الوحي القولي والقرآن الكتابي

5 ديسمبر 2025
 الوحي القولي والقرآن الكتابي

حميد المصباحي

القول الشفاهي يولد الخطابية لأنه شرط لها، ولأنه حيوي في دلالاته، فتأثيره حاسم ويدوم تأثيره إن حفظ، إن له ساحرية السحر ببلاغته التي تمتزج بالصوت محدثة فعلا لا حدود له، فما أن يتكرر حتى يتم استحضار المعجز فيه بصور تجعلها بلاغتها معجزة لكل قول غيرها،فهي لا تتماهى مع غيرها، بل تزيحه بالنسيان لتحل مكانه بإحائيات مصورة لفعل الحق الذي لا يصير فعلا إلا بها،فاللغة بشفاهيتها ليست مجرد ترميم لوجود انهار، بل هي بناء لآخر مناقض في رهانه على خلق عالم آخر، يبدو كأنه لم يكن من قبل، مع أنه ليس إلا تشبيها للحظة وجود آخر، ترك آثارا تدل عليه بصيغ رسومات أو أساطير، اتخذها السحرة مفاتيح سرية لعالم لا يلجه إلا حفاظها، بل بما حملت بدت حقائق بكل غراباتها عاشها البشر زمنا فانقضت ولم تترك شهودا على وجودها وإن كتبت، فصدقها المؤمن ملحا على حقيقتها مهتديا بها للخلود المأمول، وساءلها الفيلسوف ليعرف بها حدود المتخيل في ذهنيات الناس،

باختصار، الوحي كانت له فاعلية الشفاهي وإعجازيته بعدم القدرة على تكراره، فهو ينزاح مع الزمن ولا يتكرر حتى إن أعيد نطق عباراته وجمله، فهي وليدة التأسيس للقول الرباني الذي كان لها حاملا لينطقها البشر، فتصير صوتا لهم وصورا آمرة ملغزة لجوانب في الوجود اعتقد الناس أنهم فهموها أو تعرفوا عليها بموروث السابقين، لكنها لم تكن كذلك، فقد قيل عنها أنها أساطير الأولين، وهنا اشتدت المناكفة،إذ الوحي حول المتخيل أسطوريا إلى أوهام ليشيد متخيلا آخر بأسماء أخرى، فيها الأنبياء والجبابرة والشياطين وغيبت منها آلهة أخرى منافسة، بل امتدت حقائق الوحي إلى خصوم وأعداء للإنسان خاصموه منذ أن بدأ الله الخلق،فورطوه بالعصيان وهو الوحيد الذي غفر له ليستعيد حقيقته التي رفضها ويقبل بحرية جعلت منه سيدا على كل الكائنات الأخرى، وبذلك انتزع حقيقته كإنسان مختلف عن الملائكة والشياطين، فوضع حدا بينه وبين ما يغايره وجودا ولغة ومصيرا.

فكيف لا يحدث الانبهار بالوحي وهو يعيد رسم المصير البشري، ويحرره إذ يلزمه بطاعة يختارها هو ولا تفرض عليه إلا إن أبى أو جاهر برفضه، فاندفع بقوة الكائن الذي تمثل غايات كان مفتقدا إليها، فصار يرددها بوضوحها وحتى بغموضها، لكن الوحي بمجرد ما انتقل من منطق الشفاهي إلى الكتابي، حتى نشطت آليات الفهم وفق منطق الغلبة بالعلم أو العشيرة أو حتى السلطة، فغدا الكتاب موضوع تأويل، تبيح به السلطة عنفها، ويدعو به العلم إلى مواجهتها وتشحذ به العشيرة قبليتها وحقها في تملك السلطة أو تقاسمها مع الحاكمين، هنا وقع الانتقال من البعد الإيماني إلى الصراعي، الإيديولوجي المخفي للمصلحة بالغيرة العقدية، هنا صار الوحي كتابا ومصحفا بعد أن كان قرآنا، يقرأ فيوحد ويلهم القدرة على القبول بالممكن اكتفاء بما وهب رزقا أو عطاء،فصار حجة للبعض على البعض في الرفض أو القبول، وانمحت به أواصر الإيمان أو أخفيت لصالح المصالح العشائرية والقبلية وتفجرت في شكل انتقامات غيبت العدالة حتى في حدودها الدنيا، فنبشت قبور الموتى وعلقت الرؤوس والأجساد إمعانا في التخويف والعدوان، فعادت الشعوب لتاريخها تعصبا واحتماء بتراثها الذي احتفظت به دفاعا عن وجودها وأهليتها للحكم باسم الإسلام نفسه،

مادامت العروبة بعنفها ضد بعضها ولدت جراحا من الصعب نسيانها والتغلب على ميولات الانتقام فيها، أو على الأقل الحد منها،وهنا لا بد من الإشارة إلى التحولات التي تعرفها الحضارات عندما تنتقل من الشفاهية كتقليد إلى الكتابة، ومن الخطابة والشعر إلى البناء التأملي للفكر، فيتولد لديها رهان النقد للبناء والمساءلة، لكن هذه اللحظة في العالم العربي الإسلامي حدثت بوجود النص المقدس وليس قبله أو بعده، فتداخلت رهانات الدين مع السياسة، عازلة إمكانية امتدادها إلى ما هو ثقافي، بحكم غيابه واقتصاره على القول الشعري الذي همش ولم يسمح للنثر بأن يؤسس لذاته وجودا خاصا به ومستقلا عما هو ديني، بل بقي تابعا للنص المقدس، توضيحا وتحريضا وتفسيرا، ولم يبدأ البناء الثقافي إلا في القرن السابع الميلادي مع الدولة العباسية والأنشطة التي اهتمت بترجمة الفلسفة اليونانية والعودة للثقافات السابقة عليها في العراق وسوريا، ولا يمكن التكهن بإمكانيات أخرى لو تأجلت عملية كتابة القرآن كوحي إلى ما بعد استقرار الدول الدينية، فسبب دينيتها لم يكن بالإمكان سن قوانين أخرى إلا ما أمرت به الشريعة ومجتهدوها من الفرق المتصارعة …..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com