فاروق الدباغ
أعاد تحقيق صحفي استقصائي بثّه برنامج Kalla Fakta — أحد أشهر برامج التحقيقات التلفزيونية في السويد، ويُعرض على قناة TV4 منذ أكثر من 30 عامًا — فتح نقاش عميق حول الفرق الجوهري بين الدول التي تتحرك مؤسساتها لأجل تعذيب حيوان، والدول التي لا تتحرك فيها حتى أمام سحق الإنسان نفسه. البرنامج كشف عبر كاميرات سرية اعتداءات قاسية على الأبقار داخل إحدى مزارع “أرلا”، كبرى شركات الألبان في السويد، حيث ظهر عمال يقفزون فوق بقرة مريضة ويضربونها بقسوة حتى تنكسر أدواتهم. خلال ساعات فقط، تحولت هذه المشاهد إلى قضية رأي عام، فتدخلت الشرطة والجهات الرقابية، وأوقفت الشركة التعامل مع المزرعة فورًا. هذا هو الوزن الحقيقي للحياة في دولة تعتبر الألم — أي ألم — جريمة لا تمر من دون حساب.
لكن حين ننقل النظر إلى العراق، تصبح المقارنة مؤلمة حدّ الفضيحة. في بلد تُسحق فيه كرامة الإنسان يوميًا أمام الكاميرات، ويُهان ويُعذّب ويُقتل دون أن تتحرك مؤسسات الدولة خطوة واحدة، ندرك أن المشكلة ليست في الرفاهية ولا في القدرات، بل في قيمة الإنسان نفسها. لو كانت جريمة تعذيب بقرة قادرة على هزّ دولة، فكيف لا تهتز الدول أمام قتل أبنائها؟ هنا يكمن جوهر الفارق بين دولة تحترم الحياة، ودولة اعتادت الموت حتى صار عادياً، مكرراً، بلا صدى.
خذوا قضية الدكتورة بان مثالاً: طبيبة تُقتل داخل بيتها، وتغيب الحقيقة، وتتضارب الروايات، ويُمنع الناس من السؤال، وكأن الجريمة ليست جريمة بل “ملف حساس”. هذه القضية وحدها كافية لهزّ أي دولة تحترم نفسها… لكنها في العراق مرت كما مرت قضايا كثيرة قبلها: غضب سريع، لجنة تحقيق، ثم صمت مطبق. مؤسسات يُفترض أنها حامية للعدالة تحولت إلى أدوات لطمسها، حتى صار البحث عن الحقيقة جريمة، والمطالبة بها “تحريضًا”.
وما يجري اليوم في الموصل شاهد آخر على انهيار الدولة أمام آلة القمع. اعتقالات جماعية لشباب بتهمة “التحريض على إسقاط النظام” تحت مظلة المادة 4 إرهاب، وكأن هذه المادة خُلقت لإسكات المدن لا لحماية الوطن. يُسحب شاب لأنه نشر رأيًا، ويُعتقل آخر لأنه انتقد فسادًا، ويفتخر المسؤولون بأن “القانون يأخذ مجراه” بينما الحقيقة أن القضاء نفسه صار مسارًا للترهيب، لا للعدالة. ليس سرًّا أن القضاء العراقي، بحسب تصريح النائب الأمريكي جو ويلسون، خاضع لنفوذ إيراني عبر شخصيات على رأسها فائق زيدان، الذي تحول إلى رمز لقمع الأصوات وملاحقة كل من يجرؤ على كشف الفساد.
العراق اليوم يعيش في دائرة مأساوية: جريمة تُرتكب، مقطع يُنشر، لجنة تُشكَّل، صمتٌ يعمّ، ثم تُدفن القضية بظهور كارثة جديدة. لم يعد الإنسان في العراق ضحية الجريمة فقط، بل ضحية النسيان المتعمد، وضحية مؤسسة تتعامل مع الحقيقة كتهديد أكبر من الجريمة نفسها. كل شيء يوثّق بالصوت والصورة، لكن لا شيء يتحرك. كأن الدولة تعلن أن حياة المواطن أقل قيمة من صمت المسؤول.
في السويد، اعتداء على بقرة يضع مؤسسات البلد كلها في حالة استنفار، وفي العراق اعتداء على إنسان يختفي في ثقب أسود اسمه “الإجراءات القانونية”. الفرق ليس أخلاقيًا فقط، بل وجوديًا: دولة تخاف على قيمها، وأخرى تخاف من مواطنيها. دولة تُحاسِب الجاني فورًا، وأخرى تُحاسِب من يطالب بالمحاسبة. دولة تهتز لآلام الحيوان، وأخرى لا تهتز لدماء الإنسان.
الحضارة ليست ثراءً ولا مباني شاهقة ولا شعارات وطنية براقة. الحضارة أن يعرف المواطن أن حياته مقدسة، وأن كرامته خط أحمر، وأن موته ليس مجرد خبر يُنسى. وفي اليوم الذي يصبح فيه الإنسان في العراق أغلى من خوف القاضي، وأعلى من نفوذ السياسي، وأقوى من سطوة الخارج… عندها فقط يمكن لهذا البلد أن يشبه دولة، لا ساحة صراع تتحرك فيها الجثث أكثر مما تتحرك العدالة.
فاروق الدباغ















































