سيادة الإمارات على جزرها الثلاث 

10 ديسمبر 2025
سيادة الإمارات على جزرها الثلاث 

د. محمد كرواوي*

المغرب

لم تكن الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى، مجرد نتوءات صخرية تتلاطم حولها أمواج الخليج العربي، ولا خطأ جغرافيا ترك على هامش الخرائط القديمة. كانت، وما تزال، عقدة صلبة في عنق الجغرافيا السياسية للمنطقة، تشهد على تاريخ متجذر ومستقبل متصارع، وتختزل في مساحتها الصغيرة قصة دولة آمنت بأن السيادة ليست تراثا يورث فحسب، بل حقا يحمى ويدافع عنه. لذلك لم يكن موقف الإمارات من جزرها موقفا عاطفيا، بل رؤية استراتيجية صيغت في مختبر الواقع، وتبلورت في لغة القانون والتاريخ والجغرافيا، وتدعمت بتحالفات لا تخطئ ميزان القوى في الخليج.

في المقابل، لم يكن الموقف الإيراني مجرد اختلاف حدودي يمكن حله بتفاهم أو ترسيم أو تحكيم، بل كان توسعا ذهنيا يسكن عقل طهران، يغلف كل حوار بقدر من الشك، ويدفع كل مبادرة نحو طريق مسدود. إيران لم تتعامل مع الجزر كقضية، بل كرسالة؛ رسالة يقرأها الجيران قبل أن يسمعوا كلماتها، وتقول إن الخليج فضاء نفوذ لا مساحة تفاهم، وإن الصمت على احتلال جزيرة اليوم هو موافقة ضمنية على ابتلاع الشاطئ غدا. ومن هنا تبدأ القصة لا حيث ينتهي الجدل القانوني، بل حيث تبدأ شروط القوة وحدود الطموح.

لماذا تتمسك الإمارات بجزرها؟ لأن التاريخ أثبت أنها جزء من تكوينها السياسي والاقتصادي والبشري. الوثائق البريطانية التي تحفظ سجلات السيطرة والموانئ والمرافئ خلال القرن التاسع عشر، والخرائط الملاحية التي توثق حركة التجارة في الخليج، وشهادات السكان الذين عاشوا على امتداد الساحل، كلها تؤكد أمرا لا يحتمل الظن: هذه الجزر إماراتية قبل أن تكون محل نزاع، وسكانها مارسوا حياتهم ضمن منظومة حكم قبلي وسياسي مرتبط مباشرة بإمارات الساحل المتصالح. لم يدخل الإيرانيون إليها إلا في زمن ضعف إقليمي وصمت دولي، لا يعترف به التاريخ ولا يقره القانون.

لكن الإمارات لم تقل يوما إن التاريخ وحده يحسم القضايا، فهي دولة الفعل لا النوستالجيا. لذلك لم يكتف موقفها بالوثائق، بل عززه القانون الدولي، مستندا إلى مبدأ السيادة وحق الدول في أراضيها، وإلى أن الاحتلال لا ينشئ حقا، وأن الاستيلاء بالقوة لا يمنح شرعية. عرضت أبوظبي التفاوض المباشر، وطرحت خيار التحكيم في محكمة العدل الدولية، وتبنت مقاربة سلمية تحترم الأعراف الدولية. هنا كان الفارق واضحا: الإمارات تتحدث بلغة القانون، بينما ترد إيران بلغة القوة.

ذلك أن إيران لم تكن تريد حلا، بل كانت تريد مشكلة؛ مشكلة تبقي الخليج مشدود الأعصاب، ومياهه تحت مجهر التوتر، وحدوده متوترة بما يكفي لفرض حضورها. حين ترفض طهران كل مقترح إماراتي، فهي لا تدافع عن أرض بقدر ما تدافع عن وهم تاريخي تعتقد أنه يمنحها امتيازا جيوسياسيا في قلب الخليج. وحين تستعرض قوتها بمناورات عسكرية قرب الجزر، فهي لا تحمي حدودها، بل تزعزع حدود الاستقرار، وترسل رسائل مفادها أن الخليج لا يهدأ إلا عندما تصمت دوله عن أطماع إيران.

أخطر ما في الموقف الإيراني ليس الادعاء نفسه، بل الإصرار عليه. فالدول لا تختبر في كلماتها، وإنما في سلوكها. وسلوك طهران يقول بوضوح إنها لا تميز بين حق سيادي وبين حلم توسعي. المشكلة ليست في الجزر وحدها، بل في الفلسفة التي تقود القرار الإيراني. فالدولة التي تعتبر نفسها صاحبة الوصاية التاريخية على الخليج، هي دولة لا تعترف بأن الجغرافيا تحكمها الاتفاقات، ولا تؤمن بأن الأمن الإقليمي يصان بالاحترام المتبادل، وإنما بالقفز على حقوق الجيران كلما سنحت الظروف.

هناك من يتوهم أن قضية الجزر قضية حدودية صغيرة. هذا قصر نظر. الجزر هي البوابة البحرية نحو مضيق هرمز، وامتلاكها يمنح قدرة استراتيجية على مراقبة الملاحة وتوجيه مسارات الطاقة، والتحكم في عقدة من أهم عقد الاقتصاد العالمي. ولذلك، فإن من يمسك بهذه الجزر لا يتحكم في صخرة، بل يتحكم في شريان بحري حيوي، وممر تتنفس منه أوروبا وآسيا وأمريكا. فهل يمكن بعد هذا أن تتحول الجزر إلى ورقة تتلاعب بها دولة تبحث عن نفوذ إقليمي؟

الإمارات، وهي تدافع عن جزرها، لا تدافع عن جغرافيا فحسب، بل عن مبدأ. والمبدأ ثابت: حدود الخليج ليست مشاعا تاريخيا، والسيادة ليست نصا يصاغ في خطب سياسية، بل عقد قانوني وواقعي يترجم في الأرض والبحر والجو. لذلك فإن الدفاع عن الجزر هو دفاع عن الخليج ذاته، وعن حق الدول الصغيرة والمتوسطة في أن تعيش في أمن دون أن تصبح رهينة مصالح قوة إقليمية لا تتردد في خلط الدين بالسياسة، والتاريخ بالجغرافيا، والقوة بالحق.

لقد حاولت إيران مرارا أن تظهر نفسها ضحية مؤامرة دولية، لكنها في هذا الملف تحديدا تكشف عكس ما تدعيه. فالطرف الذي يغلق باب التفاوض لا يطلب السلام، والطرف الذي يرفض المحكمة لا يبحث عن الحق، والطرف الذي يلوح بالسلاح لا يخشى العدالة، بل يخشى الحقيقة. وإذا كانت الجغرافيا لا تسامح من يتلاعب بها، فإن القانون لا يعترف بمن يستخف به. وفي النهاية، لا ينتصر من يرفع صوته، بل من يثبت حقه.

إن مستقبل الخليج مرتبط بقدرة دوله على صياغة أمنه بعيدا عن حسابات القوى الخارجية، وبقدرته على فرض احترام حدوده ومؤسساته. والإمارات، في هذا السياق، لا تبحث عن صدام، بل عن استقرار، ولا ترفع شعار السيادة لتزيين الخطاب، بل لتثبيت الحق. أما إيران فستبقى في موقف ملتبس لا يحسمه إلا قرار شجاع يعترف بأن الجزر ليست ورقة مساومة، وأن الأمن لا يبنى على أوهام القوة. الجغرافيا لا تخضع للرغبات، والسيادة لا تقبل التبسيط، وتاريخ المنطقة لا يمنح صكوك ملكية مؤبدة لأحلام إمبراطوريات زالت منذ قرون.

سيكتب التاريخ، كما كتب من قبل، أن الدول لا تقاس بمساحتها، بل بموقفها. وأن الإمارات، وهي تدافع عن جزرها، كانت تدافع في الوقت نفسه عن معنى الدولة في الخليج: دولة تحترم القانون، تمارس سيادتها، وتؤمن بأن الحق لا يهدى، بل ينتزع. أما إيران، فقد اختارت الطريق الأصعب: طريق من يملك التاريخ لكنه لا يفهم أن المستقبل لا يصاغ بحد السيف، بل بحدود الشرعية.

*كاتب وأكاديمي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com