حين يُشرعن الصمت: العنف ضد المرأة

25 ديسمبر 2025
حين يُشرعن الصمت: العنف ضد المرأة

حين يُشرعن الصمت: العنف ضد المرأة في العراق بين العُرف والخوف

فاروق الدباغ

كاتب عراقي / سويدي

في المجتمع الشرقي، وتحديدًا في العراق، لا يُقاس العنف دائمًا بما يُرى. كثيرٌ منه يحدث في الغرف المغلقة، وتحت عناوين ثقيلة مثل “العيب”، و“السمعة”، و“الصبر”، و“حفاظًا على الأطفال”. هنا لا تحتاج المرأة إلى كدمات ظاهرة كي تكون ضحية؛ يكفي أن تُحاصر بالخوف، أو تُسلب من حقها في القرار، أو تُختزل حياتها في طاعة صامتة.

العنف الذي تتعرض له المرأة العراقية ليس حدثًا طارئًا، بل بنية متكاملة تشارك في ترسيخها أعراف اجتماعية، وتفسيرات دينية مشوّهة، وضعف قانوني، وصمت جماعي يعتبر ما يحدث “شأنًا عائليًا”. يُضرب هذا الصمت على وجوه النساء كل يوم: امرأة تُمنع من العمل، أخرى تُجبر على زواج لا تريده، ثالثة تُهدد بالأطفال إن رفعت صوتها، ورابعة تُعاقَب لأنها طالبت بكرامتها.

في كثير من البيوت، تُدار العلاقة بمنطق “أنا الرجل”، لا بوصفه شراكة، بل ترخيصًا مفتوحًا للهيمنة. الرجل الذي يشعر بالهشاشة أمام الفقر، أو البطالة، أو فقدان المكانة، يعوّض ذلك داخل البيت. فيتحول العنف إلى وسيلة لإعادة ترتيب العالم وفق مقاسه، وتتحول المرأة إلى ساحة اختبار لهذه السلطة. ليس لأن القوة متأصلة فيه، بل لأن الضعف حين لا يُعالَج يتحول إلى قسوة.

الأخطر أن العنف لا يكون جسديًا فقط. العنف النفسي في العراق صامت لكنه قاتل: التقليل من الشأن، السخرية، التشكيك في العقل، التحكم بالعلاقات، والابتزاز العاطفي باسم “الغيرة” أو “الحب”. هذا النوع من العنف لا تلتقطه الكاميرات ولا تُحصيه الإحصاءات بسهولة، لكنه يترك ندوبًا طويلة الأمد على الثقة بالنفس، وعلى القدرة على الاختيار، وعلى الإحساس بالأمان.

وإذا حاولت المرأة كسر الصمت، تُحاكم مرتين: مرة داخل البيت، ومرة في المجتمع. تُسأل: “لماذا تكلمين؟ لماذا لم تصبري؟ ماذا فعلتِ لتغضبيه؟” وكأن العنف نتيجة طبيعية لسلوكها، لا جريمة بحقها. هكذا يصبح اللوم آلية دفاع جماعية تُبرئ المعتدي وتُدين الضحية.

القضية ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل خللًا في مفهوم العلاقة نفسها. العلاقة الناضجة لا تقوم على السيطرة ولا على الخوف، بل على التوازن والمسؤولية المشتركة. حين يُربّى الرجل على أن الرجولة سلطة، وتُربّى المرأة على أن الصبر قدر، تكون النتيجة علاقات مشوّهة تُنتج الألم بدل الطمأنينة.

العلاج لا يبدأ بالقوانين وحدها، رغم أهميتها، ولا بالشعارات الموسمية. يبدأ بإعادة تعريف الرجولة بوصفها قدرة على الاحتواء لا على القمع، وبإعادة تعريف الصبر بوصفه قوة واعية لا استسلامًا. يبدأ بتعليم الفتيات أن لهن حق الاختيار، وتعليم الفتيان أن الشراكة لا تُنقص من قيمتهم. يبدأ بكسر الصمت، لأن الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في العنف.

في العراق، تحتاج المرأة إلى أكثر من تعاطف عابر؛ تحتاج إلى مجتمع يقول بوضوح: العنف ليس شأنًا عائليًا، ولا “خطأً يمكن احتماله”، بل جريمة تُهدم بها البيوت من الداخل. وعندما يصبح الأمان حقًا لا منّة، والاحترام قاعدة لا استثناء، عندها فقط يمكن أن نقول إن العلاقة تحولت من ساحة صراع إلى مساحة حياة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com