د. محمد عياش
– كاتب وباحث فلسطيني
ينتقل الاحتلال الصهيوني، من الحاجة للاعتراف بها، إلى منح الاعتراف بكيانات مغموزة بوطنيتها، وحبها الشديد للسيادة والتحكم، وبالتالي فإن الاستراتيجية الصهيونية لم تغب لحظة لجهة النيات الخبيثة بتفكيك المنطقة المحيطة وخصوصًا الدول العربية القريبة منها والبعيدة كأولوية لضمان بقائها كقوة وحيدة ثابتة في المنطقة .
ويُعدّ دافيد بن غوريون أحد مهندسي هذه الرؤية. ومن خلال مذكرات موشيه شاريت أول وزير خارجية لـ «إسرائيل» ورئيس وزرائها بين 1955–1953، يمكن رؤية هذه الاستراتيجية بوضوح: صناعة الفوضى في الدول المجاورة، وتفكيك الأقليات، وإنشاء كيانات مجزّأة، وجعل «إسرائيل» القوة الثابتة الوحيدة في المنطقة.
أعتقد أن الاعتراف الصهيوني بـ الصومال لاند، انعكاس لحالة الإحباط من عملية التطبيع التي توقفت بسبب الإجرام الصهيوني في قطاع غزة والضفة الغربية، والتغول المستمر على لبنان وسوريا، بالإضافة إلى محاولة خنق الحوثيين الذين يعتبرون إلى هذه اللحظة أداة من أدوات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأيضا زعزعة الأمن القومي لكل من مصر والسودان اللتان تتأثران من قيام أثيوبية ببناء سد النهضة، وبهذا الإعلان أطبقت «إسرائيل» على حوض النيل والدول المستفيدة باعتباره ممر مائي مهم لكلا الدولتين، وها هي تستحوذ على مدخل البحر الأحمر عبر هذا الاعتراف الماكر .
قلناها مرارًا وتكرارًا «إسرائيل»، لا تستطيع أن تجلس على الرماح، وبالتالي فإنها ماضية في غيها السادر، وكيفية ضرب الأسافين بين الدول، كل ما يهمها هو إشعال الفتن وخلق حالة أقرب من إشعال الحروب بين الدول، ولذلك فاجأت العالمين الإسلامي والعربي بهذا الاعتراف وتذكير هاذين العالمين بأن «إسرائيل»تعمل وفق رؤيتها ومصالحها، وهي ماضية غير مكترثة بردود الأفعال من إدانات وشجب واستنكار وربما دعوة مجلس الأمن للانعقاد، كل ذلك تعتبره ضجيج يبدأ بصوت عال ومن ثم ينخفض ويتلاشى، وبالتزامن أيضًا مع دعوات الانفصال لليمن الجنوبي، ودعمها لحكمت الهجري في جنوب سوريا، والمطالبة عبر المفاوضات التي جرت بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورون دريمر مستشار ووزير الشؤون الإستراتيجية في إسرائيل سابقًا بفتح ممر ( كريدور) بين السويداء ومناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) الأمر الذي ترفضه دمشق بالمطلق .
تستند «إسرائيل» بتصرفاتها هذه إلى الدعم الأمريكي المطلق، إذ أن الرئيس الأمريكي لم يدن هذا الإجراء، بل اكتفى بعدم الاعتراف حاليًا بالصومال لاند، ربما تحسبا ً للغضبة العربية التي ستقودها المملكة العربية السعودية الشريك الاقتصادي الحيوي لواشنطن.
مع تبيان الفوائد والعائدات التي ستعود على «إسرائيل»، يبرز هدف أكثر أهمية من كل الأهداف، وهو ترحيل سكان قطاع غزة لهذه الدولة المصطنعة، والتي بدورها لن تجد أي اعتراض لأنها ترى بـ «إسرائيل» القابلة القانونية من جهة، ومن جهة أخرى ستنشغل برهجة الولادة أي الدولة، وبناء علاقات فورية ومستعجلة لكسب الاعتراف بها وإعلانها كدولة تابعة للأمم المتحدة، وهذا ما ستجده بالفعل إذا قبلت بترحيل الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قالها في بداية فترته الثانية أن أرض الصومال جاهزة لترحيل الفلسطينيين وإقامة المنتجع السياحي «ريفيرا» .
على المجتمع الدولي أن يرفض هذا الإجراء ويعاقب نتنياهو، لأن في هذا العالم الكثير من الكيانات تريد الانفصال عن الدولة الأم، وبالتالي خلق فوضى عارمة، ولا أعتقد أن سوريا بعيدة عن هذه الأهداف خصوصًا بعد ارتفاع العلم الإسرائيلي في الجنوب والشرق، وربما أيضًا هناك عمل كبير ضد طهران التي ترفض تخليصها من تخصيب اليورانيوم، وبادرت بالقيام بالمناورات العسكرية والإعلان عن حزمة صواريخ معدلة ومتطورة وتحمل رؤوس تدميرية واسعة .
لعبة تبادل الأدوار بين واشنطن وإسرائيل، واستعراض القوة، وبالتالي الانتقال من حالة التهديد إلى التنفيذ، يعكس حالة السعار والنظرة الدوغمائية إلى هذا العالم الرافض للهيمنة والغطرسة، الحالم من التخلص من القيود والسيطرة الصهيو- أمريكية، واشنطن أدركت باستحالة وقف الحرب الروسية الأوكرانية إذ يكرر ترمب المطالبة بجزيرة غيرينالند الدنماركية، ويهدد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومن ثم يضع اللوم على أوروبا وحلف الناتو، بل ويطالبهم بتقديم تنازلات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والكيان الصهيوني يبحث بدائل خيبة الأمل من التطبيع العربية، لذلك يوجه رسالة قوية مفادها بأن البحر الأحمر أصبح بإدارة الكيان، والمتضرر طبعا الدول المتشاطئة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي تتحضر لإقامة جسر يربط السعودية بالجانب الآخر للبحر الأحمر.
تتكرر المواقف والمآسي، وتنقلب المصطلحات رأسًا على عقب، بين من يلهث وراء الاعتراف به ككيان إلى القفز بالاعتراف بكيانات أخرى، وعبارة «يسرائيل زانغويل» البريطاني اليهودي صاحب مقولة شعب بلا أرض لأرض بلا شعب حاضرة في السردية المؤلمة لقضيتنا المركزية .


















































