عرس كروي عالمي في حاضرة طنجة، ونحن في غفلة

13 ديسمبر 2025
عرس كروي عالمي في حاضرة طنجة، ونحن في غفلة


عبد العزيز حيون 

كاتب وصحافي من المغرب 

قبل أيام قادتني الضرورات أن أمكث بالعاصمة الرباط بضعة أيام ،وما استوقفني وأبهجني وأنا أزور هذه المدينة التي تزداد جمالا يوما بعد يوم ،هو الاهتمام الاستثنائي في التحضير للعرس الكروي الذي ستحتضنه بلادنا في غضون الأيام القادمة التي تعد على رؤوس الكفين .

وسط مدينة الرباط وباقي الأحياء ،من حسان الى الرياض والمحيط وأكدال والسويسي والتقدم واليوسفية ويعقوب المنصور والفتح ،بشوارعها الفسيحة والضيقة تزينت لاستقبال حدث رياضي من الحجم الكبير ،الذي غاب عنا تنظيمه منذ سنة 1988 ،27 سنة بالتمام والكمال ، وكأن العاصمة تخاطب العالم بأننا نحن المغرب لنا القدرة ليس فقط أن نكون روادا في قارة أفريقيا الصاعدة بقوة ،اقتصاديا وسياسيا ورياضيا ،بل أن نكون من الدول المتميزة في ممارسة كرة القدم ويدل على ذلك المرتبة المتقدمة جدا التي نحتلها عن جدارة وأيضا في التنظيم المحكم والآمن والجذاب والمضياف ،ولا تفصلنا عن احتضان نهائيات كأس العالم إلا سنوات معدودات بمعية دولتين مرجعتين في تاريخ كرة القدم العالمية .

تَزَين العاصمة الرباط ليس بالبادخ وليس بالشحيح ،لكنه أنيق وجذاب يجمع بين جمالية صناعتنا التقليدية والإبداع الفني الأصيل والمعاصر والذوق التعبيري الرفيع والعمق الثقافي الإفريقي الذي نحن جزء هام منه بحكم التاريخ والواقع ،لا محالة سيعطي هذا المشهد التعبيري فكرة شاملة عن دولة مُتحضرة عريقة توجد على كوكب الأرض لقرون عديدة وحَباها الله بكل ما هو مُتميز ومُميز في هذه الحياة ..و هي تجعل انتماءها القاري فوق كل اعتبار وتفتخر به .

 وبعد عودتي الى مدينة طنجة كنت أظن أن حاضرتنا الجميلة ستتنافس مع العاصمة الرباط ،كيف لا وهي المدينة التي لها تاريخ عريق كعراقة بلادنا ،وكيف لا وهي المدينة التي تعايشت فيها حضارات وثقافات وملل وطرق العيش المختلفة وتميزت في ضمان التعايش والتناغم والتقاطع الايجابي ،وكيف لا وهي بوابة المغرب وبوابة أفريقيا وصاحبة البحرين والموقع المُتفرد ونافذة القارة السمراء على القارة العجوز ،وهي كذلك المدينة التي أضحت بنياتها التحتية والعمرانية تعد مرجعا وطنيا ،لن نستحيي أبدا إذا اختزلنا جمالية وجاذبية وتاريخ وحاضر مدينة البوغاز في إبداع فني شامل يشمل كل أحيائه بدون استثناء ،ونحن نستقبل العرس الكروي الدولي  ،الذي يثير اهتمام العالم بأسره .

 نعم ،كأس الأمم الأفريقية تستأثر باهتمام العالم برمته ليس على سبيل المبالغة وإنما لأن الواقع يدل على ذلك ويفرض ذلك ..فإذا تحدثنا كرويا أصبحت الكأس الأفريقية تستقطب لاعبين من الطراز العالي ،لعبا وقيمة مالية ..وإذا تحدثنا عن الاهتمام الإعلامي فقد لاحظنا أن قنوات دولية رائدة ستغطي هذا الحدث الرياضي بتفاصيله ،وأركز على كلمة “تفاصيله”، فبدون أدنى شك سيهتم الإعلام الدولي بتاريخنا وثقافتها وعيشنا ومجتمعنا وطبخنا ومطاعمنا وفنادقنا وسياحتنا وطرقنا ونقلنا الحضري وشواطئنا وأسواقنا ومتاجرنا وأمننا وسيرنا وجولاننا ونظافتنا وممرات الراجلين وممرات المكفوفين …

وعلينا ،ونحن تحت مجهر العالم بأسره ونستقبل الحَدث الرياضي البارز في سنة 2025 ، أن نكون في مستوى الحدث رغم أن الوقت قد تأخر في التحضير ،وفاتنا أن نُشرك قبل وقت طويل كل الفعاليات المحلية والجهوية،الفنية والرياضية والجمعوية ،أن نتهيأ ونُعد أنفسنا ،لكن فلنتدارك الزمن لعلنا نتجاوز تأخرنا الذي يثير لدينا الغبن ويشعرنا بكوننا نُفوت علينا لحظة جميلة سيذكرها التاريخ ،لأننا “ناضلنا” كثيرا لاحتضان أولا كأس أفريقيا وثانيا نهائيات كأس العالم التي تفصلنا عنها سنوات قليلة ستمر كلمح البصر  بلا شك وبسرعة طرفة العين .

اختيار طنجة لم يكن صدفة ولا مَنا ،وإنما جاء عن اقتناع المسؤولين ،من أعلى هرم الدولة الى مسؤولي الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ، بأن مدينة البوغاز الشامخة ،ومعها كل دول شمال المملكة ،تستحقق أن تكون ضمن كوكبة المدن النموذجية للمملكة التي تتطور بتأني لكن بذكاء ونجاعة ،وتعطي الفكرة الشاملة عن حضارة المغرب التي لا تشبهها الحضارات الأخرى ،عَراقة وتَمَيزا..

وأتمنى أن تتفهم جماعتنا الحضرية ويتفهم منتخبونا أن ما دَفَعنا للحديث عن استعداد طنجة الشاحب والباهت لعرس كروي عظيم ،هو غيرتنا على وطننا ،الذي نتطلع أن نراه دائما في العلى  ولامعا ..

رجاء لا تفوتوا علينا هذا العرس واستدركوا ما يمكن استدراكه..،فالوقت من ذهب وثمين ولا يعوض …

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com