عندما يُهان العلم على أيدي من أساؤوا إليه

20 ديسمبر 2025
عندما يُهان العلم على أيدي من أساؤوا إليه

د. أحمد الرفاعي

رسالة إلى سياسيي العراق، كفاكم استهتارًا بكفاءات هذا البلد وشهاداته، فالعراق لم يكن يومًا فقيرًا بالعقول ولا عقيمًا في الجامعات، لكنه أُثخن بخطاب يستخف بالعلم ويخلط عمدًا بين من حمل الشهادة رسالةً ومنهجًا ومسؤوليةً، وبين من تعامل معها كبضاعةٍ ظرفية أو عنوانٍ عابرٍ للصعود السياسي، هذا الخلط لم يُسئ إلى الأكاديميين فحسب، بل أساء إلى قيمة الشهادة ذاتها وإلى فكرة الدولة التي يُفترض أن تُدار بالكفاءة لا بالمصادفة.

لقد شهدنا في غير مناسبة استهزاءً صريحًا أو مبطنًا بالشهادات العليا، صادرًا عن بعض رموز المشهد السياسي، في وقتٍ كان الأولى فيه مساءلة من أفرغ الشهادة من مضمونها، ومن فتح أبواب التزوير والتسويق الوظيفي، ومن حوّل المؤهل العلمي إلى ملصقٍ انتخابي لا إلى خبرةٍ تُبنى عليها السياسات العامة، فليس من العدل ولا من الحكمة وضع من أفنى عمره في البحث والتدريس والإنتاج العلمي في كفةٍ واحدة مع من قفز على المؤهلات أو أحاط نفسه بملابساتٍ أساءت للمعايير الأكاديمية.

إن الشهادة الجامعية، حين تكون نتاج مسار علمي رصين، هي رصيد وطني وخبرة تراكمية، وحين تُفرغ من شروطها وتُستباح قيمها تصبح عبئًا على المجتمع والدولة، والمسؤولية هنا ليست مسؤولية الأفراد وحدهم، بل مسؤولية منظومة سياسية وإدارية سمحت بالتجاوز وغضّت الطرف عن المعايير، ثم عادت لتسخر من نتائج ما صنعت.

العراق اليوم بحاجة إلى خطاب يحترم العلم، وإلى سياسة تعيد الاعتبار للكفاءة، وإلى فصلٍ واضح بين الأكاديمي الحقيقي ومنتحل الصفات، فالدول لا تُبنى بالاستهزاء بالمعرفة، ولا تُدار بإهانة أهلها، وإنما تنهض حين يُوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وحين تُصان الشهادة الجامعية باعتبارها أداة بناء لا مادة سخرية، وحينها فقط يمكن أن نستعيد ثقة المجتمع بالدولة، ونمنح الأمل لجيلٍ يرى في العلم طريقًا للخدمة لا بابًا للخذلان.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com