إعادة سيناريو غزوة هدم الأسوار

26 يناير 2026
إعادة سيناريو غزوة هدم الأسوار

إعادة سيناريو غزوة هدم الأسوار : التاريخ يعيد نفسه مرتين الأول على شكل مأساة والثانية على شكل سخرية؟

صباح البغدادي



(*) حين يعجز لدينا مَن هم في موقع صناعة القرارات المصيرية عن قراءة للتاريخ  القريب وليس البعيد في الازمنة الساحقة ، لا يعود الماضي ليُصحِّح نفسه تلقائيا أو الاستفادة من تجارب الاخطاء السابقة ، بل ليُعاقِب بها الحاضر بكل قسوة , فالمأساة السابقة التي لم يحاسَب فيها اي مسؤول ، لا تلبث أن تعود مرة اخرى ولكن على شكل مهزلة تُدار باسم القرار السيادي ؟.


لم يكن الفيلسوف ” كارل ماركس ” يكتب عن العراق حين قال مقولته الشهيرة حول أحداث الثورة الفرنسية وما تبعها : ” إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، الأولى كمأساة والثانية كمهزلة ساخرة ” ولكننا في الواقع العراقي الحاضر ومأساته التي ما نزال نعيشها , يصرّ بدوره على استحضار هذه المقولة بكل قسوتها وما تختزله من معاني كارثية , صحيح أن المأساة قد لا تتكرر بصورة حرفية وتكون بالتالي نسخة طبق الأصل عن الأولى أو حتى تكون  بفارق جوهري من حيث الأهمية والسياق، ولكن تكرار التجربة بنفس السياق الأول تصبح معها بمثابة محاكاة لمسرحية ساخرة وهزلية للتجربة الأولى , والاخطر أن تتحول يومًا إلى سياسة دولة تُدار بقرارات فوقية وتُسوَّق للرأي العام على أنها إنجاز وطني سيادي . العراق ، الذي دفع أثمانًا باهظة لغياب الحكمة والتخطيط والمساءلة والعدالة التي ما تزال مفقودة ، ومن كوارث أمنية وسياسية واقتصادية ومجتمعية يجد نفسه اليوم أمام إعادة تدوير لأخطر الملفات الأمنية ، ولكن هذه المرة بلا تفويض شعبي ، ولا غطاء برلماني تشريعي ، ولا حتى اعتراف بحجم الكارثة المنتظرة والتي قد تُستعاد بصورة أو باخرى باسم إدارة الأزمة , وبينما هي في جوهر حقيقتها إعادة إنتاج لأخطاء الماضي والتي لم تندمل جراحها لغاية اليوم .


في خطوة أثارت جدلًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا، أقدمت حكومة “السوداني” المنتهية ولايتها، وتعمل وفق مبدأ تصريف الأعمال، على تبنّي وتقديم مقترح يقضي باستضافة واحتجاز أكثر من سبعة آلاف مقاتل من عناصر مقاتلي ( تنظيم داعش)، يُوصفون بأنهم متمرسون ومنظمون، ومن دون أن يُعرض هذا الملف الخطير والحيوي على مجلس النواب العراقي لمناقشته، أو استحصال توصية تشريعية واضحة بقبولهم من عدمه. ومنذ الساعات الأولى لانتشار خبر البدء بنقل دفعات من معتقلي التنظيم إلى الأراضي العراقية، تصاعدت موجة من التساؤلات والاعتراضات داخل الأوساط السياسية والأمنية والشعبية، لا سيما في ظل الغياب شبه التام التوضيحات الرسمية المتعلقة بآليات الاحتجاز، وأماكن الإيداع، وطبيعة الإشراف الأمني، فضلًا عن الكلفة المالية المترتبة والعبء الأمني على هذا القرار بالغ الحساسية. هذه الخطوة غير المدروسة والارتجالية , وُضعت في خانتين متعارضتين, فبينما يرى بعض المدافعين عنها أنها تمثل استعادة لحق قضائي وسيادي، ويجب أن يُحاكم المتورطون بجرائم الإرهاب على أرض العراق، ولكن يحذّر آخرون من مخاطر تحويل البلاد إلى ما يشبه “مخزن أزمات مؤجلة”، تُرحَّل إليه أخطر الملفات الأمنية من دون توافق وطني أو استعداد مؤسسي امني شامل.
ولا يمكن لنا عزل هذا الجدل عن السياق العراقي الأوسع؛ فالعراق ما زال يعيش تداعيات عقدين من الفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما تزال الجراح التي خلّفها ( تنظيم داعش ) إبّان سيطرته على مساحات شاسعة من البلاد، وما رافقها من دمار وقتل ونزوح واختفاء قسري، حاضرة في الذاكرة الجمعية للمواطن، وآثارها السلبية و المأساوية قائمة حتى هذا اليوم.
إن إقدام حكومة محدودة الصلاحيات على اتخاذ قرار بهذا الحجم، من دون نقاش برلماني، أو توافق سياسي، أو مصارحة للرأي العام، يطرح علامات استفهام كبيرة حول طبيعة إدارة الملفات السيادية، ويثير مخاوف من توظيف قضايا الأمن الوطني في سياق حسابات سياسية ضيقة، مرتبطة بالسعي إلى ولاية ثانية أو ثالثة، وربما رابعة.

ولكن هناك قراءة اخرى , وهذا ما نراه وقد تكون ما تزال غير معلنة او خفية عن الاوساط الاعلامية او الراي العام , وقد تكون في سياق سعي رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” إلى تثبيت موقعه السياسي وتهيئة الظروف المناسبة له للظفر بولاية ثانية، ويبرز خيار بالغ الخطورة يتمثل في القبول باستضافة ما يقارب من سبعة آلاف عنصر من مقاتلين تنظيم داعش، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لكسب رضا الولايات المتحدة ومواءمة أولوياتها الأمنية في المنطقة. وهذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها إجراءً إدارياً أو أمنياً تقنياً فحسب، إذ إن الحديث لا يدور عن عناصر هامشية أو مقاتلين محدودي الخبرة، بل عن كوادر قتالية متمرسة خضعت لسنوات طويلة لمنظومة قيادة وسيطرة أمنية واستخبارية صارمة، وتحمل عقيدة عسكرية-أيديولوجية صلبة تقوم على ثنائية واضحة : ” إما إعادة إنتاج مشروع “دولة الخلافة” أو الموت في سبيله ” . مثل هذه البنية لا تتفكك بسهولة عبر الاحتجاز أو إعادة التأهيل الشكلية. وتتعاظم المخاطر الاستراتيجية عندما نأخذ في الاعتبار أن الغالبية العظمى من هؤلاء المقاتلين ليست من الجنسية العراقية، بل تنتمي إلى طيف واسع من الجنسيات والخلفيات القتالية، ما يحولهم إلى قنبلة أمنية عابرة للحدود. هذا الواقع يفتح الباب واسعاً أمام تكرار سيناريوهات تاريخية كارثية، وعلى رأسها حادثة هروب عناصر قيادات ومقاتلين (تنظيم القاعدة)  من سجن أبو غريب والتاجي (1) ، ليس بوصفها ان نتطرق اليها في سياق ما نحن بصدده الان أو حتى احتمالاً نظرياً قد يقال عنه أنه غير قابل للتطبيق ، بل كسيناريو مرجّح عاجلاً أم آجلاً في ظل هشاشة البنية الأمنية وتداخل المصالح الدول الإقليمية وتعزيز امنها القومي على حساب امن العراق ومستقبله بالمنطقة . وفي المقابل، لا يمكن عزل هذه التطورات عن حسابات الفاعلين الإقليميين ، وعلى رأسهم “الحرس الثوري الإيراني”، الذي من المرجح أن يبدأ بوضع خطط متعددة المسارات للتعامل مع هذا المتغير الجديد. فوجود هذا العدد من المقاتلين المؤدلجين داخل الجغرافيا العراقية يشكّل فرصة قابلة للاستثمار لخلق موجات فوضى مدروسة في العراق وسوريا وصولا الى لبنان ، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات وسيطة. وإذا كانت الولايات المتحدة قد اشتهرت بمفهوم “ا لفوضى الخلّاقة ” كأداة لإعادة تشكيل البيئات السياسية وفق مصالحها ، فإن إيران تمتلك بدورها نسختها الخاصة من الفوضى، لكن بوسائل أكثر دموية وأقل ضجيجاً : عودة السيارات المفخخة، الأحزمة الناسفة، والعمليات الانتحارية التي يحمل توقيعها تنظيم “الدولة الإسلامية” بنسختيه العراقية والسورية. وعليه، فإن احتضان هذا الخزان البشري المتطرف لا يهدد الاستقرار الداخلي للعراق فحسب، بل ينذر بإعادة تدوير العنف الإقليمي ضمن معادلات أكثر تعقيداً وخطورة.
السيناريو المحتمل لا يقوم بالضرورة على قيادة مباشرة أو ارتباط تنظيمي معلن، بل على إدارة البيئة الأمنية بما يسمح بحدوث اختراقات محسوبة: تراخٍ أمني انتقائي، تسهيل حركات هروب أو إعادة انتشار، وغضّ طرف عن شبكات التمويل والتهريب. الهدف من ذلك هو إطلاق طاقة عنف كامنة في توقيتات مدروسة، بما يؤدي إلى إرباك المشهد الأمني في العراق وسوريا، واستنزاف الخصوم المحليين والدوليين على حد سواء.
في هذا الإطار، يُنظر إلى مقاتلي داعش بوصفهم “ أدوات فوضى خلاقة جاهزة ”، تمتلك الخبرة، والعقيدة، والقدرة على العمل اللامركزي، ما يجعل توجيههم – ولو بشكل غير مباشر – أكثر فعالية وأقل كلفة سياسية. عودة التفجيرات النوعية، والعمليات الانتحارية، واستهداف البنى التحتية الحساسة، يمكن أن تُستخدم لإعادة تشكيل أولويات القوى الدولية، وإجبارها على الانكفاء الأمني بدلاً من التركيز على ملفات النفوذ الإقليمي أو الصراع مع طهران. وبذلك، يتحول وجود آلاف المقاتلين الدواعش داخل الجغرافيا العراقية من ملف أمني مغلق إلى ورقة استراتيجية مفتوحة المصدر، قابلة للتوظيف ضمن صراع الإرادات الإقليمي . فالفوضى هنا لا تكون هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة، وفرض وقائع جديدة على الأرض، تماماً كما حدث في مراحل سابقة حين أُعيد إنتاج تهديد القاعدة ليخدم أجندات تتجاوز التنظيم ذاته .
هذه القراءة، وإن بدت قاتمة، إلا أنها تنطلق من منطق التجربة السابقة وما عايشناه في أوج الصراع والاقتتال الطائفي في العراق ولا من منطق التهويل، وتفترض أن تركيز هذا الكم من المقاتلين المؤدلجين في بيئة سياسية وأمنية هشّة هو بحد ذاته قرار استراتيجي عالي المخاطر، قد تتجاوز ارتداداتها حدود العراق إلى كامل الإقليم.
تخيّل أن تتحول المأساة إلى إنذار أخير لا يُسمع، فيما يُصرّ صانع القرار على المضي نحو الهاوية. في الدول الأوروبية، التي يحمل آلاف من مقاتلي تنظيم داعش جنسياتها سواء بالولادة أو بالتجنس، أغلقت أبوابها بإحكام ورفضت، بشكل قاطع، استعادة رعاياها، رغم المطالبات الرسمية المتكررة التي تقدمت بها حكومة بغداد، ورغم عقد مؤتمر دولي خُصص لمناقشة ملف مخيم الهول وعناصر داعش الأجانب، مؤتمر لم يخرج بأي آليات ملزمة، ولا بخارطة طريق تُنهي سياسة التهرب الجماعي من المسؤولية، بل إن بعض تلك الدول ذهبت إلى حدّ عدم الاعتراف أصلًا بشرعية نتائجه.
وفي مقابل هذا التنصّل الدولي الفاضح، تظهر الحكومة العراقية لا بوصفها طرفًا يفرض سيادته، بل كجهة تقدّم المقترحات، وتستجدي التحالف الدولي، بل وتتوسل له، من أجل استضافة أخطر مقاتلي التنظيم على أرض العراق، وكأن البلاد تحوّلت إلى مكبّ أمني لأزمات الآخرين، أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات المؤجلة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ فمثل هذا القرار لا يقف عند حدود المخاطرة الداخلية، بل يفتح أبواب الجحيم إقليميًا. إذ إن المطابخ الأمنية والاستخباراتية في دول الجوار لن تقف متفرجة على هذه الفرصة السانحة ، بل ستباشر بإعداد سيناريوهات شديدة الخطورة، ليس لإرباك العراق فحسب، وإنما لإعادة ضخ الفوضى في المنطقة بأكملها، واستثمار هذا التجمع البشري الخطير كورقة ضغط أو تفجير مؤجل. وإن ما يُدبَّر في الظل حاليا وخلف الابواب المغلقة  قد يعيد إلى الأذهان واحدًا من أخطر فصول الإرهاب في تاريخ المنطقة : سيناريو “غزوة هدم الأسوار” لتنظيم القاعدة، حين تحولت السجون إلى مصانع موت، والحدود إلى ممرات نار، والدولة إلى متفرج عاجز أمام انهيار أمني شامل. والفارق الوحيد اليوم أن الكارثة، إن وقعت، لن تكون مفاجئة… بل نتيجة مسار معلوم ومخطط له مسبقا بعناية فائقة ، وتحذيرات مُعلنة نطلقها بكل قوة وصرخة ، وقرار سياسي اختار أن يُغمض عينيه عن العواقب والكوارث المنتظرة .
ويبقى لدينا اخيرا وليس اخرا , السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى أين يُراد للعراق أن يذهب؟ وهل يتحمل البلد، في هذه المرحلة الدقيقة، قرارات مرتجلة تُتخذ خارج الأطر الدستورية والرقابية، في ملف يُعد من أخطر تركات الفوضى التي عرفها منذ عام 2003؟ .

sabahalbaghdadi@gmail.com


(*) يذكر أن سجني الحوت في قضاء التاجي شمالي بغداد، وسجن بغداد المركزي (أبو غريب سابقاً) في قضاء ابو غريب غربي العاصمة تعرض، مساء الأحد  ” 21 تموز 2013 ”  إلى قصف بقذائف الهاون، والسيارات المفخخة وأعقبه هجوم نفذه مسلحون  مع حراس السجنين في محاولة لاقتحامهما، فيما أثار النزلاء في السجنين أعمال شغب وحرق عدد من القاعات، أسفر عن هروب من 500 _ 1000 نزيل من سجن أبو غريب المركزي معظمهم من أمراء وقادة تنظيم القاعدة وحوالي نفس العدد في سجن التاجي !!؟.

(1) لمزيد من التوضيح والمتابعة راجع التقرير الصحفي الاستقصائي والمعنون : ” فضيحة تهريب المعتقلين وسجناء (أبو غريب/ التاجي) بدعم ميداني لوجيستي من قبل فيلق القدس الإيراني “

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com