حكمة الأشقاء في إدارة أزمة اليمن 

31 ديسمبر 2025
حكمة الأشقاء في إدارة أزمة اليمن 

بقلم د.محمد كرواوي*

إن الموقف الذي جسدته المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إزاء التطورات الأخيرة في اليمن يؤكد مرة أخرى رسوخ ثقافة الحكمة السياسية لدى دول الخليج، وحرصها على تغليب منطق المسؤولية الجماعية على منطق التصعيد والمغامرة. فالدعم الذي قدمته الدولتان لوحدة اليمن واستقراره لم يكن تعبيرا آنيا عن موقف ظرفي، بل امتدادا لالتزام تاريخي يعتبر أمن اليمن جزءا لا يتجزأ من أمن شبه الجزيرة العربية والخليج، ويعكس وعيا استراتيجيا بأن تفكك الدولة اليمنية أو تحويلها إلى مجال صراع مفتوح لن يضر باليمنيين وحدهم، بل سينعكس سلبا على الأمن الإقليمي برمته.

لقد تعاملت المملكة العربية السعودية طوال سنوات الأزمة بروح الدولة المسؤولة التي تدرك تعقيدات المشهد اليمني وتشابكات الفاعلين فيه، فحرصت على دعم المؤسسات الشرعية، وفي الآن نفسه على الدفع في اتجاه الحلول السياسية التي تحفظ وحدة اليمن وتجنبه الانقسام. ولم يكن تدخلها الأمني سوى استجابة لمقتضيات حماية الحدود الجنوبية والأمن البحري وممرات التجارة في البحر الأحمر وخليج عدن، في إطار رؤية أوسع تعتبر الاستقرار خيارا استراتيجيا لا مجرد غاية ظرفية.

وفي السياق نفسه جسدت دولة الإمارات العربية المتحدة قدرا عاليا من النضج السياسي وهي تعلن انسحاب قواتها المتبقية من اليمن، في خطوة يمكن قراءتها باعتبارها برهانا عمليا على حسن النية، وحرصا على عدم تأزيم العلاقات مع الأشقاء في السعودية، وترسيخا لمبدأ أن الشراكة في أمن المنطقة لا تقوم على التنافس، بل على التكامل والتنسيق. فالقرار الإماراتي لم يكن انسحابا من المسؤولية، بقدر ما كان انتقالا من إدارة ميدانية مباشرة إلى دعم المسار السياسي بما يخدم وحدة اليمن ويحفظ في الآن ذاته تماسك التحالف الإقليمي.

إن إعلان الإمارات الانسحاب يحمل دلالتين واضحتين: فهو من جهة رسالة إلى الداخل اليمني بأن دعم الأشقاء لا يراد به تغيير موازين القوة لصالح طرف ضد آخر، وإنما يراد به منع انهيار الدولة وتفكيك وحدتها الترابية؛ وهو من جهة ثانية تأكيد على أن الإمارات تنظر إلى العلاقة مع السعودية باعتبارها ركنا أساسيا في معادلة الاستقرار الإقليمي، ولذلك قدمت خيار التفاهم والتنسيق على كل حسابات ضيقة أو مصالح ظرفية.

ومع أن التصعيد الميداني كشف عن تباينات في المقاربات والتقديرات بين الفاعلين الإقليميين، فإن الطريقة التي أدارت بها الرياض وأبوظبي هذه المرحلة الحساسة أظهرت أن الاختلاف في التفاصيل لا يلغي الاتفاق في المبادئ الكبرى، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة اليمن ومنع انزلاقه إلى سيناريوهات الانقسام أو الصراع الداخلي المفتوح. ولهذا جاء خطاب البلدين هادئا، دبلوماسيا، متسما بضبط النفس وتقديم لغة التهدئة على خطاب التصعيد.

كما أن حرص البلدين على التمسك بالبعد العربي والإقليمي في مقاربة الملف اليمني يعبر عن إدراك مشترك بأن معالجة أزمة بهذا الحجم لا يمكن أن تتم خارج إطار التعاون الخليجي والعربي، ولا خارج مقومات حسن الجوار ومسؤولية التضامن الاستراتيجي. فالسعودية والإمارات، من خلال مواقفهما الأخيرة، أعادتا التأكيد على أن أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية واستقرار جنوب الجزيرة ليست قضايا محلية معزولة، بل ملفات إقليمية تقتضي أعلى درجات التنسيق والمؤسسية.

ومن هذا المنظور يمكن القول إن التوازن السياسي الذي أظهره البلدان يعكس فلسفة تقوم على الجمع بين الحزم في حماية الأمن الإقليمي، وبين القدرة على مراجعة الأدوار وتعديل التموضع كلما اقتضت مصلحة الأشقاء ذلك. فالحكمة في مثل هذه السياقات لا تتمثل في الإصرار على النهج ذاته مهما تغيرت الظروف، بل في امتلاك الشجاعة لإعادة ضبط المسارات بما يخدم الهدف الأكبر: يمن موحد، مستقر، آمن، ومندمج في محيطه العربي.

إن دعم وحدة اليمن، كما عبر عنه الأشقاء في السعودية والإمارات، لم يكن موقفا خطابيا أو عاطفيا، بل خيارا استراتيجيا يقوم على قناعة بأن تفادي الفراغات الجيوسياسية وحماية الأمن الإقليمي أولى من ترك الساحة لمشاريع مضادة. كما أن تغليب منطق التفاهم بين البلدين يمثل ضمانة حقيقية لاستمرار منظومة الأمن الإقليمي، ويحول دون تحول الخلافات التكتيكية إلى أزمة في بنية التحالف ذاته.

وعلى ذلك، يبرز موقف السعودية والإمارات في هذه المرحلة الدقيقة مثالا على الحكمة السياسية المؤسسة على تقدير المآلات واحترام روح الأخوة والمسؤولية المشتركة. فعندما تختار الدول الكبرى في الإقليم لغة التهدئة والتكامل بدل التصعيد والانقسام، فإنها لا تحمي فقط علاقاتها الثنائية، بل تحمي معها جسرا واسعا من المصالح العربية المشتركة، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة اليمن وأمن المنطقة واستقرارها.

*كاتب وأكاديمي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com