن كان عام 2026 سيكون لحظة الحسم النهائي. فالنظام الإيراني لا يزال يمتلك أدوات قمع عنيفة وقدرة على البقاء. لكن ما حدث بالفعل لا يمكن التراجع عنه: الإيمان بالنظام تصدّع. وعندما يتوقف الناس عن الإيمان، لا بالأشخاص فقط بل بالرواية التي تمنح السلطة معناها، يكون مسار التاريخ قد بدأ بالانحراف عن مساره القديم، حتى وإن استغرق السقوط وقتًا أطول مما يتوقعه المتفائلون.
Sent from my iPhone


















































