تجربة الفنانة الدكتورة فدوة الكشو..ومعرضيها “فيقوراميك” و”أو-فيرت-دوز” :
أعمال تكشف عن لعبة الاخذ والعطاء المستمدة في الزمن والتكامل بين الوجوه الخزفية والطبيعة .
الفنانة تقرأ عبر مسافة بين الابداعي و النقدي ما تعيشه فترات العمل و التعاطي مع منجزها
شمس الدين العوني
ضمن مسارات الفن المتشعبة تظل الذات الفنانة و الحالمة على شغفها المعلن و الخفي وفق منزعين مأتاهما القلب و العقل لتظل الفكرة الفنية على غير قرار و من هناك يكون جدل التعاطي الابداعي في حالة من القلق و الحيرة و الأمل و الحلم ما يجعل العملية الفنية و فترات الانجاز للأعمال محفوفة بالدهشة و الانتشاء تجاه ما هو محصلة فنية جمالية للفنان خصوصا اذا كانت العلاقة بالابداع بين منحيين و اتجاهين و اشتغالين فني ابداعي و علمي أكاديمي ..

و هو الأمر مع الفنانة الدكتورة فدوى الكشو التي قدمت ضمن تجربتها في هذه المجالات عددا من الأعمال الفنية في صنف فنون الخزف و ذلك في مشاركات فردية و جماعية فضلا عن الندوات العلمية حيث أنها و خلال تجربتها الفنية و الأكاديمية عبرت الفنانة عن كل هذا الغرام الجمالي الذي تلاقى فيه الابداعي و الأكاديمي لتتعدد البحوث و المشاركات من خلال هذا التنوع في العناوين و الأشكال التي ميزت أعمالها الخزفية التي بدت بدقة و جمال الفن و أسئلته العميقة و الواعية و..القلقة.. و خاصة بعد تجربتها الممتازة في معرضها ” بين نارين ..ولد من الاضطهاد ” حيث تشغل المتلقي و زائري معرضيها الأخيرين بأسئلتها و هواجسها و منها كيف تكون الطبيعة متحفا و كيف يتم القبض على الزمن الهارب ففي معرض figuramique fenetre au gré des flotsتم تصوير فيديو في البحر لمدة يوم كامل و في معرض o-vert- dose notre dose d’eco-artتم توثيق فيديو قصير يلخص مئات الفيديوهات التي تم تصويرها لمدة شهر .
انه الفن و مجالاته المختلفة حيث هو مسافة سفر و نظر و ابتكار تجاه الذات في الحل و في الترحال حيث الحلم مجال قول و نشيد و كون مزدحم بالأصوات و الصور و المشاهد و الأصداء ..و من هذه العوالم ينتبه الفنان الراغب في ذلك الى شواسعه و قد حركت فيها العناصر و التفاصيل ذلك الحوار القلق الذي يشي بالأسئلة التي تتعدد في السيرة و المسيرة لتنتج الشخصية الفنية القائمة بذاتها و القائلة بالابداع في تعدد عناوينه و ألوانه و ملامحه…
الخزافة فدوة كشو تتماهى في لعبتها الفنية مع المادة تدعكها و تشكلها لتخرجها بالنهاية في تناغم فني مع حالاتها و أمزجتها فكأنها تكتب نصا بروح الخزف و اشتراطاته الفنية و هي في كل ذلك و بين الفينة و الأخرى تكتب شيئا من تلوينات الذات و رغباتها ..
في هذا السياق و ضمن تقديم مشروعها هذا تشير في استقراء للمعرضين و على سبيل الاطلالة على التجربة الذاتية ضمن عنوان “تجلّيات الانشائية في الخزف المعاصر:استكشاف الحدث بين عرض الزمن وزمن العرض “حيث تقول : نخصّص الجزء الأوّل من مشروع بحثنا لدراسة مفهوم الحدث في مختلف المجالات وخاصّة الفنّية. أمّا الجزء الثاّني فقد خصّصناه لتضمين مفاهيم الزمن والانشائية وأساليب عرض الحدث في المعرض الفردي:”بين نارين” يولد من الاظطهاد (Naître de la persécution)”Entre deux feux”، وانتهينا في الجزءالثّالث لتوضيح علاقة العمل بفكرة زمن العرض والانفتاح على اللامنتهي من التحولات التيتحدثها الطبيعة الحية في التّنصيبات العرضية الفردية: “فيقوراميك” نوافذ على أعقاب الأمواج (Fenêtres au gré des flots)”Figuramique” و” أوفيرت دوز” جرعتنا من الايكو-ارت (Notre dose d’eco-art) ” O-vert-dose”…
و ميزة هذا الاشتغال ان الفنانة فدوة تقرأ عبر مسافة بين الابداعي و النقدي ما تعيشه فترات العمل و التعاطي مع منجزها في ضرب من وحدة العملية الفنية بين الابداع و النظر و الفكر و الاستعراض ما يجعل من الفنانة فدوة الكشو تسوغ لمشروعها هذا في اطار جمالي علمي نقدي تروم به و من خلاله ابراز خصائص هذا الشغل الفني ..
وتقول عن هذا التمشي و ضمنه على سبيل المثال”…في تجربة “أوفيرت دوز”وفرت شجرة الخروع جذعها وأغصانها وأوراقها في حبكة التنصيبة واستقرت الوجوه الخزفية في الشجرة كمحمل لفكرة أو حالة معينة لمدة شهر كامل. فالشجرة هي إحدى مكونات الطبيعة التي ساهمت في أعمار التنصيبة من خلال نمو الأوراق واختراق الاغصان للفتحات التي انجزتها مسبقا في الخزفيات… إن تنصيبة “اوفيرت دوز”خالية من كل الصياغات الصناعية والمواد غير الطبيعية،ممّا يعطيها شرعية صمودها لشهر كامل مع شجرة الخروع دون الاضرار بها.فالطبيعة هي التي تزود التنصيبة بمواد العمل أوراق واغصان جميعها ترتبط بالزمان والمكان والانسان وتعزز الحس بالمسؤولية تجاه الأرض. لقد أدى قطع الأشجار على حافات منحدرات التلال إلى حدوث انهيارات أرضية مما ساهم في تغيير ملامح الطبيعة وطمر مجتمعات بأكملها.فحدوث خلل في النظم الايكولوجية قد يقود إلى نتائج غير مرغوبة.وقد لجا الانسان إلى إزالة الغابات للتوسع العمراني لكن هذا السلوك يهدد الغلاف الجوي لأن الأشجار هي مصدر رئيسي للاكسيجين،كما يهدد عديد الكائنات الحية التي اتخذت من الأشجار موطنا لها.لهذا يلعب الفن دورا حاسما في رفع مستويات الوعي بضرورة الحفاظ على الطبيعة…”.
لتضيف “… أدّت التّكنولوجيا إلى ظهور جماليّات جديدة تعتمد على عناصر مثل الدّقة والتّفصيل، حيث تتيح التّكنولوجيّات الحديثة للفنّان تحقيق مستوى غير مسبوق من التّفاصيل، وأصبحت كوسيلة ابداعيّة تنتج تصاميم رقميّة كما تخلق أشكال معقدة ثلاثيّة الأبعاد كانت مستحيلة بالطّرق التّقليدية.
وفي هذا السياق تمظهرت الخزفيات في تنصيبة«Figuramique»بشكل اخر قائم على ابعاد جمالية غير متوقعة. وهذا يتوضح في عدة مفاهيم كمفهوم الحركة والايهام بالحياة وخلق مشهديه جديدة افتراضية تثمن الفراغات وتنصهر في المكان تارة، وتملا الفتحات وتمتلك المكان تارة أخرى…”.
هكذا تقدم الفنانة قراءتها التي تظل تعني ابداعها ومنجزها هذا و تغتني بكل اضافات نقدية تأويلية من خارج تجربتها تثمينا لجهدها الفني في سياقاته الابداعية و التاريخية ..
فنانة تمضي في هذا الدرب من المغامرة نحتا للقيمة الفنية و بحثا عن فضاءات أخرى للتعاطي الجمالي الثري و الغني بهواجس و أسئلة الفنانة و شؤونها و شجونها و لاثراء المسار التشكيلي”.. وتدعيم مفهوم الحدث المشتغل عليه سواء إعادة بناءه في تجربة “بين نارين” التي تحنط زمن حسي في شكل ملامح ادمية أو رصده في طور الحدوث في التنصيبات العرضية الفردية “فيقوراميك” و”أو-فيرت-دوز”والتي تكشف عن لعبة الاخذ والعطاء المستمدة في الزمن والتكامل بين الوجوه الخزفية من جهة والطبيعة من جهة أخرى..”.
انها مسارات الفن تمضي بلاعبها الفنان و هو المقيم بين سؤال الابداعية و اقتضاءات الأكاديمي و العلمي و هنا تكون الفنانة فدوة الكشو قد راهنت على ما يتيحه الفن و الابداع من مجالات شاسعة تلتقي مع البحث الأكاديمي و ما هو فني و تتقاطع و لكن بالنهاية هي في جوهر أسئلة الفن و الابداع و البحث و ما ينجم عن كل ذلك من جمال و ابداع و فن و متعة..انه الفن حين يذهب بالمهج و يبحث له عنمستقر في ذوات حالمة ومرهقة و طافحة بالنظر بعين القلب..


















































