حميد عقبي

كارولاين هورتون مبدعة مسرحٍ بريطانية مستقلة تدفع أعمالها نحو قلب أسئلة العدالة الاجتماعيّة. ففي عرض لها قدمته (2015) عملت على تفكّيك أيديولوجيا “الملاذات الضريبيّة” وتعرّية كلفتها الإنسانيّة، فصوّرت تهرّب النخبة وثقافة الجشع جزءًا من دراما تُظهِر العنف المستتر خلف واجهة “الأوفشور”. وفي «كلّ شيءٍ مني» تذهب إلى ملفّ الصحّة النفسيّة باعتباره شأنًا شخصيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا معًا حيث نكون مع بناءِ لغةٍ مسرحيّة تفتح نقاشًا عامًا رحيمًا تُمكّن الأصوات المُهمَّشة نفسيًّا من التعبير عن مخاوفها. كما أنها تستكمل هذا الخطّ بنقدٍ نسويّ صريح ، حيث يظهر أثر البطريركيّة “حين تهبط بكلّ ثقلها”، كما تلعب على التنوّع الثقافي/ اللغوي عبر حكايات متعددة.
بيئة إنتاجها تتحرّك ضمن سياسات ضدّ العنصريّة وتوسيع التمثيل. هكذا يتبلور مشروعها عبر ثلاث جبهات متقاطعة: نقدُ اللامساواة الاقتصاديّة، وتفكيكُ وصمة المرض النفسي وبناءُ إدماجٍ اجتماعيّ، ونقدُ البطريركيّة. مسرحها يُعرّي بُنى القوّة والنخب، كما يتميز بجماليات الاعتراف والتجريبِ حيث تُحوّل الهامش إلى لغةٍ عموميّة قابلة للتداول والتغيير.

كارولاين هورتون فنانة فاعلة ومؤثرة في المسرح المستقل، حصدت بعض الجوائز والترشيحات، ولها حضورٌ في المهرجانات، ونصوصها تفتح نقاشات حول الصحة النفسية والنسوية والعدالة الاقتصادية. لكننا لسنا مع اسم جماهيري عابر للشرائح مثل نجوم المسرح التجاري—لكن قيمة أعمالها تظهر في نوعية التأثير الذي تخلقه أعمالها حيث أن هذه العروض تنشط النقاشات والمحادثات العامة حول قضايا مهمة كالعدالة الضريبية وتبني مساحات تعاطف مع الفئات المظلومة ويبدو أن هورتون مقتنعة بمسارها ولم تسعَ إلى الكثرة العددية للحضور ولا الشهرة والربح.
مسرحية كلّ شيءٍ مني
مسرحية«كلّ شيءٍ مني» هي عرضٌ منفرد أوتوبيوغرافي بطابع أسطوري عن الاكتئاب والرغبة في العيش/الموت. تم تقديمه أولًا في إدنبرة عام 2019 بإخراج أليكس سويفت، ونال جوائز مرموقة قبل انتقاله إلى لندن. هذا العمل يتميز بديكور بسيط مكشوف وعبارة عن سقالات، أكياس رمل، كابلات، وكرات مرايا؛ ثم تدخل هورتون بثياب يومية وتفتتح العرض بسلسلة اعتذارات ساخرة، يستمر العرض لمدة 70 دقيقة.
تم تقديم العمل عبر صورتين لذاتها، الأميرة (الواجهة اليومية) والأخت الظل (الذات العميقة). بالصوت الحيّ وبعض الأصوات المسجلة تخلق مشاهد تتأرجح بين السخرية والحدّة، حيث تسخر من وهم «التفاؤل السريع». وحين تبلغ العتمة ذروتها، تنتقل بنا بهدوء إلى طور التعافي اليومي: زيارة طبيب، دواء، دشّ صغير، وروائح تُعيد إحساس الحياة ببطء.
في ختام العرض، نتعايش مع حفلةٍ مجازية تتجاور فيها مفاهيم الموت والحب والأمل والعار والفشل، وتخرج منها هورتون بنهاية غير وردية. وصف بعض النقاد العمل بأنه شخصيّ وسياسيّ معًا؛ فهو يقول إن الاعتناء بالنفس فعلٌ مقاوم، وإن الكلام عن الألم والظلم يمكن أن يخلق مساحة رحيمة نتنفس فيها جميعًا.
مقطع من نص «كلّ شيءٍ مني»
اليوم ضائع. إي نعم، اليوم ضائع. لديّ شرخٌ في مقدّمة جمجمتي من إحدى تلك الليالي.
هل قلتُ إنني أحبّ الرقص؟ إنّه يُسعدني وكذلك الجنس—ولكن ليس دائمًا.
ماذا أيضًا؟
الذهاب إلى السرير في أوقاتٍ ليس من المفترض أن تذهب فيها إلى السرير. تكسير الخزف.
أحبّ العُطَل وقد آخذ واحدةً طويلةً على نحوٍ غير مناسب قريبًا.
أحبّ السهرَ متأخّرًا—متأخّرًا جدًّا—والإحساس بأنّ العالم نائمٌ ويفوّت شيئًا ما.
أحبّ شروق الشمس لكن ليس برفقة شخصٍ مزعج.
أحبّ إنشاد الأغاني المُفجِعة، والنبيذ مع الفول السوداني، ورائحة الإبطين.
أريد أن أتكلّم خمسَ لغاتٍ على الأقل بإتقان، وأن أكتب روايةً ويتغنّى بها الجميع، وأن أشيخ—لكن كلّما تقدّمتُ في العمر شعرتُ بأنني أروع—وأن أتنوّر وأُحلَّل نفسيًا، وأن أتعلّم العزف على البيانو والبوق، وأن أغنّي مثل بيلي هوليداي، وأرقص مثل فريد أستاير، وأشتمَ كما لو أنني نذلٌ لا يبالي.
أنا أحبّ—في الحبّ—أحبّ—حتى وأنا أتقشّر وأنتنُ وأبكي وأتكدّمُ وأتسرّب—أنا أصرخ—أنا متعرّقة، أموت، وأتحلّل—أنا امرأة، إلى حدٍّ ما—بإبطين وقدمين كبيرتين وشَعرٍ يشيبُ أتذكّر أحيانًا أن أصبغه—أفكّر كثيرًا في الموت… ذلك النوع الآخر من الموت…
حين تهبط «الظلمة» لَعينةٌ بحقّ، بأنيابٍ مكشّرة وبمخٍّ يطلّ من جمجمتها، قائلةً إنّها تريد أن تضطجع معي جلدًا إلى جلدٍ—جلدًا إلى جلد—وأحيانًا أريد أن أضطجع معها أنا أيضًا، لكن ليس طوال الوقت—إنّها لا تتّصل مسبقًا.
أحلم بأن أفلتَ خلسةً، لكنني أعلم أنّه لن يكون إفلاتًا؛ سيكون دمويًّا و/أو مؤلمًا. أتخيّل الجنازة وأشعر بالذنب تجاه مَن أحبّ، لكن ليس طويلًا، لأنّ الجميع يموت.
عروض كارولاين هورتون المسرحية تضعنا في قلب مسرحٍ شخصيّ/عام، يشتبك مع العتمة بنبرة حميميّة وتجريب واضح في الشكل. في «كلّ شيءٍ مني» تصوغ هورتون مسرحًا يرى الاكتئاب شأنًا فرديًا واجتماعيًا وسياسيًا معًا؛ لا نجدها تنشد «خلاصًا» سريعًا، لكنها تعمل على تحوّيل الاعتراف إلى ممارسةٍ جماليةٍ ومساحة رعاية مشتركة. بصريًا وسمعيًا، تعتمد ديكورات فقيرة مكشوفة مثل سقالات، أكياس رمل، كابلات، وتشتغل بالصوت الحيّ والصوت المسجل من أجل خلق طبقات متعددة من الأمكنة والأزمنة، كذلك فهي تجتهد في تفكّك وعود الترفيه المريح عبر «اعتذارات» ساخرة عن عرضٍ «مظلم»، كأنها توقّع ميثاق صدق مع الجمهور.
مفهومها للمسرح يتأسس على أن الكلام عن الألم فعلٌ عمومي، عرضٌ منفرد، لكنه موجّهٌ لبناء «استماع جماعي» مسرحٌ ليس لاستهلاك الاعتراف. لذلك تمزج الأوتوبيوغرافيا بالأسطورة لتفتح رموزًا يتقاطع فيها الخاص والعام. هذا ما التقطته مراجعات بارزة، عملها كل شيء مني اعتبرته ذا غارديان عملًا «قاتمًا ومليئًا بجمالٍ مفاجئ» يرفض القوس التفاؤلي القسري حول الصحّة النفسية، ويعيد رسم علاقة الفن بالاعتناء والوقت الإنساني، كما رأته ذا ستيج «مُذهلًا وجارفًا» في جرأته الشكلية وقدرته على تجسيد دوريّة الاكتئاب لا نهايته السعيدة.
تقنيًا، تستند هورتون إلى ثلاث ركائز:
مسرحة العملية: تفضح أدواتها (ميكروفونات، حلقات صوت، إضاءة مكتبية) وتكسر الجدار الرابع لتصنع تعاقد رعاية مع المتلقي.
المونتاج الدلالي: تراكب بين صور يومية ورموز أسطورية (الظل/الأميرة؛ حفلة مفاهيم أخيرة) لتوليد معنى يتقدّم بالإيحاء لا بالعظة.
الاقتصاد المشهدي: فقرٌ بصري مقصود يضمن أخلاقيات النظر—لا فرجة على الألم بل إنصاتٌ له.
أخيرًا، فإن الاعتراف هنا ليس غاية، لكنه وسيلة لبناء فنٍّ يعترف ويطالب أيضًا بظروفٍ اجتماعية أكثر عدلًا كي نعيش.
مسرح يضع الحقيقة على الخشبة بلا أقنعة
في جوهر مشروع كارولاين هورتون يسطع «الميتامسرح» ويمكن أن نفهمه بأنه أداةٌ أخلاقيّة قبل أن يكون حيلةً جماليّة، لنتأمل مثلًا: الاعتذار الساخر، كشف أدوات العرض، وتعرية كواليس الإنتاج ليست زينة؛ إنها بمثابة عقد رعاية مع المتلقي، يضع الحقيقة على الخشبة بلا أقنعة. بهذا، تتحوّل المشاهدة من استهلاكٍ للحكاية إلى مشاركةٍ في شروط قولها وشروط عرضها، ويغدو بذلك الجمهور شريكًا في كتابة المعنى وليس متفرّجًا على معاناة «مؤطرّة» أو عرض مصنوع. على المستوى الحسيّ، هورتون تخلق من الجسد نصًّا سياسيًّا حيًّا، تتحدث عن العَرَق، الرائحة، الدوش الصغير، الدواء، شعر الإبطين والخوف، كل هذه العناصر ما هي إلا علامات يوميّة تعيد الجسد إلى حقّه في الإحساس والقرار، وتمنع اختزاله في استعارات نظيفة وخاصة جسد المرأة. إذن فإن حضور الجسد بهذه الصراحة لا يطلب فرجة وتصفيق، بل يطالب بنقاشات ويفتح باب الأسئلة عن الجسد والهوية والكرامة.
لم تتكئ هورتون على «البياض» الذي تصدر عنه عشرات العروض الرائجة، تعمل كارولين هورتون داخل بيئاتٍ وتعاوناتٍ متنوّعة تتجاوز المركز، حيث تربطها شراكاتٌ مع فنانين من خلفيّاتٍ مختلفة—منهم أصدقاء/شركاء سود—وهذا يعزّز إحساسنا بأن خطابها ليس حوارًا داخليًا حصريًا للمجتمع الأبيض. كما أنها تميل إلى مسرح يرفض الاستعراض والفخامة، ويصرّ على أن البساطة يمكن أن تكون أكثر فنًا.
قوّة مسرح هورتون أنّه لا يَعِد بخلاصٍ ورديّ، ولا يتخفّى وراء جمالياتٍ محايدة. إنّه مسرح يصرّ على أن الألم شأنٌ عموميّ، وأن الاعتراف لا يكتمل إلا حين يفضي إلى أن يكون مسموعًا جماعيًا. لذلك تستحق أعمالها أن تُقرأ كمنهجٍ في صناعة المعنى، لنتأمل ما تتمتع به من مميزات: مزيجٌ من صدقٍ خَشِن، وفنٍّ مسؤول، وتجريبٍ يعيد للخشبة وظيفتها الأولى—فالمسرح هو فضاء نَلتقي فيه لنقول الحقيقة دون تزيين أو زخرفة.

















































