من طرد الشركات الأمريكية إلى حصار فنزويلا 

24 ديسمبر 2025
من طرد الشركات الأمريكية إلى حصار فنزويلا 

بقلم د محمد كرواوي*

لم يكن الانفجار العنيف للأزمة الاقتصادية والاجتماعية في فنزويلا حدثا عرضيا ولا نتيجة خطأ داخلي معزول، بل جاء في سياق صراع طويل حول السيطرة على الثروة النفطية وتحديد من يملك القرار السيادي في استغلالها. فمنذ اللحظة التي اختارت فيها الدولة الفنزويلية إعادة بسط سلطتها على قطاع النفط، وإخضاع الشركات الأجنبية، ولا سيما الأمريكية، لشروط جديدة تقلص من نفوذها التاريخي، انتقل الخلاف من مستوى سياسي قابل للاحتواء إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة.

لقد شكل طرد الشركات النفطية الأمريكية، أو إجبارها على العمل ضمن شروط سيادية صارمة، نقطة التحول الحاسمة في العلاقة مع واشنطن. فالأمر لم يكن متعلقا فقط بعائدات مالية، بل بموقع فنزويلا داخل منظومة الطاقة العالمية، وبقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها في أحد أكبر احتياطات النفط في العالم. ومن هنا، لم تعد مسألة الديمقراطية أو حقوق الإنسان سوى غطاء خطابي، يخفي صراعا ماديا مباشرا حول التحكم في مورد استراتيجي.

هذا السياق يفسر لماذا انتقل الضغط الأمريكي بسرعة من الاعتراض السياسي إلى استعمال العقوبات الاقتصادية الشاملة. فبدلا من مواجهة قرار التأميم أو السيادة النفطية بوسائل تفاوضية، جرى استهداف البنية المالية التي تسمح للدولة بتحويل عائداتها النفطية إلى موارد فعلية. فالنفط الذي لا يمكن بيعه بحرية، أو الذي تبقى عائداته مجمدة في القنوات المصرفية الدولية، يفقد وظيفته الاقتصادية حتى لو استمر استخراجه، وتتحول الثروة الطبيعية إلى عبء غير قابل للتوظيف.

ومع تشديد العقوبات ابتداء من 2017، ظهر الأثر السببي بوضوح. فقد تراجعت القدرة على إعادة تمويل قطاع النفط، وتعذر استيراد قطع الغيار والمواد الضرورية لاستمراره، ثم امتد العجز إلى تمويل الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. هذا التتابع لم يكن اعتباطيا، بل نتاج قطع حلقة مركزية في الدورة الاقتصادية، حيث يؤدي تجفيف الموارد الخارجية إلى شلل داخلي متسلسل.

في هذا السياق بالذات، جاء تهديد إدارة ترامب بالحرب ليكشف طبيعة الصراع دون مواربة. فاللجوء إلى لغة القوة لم يكن تعبيرا عن انفعال سياسي، بل مؤشرا على فشل الأدوات الاقتصادية السريعة في إجبار فنزويلا على التراجع عن خياراتها السيادية. وعندما تعجز العقوبات عن إعادة فتح قطاع مغلق بالقوة القانونية والسيادية، يتحول الضغط إلى محاولة كسر هذه السيادة نفسها. هكذا يصبح الحصار تمهيدا، لا غاية، في مسار تصاعدي يرمي إلى إعادة تشكيل موازين السيطرة.

ويفسر هذا أيضا لماذا استهدفت العقوبات شركة النفط الوطنية بشكل خاص، ولم توزع عشوائيا على بقية القطاعات. فالضغط كان موجها بدقة إلى نقطة التوتر الأصلية: من يتحكم في استخراج وتسويق النفط. وعندما تصاب هذه النقطة بالشلل، لا ينهار القطاع النفطي وحده، بل تنهار معه قدرة الدولة على تمويل مجمل الاقتصاد، فتتحول أزمة السيادة إلى أزمة معيشية شاملة.

ويتأكد هذا التحليل عند مقارنة الوضع الفنزويلي بدول تعاني اختلالات بنيوية مماثلة دون أن تبلغ مستوى الانهيار نفسه. فغياب القيود على التحويلات المالية، حتى في ظل ضعف الحكامة، يسمح بهوامش تصحيح محدودة، بينما يؤدي تجفيف الموارد الخارجية إلى كسر جميع آليات التوازن دفعة واحدة. لذلك لا يمكن عزل الهجرة الواسعة ونقص الأدوية وتدهور الخدمات عن هذا السياق، لأنها ليست نتائج عرضية، بل حلقات في سلسلة واحدة.

كما أن توزيع كلفة الأزمة يكشف بدوره طبيعة هذا الضغط. فالضرر الأكبر لم يصب مراكز القرار، بل الفئات المرتبطة بالاستهلاك اليومي والخدمات العمومية، ما يدل على أن الضغط لم يعمل من الأعلى إلى الأسفل، بل من بنية الاقتصاد نفسها. وهذا النمط معروف في حالات الحصار الشامل، حيث يتحول المجتمع إلى ساحة صراع غير مباشر، يتحمل فيه كلفة مواجهة لا يملك أدوات التحكم فيها.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الأزمة الفنزويلية بوصفها حصيلة سوء تدبير داخلي فقط، ولا بوصف الحصار مجرد رد فعل أخلاقي على خيارات سياسية. إنها نتيجة صدام حول السيادة على الثروة، استعملت فيه الأدوات الاقتصادية والمالية، ثم لوح فيه بالقوة العسكرية، لإعادة فرض منطق النفوذ. ومن ثم، فإن تجاهل هذا الجذر لا يفسر الوقائع، بل يعيد إنتاج خطاب تبسيطي يعزل النتائج عن أسبابها.

*كاتب وأكاديمي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com