د. خالد زغريت
كاتب من سوريا
أقصصت رؤياك يا صاحبي، أم لم تقصصها، لا تأمن أن يطرح الثوّار أحياناً أو كثيراً إخوتهم في غيابة الجبّ. فلاتكن على يقين بأن سيارة التاريخ ستشتريك بثمن بخس. ولا تظن أنّ كلّ ثائر سيصبح عزيزاً، و له زليخة تقول:”هيت لك” فلا تقطّع يديك بسكاكين الندم. تلك هي الثورات تعصر خمر روحك ليشربها أخيراً الملك. وأنت تأكل الطير من رأسك كلّ أحلامك الثورية العجاف.
ويسألونك يا صاحبي إن كانت مقولة ” جورج دانتون” : ” الثَّورة تأكل رجالها” غزوة غربية أخلاقية لتاريخ العرب الثوري، أم هي بضاعتنا ردّت إلينا. ألم يكن يا تُرى تاريخ أغلب ثورات الغرب غير صديقة لأي وازع ديني. أما كان أكثرها عدوة السلطات الدينية الكنسية. والتاريخ يشهد أن الثورة الفرنسية ثارت على الدين، وكرسي الإمبراطورية الرومانية المقدسة. والثورة البلشفية قامت على الكنيسة الأرثوذكسية، وممثليها في حكومة الدوما، وربيبتها القيصرية.
أما العرب فما غاب عن تاريخ ثوراتهم الوازع الديني. تلك هي كانت مبادئ ثوراتهم كافة دعوة لحقّ ديني مسلوب.
ويسألونك كثيراً عن حقيقة نشأة ثقافة أكْل الثوّار لحمَ رفاقهم بعد أن يغسلوهم بدموعهم، إن كانت عربية أم غربية.
ولم يسألوا التاريخ كم كانت تلك الثورات تملأ عيونها بالدموع المخادعة بعد أن تستوي على عرش الحكم . وعلى رأي المثل البوسني ” عيون المخادع مملوءة بالدموع”. وحفاظاً على هيبة تاريخ الأمّة لا يسألون عن تاريخ آكلة لحوم الثوار لبعضهم في التاريخ العربي.
ولا يسألون كم كانت الثورات تهيج حماسةً لنفض جناح الأمم عن خزي سلاطينها. لكن يسألونك عن القصص المخزية في تاريخ الإنسانية، وينكرون أنّ في دم الثوّار العرب جينات تأكل ذاتها، وكثيرٌ من الثوّار كانوا ضحايا سلالة خزيها.
يسألونك يا صاحبي هل هرب الموج زرقته كي ننسى لون الحبر، أم هل جاءك العاصي من أقصى موجه يسعى لمقاعد زرقته فأفشيت السر، وأنت تناجي ظلال أهليك حين حملوا مقاعد غيابهم، ومشوا ويسألونك عن أحاديث الأخلاق في شتات المنافي هرباً من أن تأكل مَن تصيدهم مخالبهم.
وينسون أن ذواتهم ضرورات تبيح المحظورات. ويسألونك، وينسون أنهم من نسب المرأة المصرية التي رأت “سليمان الحلبي يفرّ ” بعد أن قتل “كليبر”، ويختبىء خلف جدار. فرأته من شرفتها. فوشت به.
ويسألونك عن الإيثار، وينسون أن الفقر ثورة، وضدّ الثورة، ولنا أسوة في تبربر الخيانة. أما وشى بـ”تشي جيفارا “في مخبئه. ولما سأل أحدهم الراعي الفقير : لماذا وشيت برجل قضى حياته في الدفاع عنكم، و عن حقوقكم ؟ أجاب الراعي : كانت حروبه مع الجنود تزعج أغنام.
ويحدثونك عن مكارم الأخلاق الثورية ، وخلف أكمة بعضهم صورة طبق النذالة عن الذين باعوا شرف الطريق. و لم يسألوك ” عن محمد كريم” الذي حُكم عليه بالإعدام بعد مقاومته الباسلة للحملة الفرنسية بقيادة “نابليون”. وحين أمسك به نابليون ، وقال له: يعزّ عليّ أن أعدم رجلاً دافع عن بلاده ببسالتك. ولا أريد أن يذكرني التاريخ بأنني كنت أعدم أبطالاً يدافعون عن أوطانهم. ولذلك عفوت عنك مقابل عشرة آلاف قطعة ذهب تعويضاً عن الذين قتلتهم من جنودي. فقال له محمد كريم: ليس معي ما يكفي من الذهب، لكنْ لي ديون على التجّار تفوق مئة ألف قطعة ذهب. فقال له نابليون: سأسمح لك بمهلة لتحصيل أموالك. فما كان من محمد كريم إلا أن ذهب إلى السوق، ويداه مغلولتان و جنود المحتل الفرنسي يحيطون به، و كان مفعماً أملاً بوفاء من ضحى لأجلهم ….لكن خذله الجميع، ولم يكتفوا بالنكران والخذلان، بل اتهموه بأنه كان سبباً في دمار الإسكندرية. وسبباً في تدهور الأحوال الاقتصادية. فعاد إلى نابليون خالي الوفاض. فقال له نابليون: ليس أمامي إلا أن أعدمك، ليس لأنك قاومتنا، وقتلت جنودنا، ولكن لأنك دفعت بحياتك مقابل أناس جبناء تشغلهم تجارتهم، ولا معنى لديهم عن حرية الأوطان.
حدثوك عن أكاليل الغار التي تزين توابيت الشهداء. ولم يحدثوك عن أبناء الشهداء الذين يرتجفون من البر و ودوا لو تدفئوا على نيران أكاليل الغار.
ولم يحدثوك أن “الثائر من أجل مجتمع جاهل مثل مَن أضرم النار في جسده لينير الطريق لعميان” و لم يسألوا أنفسهم أنهم ورثة جينات النذالة و الجبن و قدسية المصالح الشخصية التي يؤلهونها، و يحدثونك. و لا يسألونك لأنهم…. ….. ل
أأقول لك يا صاحبي :لِمَ ضاق الناس بالشرفاء فرجموهم؟؟ لأنه حيث يكون الفساد يكون الصدر لسادته، وعبيده ومأجوريه.. وليس هناك من قدوة أجلّ من آل لوط الذين أُخرجوا من ديارهم لأنهم، لمْ يسايروا الفساد ولم يوافقوا موجة فحش.. ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ). للحقيقة وجه آخر يا صاحبي ما ساد ظلم إلا بين منافقين، و ما خذل حق إلا بكثرة الشياطين الخرس ،وليس التعامي عن الحق إلا ضلالاً في بحر الظلمات، وسخط الكريم حق مكتوف الأيدي و معمى العيون .
ويسألونك الثورة حقٌ أم الحق ثورة في زمان الأمم المغلولة إلى سلاطين حق الكرسي. كلاهما يا صاحبي بلا قوة عبودية.

















































