التونسية أسماء عبد اللاوي في معرضها ” أركيولوجيا الذاكرة “

25 ديسمبر 2025
التونسية أسماء عبد اللاوي في معرضها ” أركيولوجيا الذاكرة “

الفنانة الدكتورة أسماء عبد اللاوي في معرضها الشخصي ” أركيولوجيا الذاكرة “ بسيدي بوزيد :

منجزات جمالية بين تنصيبات خزفيّة ومنحوتات بتقنيات متعدّدة من بينها تقنية الرّاكو 

مشروع فني باستراتيجيات تشكيليّة قوامها التكرار والتضخيم والتحوير

شمس الدين العوني- تونس

الفن هذا الدرب القائل بالمغامرة والبحث و الابتكار تقصدا لما به الذات تمضي في سؤالها العميق المحفوف بالهواجس و الأحلام و القلق ..ثمة نهر من الحنين و الرغبات حيث العبارة الفنية و الجمالية تنهض على ترجمانها و توقها للقول البليغ تجاه العناصر و التفاصيل و الأشياء و كل ما به تسعد هذه الذات الفنانة و هي تحاور المادة و تحاولها نحتا للقيمة و تأصيلا للجمال..و السؤال ..و الحلم..

في هذه السياقات و ضمن اللعب الجمالي بمادة الطين الأصل و الحامل و الموضوع و بممكنات الخزف المشكل لهيئات مقيمة في ابداعية و حلم الفنان و أي فنان يروم التوغل في كينونته لأجل الادراك الابداعي الجمالي في حيز من طفولة العلاقة و التعاطي حيث الفنان ذلك الطفل الفاعل اللاعب الحالم و حاضن لبراءة الأشياء يرى منها و بها و خلالها جمالا و متعة و سعادة ..تبدو اللعبة البديعة..انها لعبة الفن الجميلة تجترح منطلقاتها و مراميها و مساراتها ..

و هكذا هو الشأن مع الفنانة الدكتورة أسماء عبد اللاوي التي تعيش تجربتها الجمالية الجديدة المتجددة ضمن معرض ممتاز في فكرته و شكله و تجليات عناصره و نعني المعرض الشخصي الممهور ب ” أركيولوجيا الذاكرة ” المدعوم من صندوق التشجيع على الإبداع الفني والأدبي بوزارة الشؤون الثقافية  و المنتظم كمشروع تشكيلي متراكم  بفضاءات العرض بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد ..

حضور كبير بين طلبة الفنون الجميلة و الأساتذة و النقاد و أحباء الفنون و رواد المعارض للاطلاع بين النظر و التقبل و التأويل بشأن أعمال فنية مختلفة التلوينات و الأساليب وفق مشروع أسماء عبد اللاوي الذي هو ثمار تجربة بمساراتها في البحث و المكابدة الجمالية المتشكلة منذ الانطلاقات الابداعية و الفنية و الأكاديميّة الأولى وفق علاقة واعية ومتواصلة مع الطين و ما أدراك ما الطين مادة و أصلا و مرجعية باعتبارها مادّة لا تُستثمر هنا كوسيط  تشكيليًّ فحسب بل تُستعاد بوصفها الأصل الأنطولوجي و ما تمثله كذاكرة مادّيّة حاملة للأثر والزمن.. جسدًا أولا و سطح كتابة  ومجالًا حيويًّا تتقاطع فيه التجربة الإنسانيّة مع مسارات متعددة مختلفة متتالية التحوّل والتشكّل…

هذا المعرض بعنوانه الدال و اللافت يمضي مفاهيميا في الحفر الأركيولوجي في الذاكرة لا باعتباره بحثًا في الماضي بوصفه معطًى مكتملًا، بل كآليّة تفكيك وتأويل وإعادة تركيب للطبقات الدلاليّة التي راكمها الزمن داخل الوعي الفرديّ والجماعيّ. إنّه حفر في المسافة الهشّة بين الأثر والنسيان، وسعيٌ إلى مساءلة ما يُنتجه الحاضر من صيغ ذاكرة جديدة، حيث تتشابك التجربة الحياتيّة بالسؤال الجماليّ، ويتحوّل العمل الفنّي إلى مجال لاختبار العلاقة بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يؤسّس للمستقبل.

معرض ضمن سردية جمالية تتعدد تشكلاتها و زوايا تقبلها لدى الناظر بوعي تجاهها حيث يغدو اليومي مادّة اشتغال مفهوميّ وتشكيليّ، لا بوصفه تفصيلًا عابرًا بل باعتباره حقلًا دلاليًّا كثيفًا تختزن فيه الذاكرة أشكال حضورها الصامتة لتبرز مدينتا سيدي بوزيد وسليانة جغرافيتين مرجعيتين داخل المشروع لا من منظور تمثيليّ أو توثيقيّ مباشر بل بوصفهما فضاءين مشحونين بالتجربة والرمز حيث تمثّل سليانة، على وجه الخصوص لحظة تأسيسيّة في المسار الأكاديمي لاسماء عبد اللاوي التي تتوزع بين ممارسة التدريس مع تعميق الوعي بالمكان باعتباره بنية حاضنة للمعرفة والتكوين، ومجالًا لتشكّل العلاقة بين الذات والفضاء.

المعرض يحفل بمكونات فنية هي منجزات جمالية لأسماء حيث الفضاء الحاضن لتنصيبات خزفيّة ومنحوتات تعتمد تقنيات متعدّدة من بينها تقنية الرّاكو وتقوم على استراتيجيات تشكيليّة قوامها التكرار والتضخيم والتحوير التركيب و المزاوجة…ما يسمح بتحرير الشكل من مقياسه الطبيعيّ ودفعه إلى احتلال الفضاء بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى. و الخزف في هذا المعرض الحدث لا يُطرح كموضوع مغلق أو كقطعة مستقلّة بل كممارسة مفتوحة تتجاوز منطق المفرد نحو بناء علاقات بصريّة وإنشائيّة تُشرك المتلقّي في تجربة العبور داخل العمل…هذا فضلا الى كون تجربة هذا المعرض تطرح مقاربة نقديّة تستعيد العلاقة بين الفنّ والبيئة، وتُعيد مساءلة موقع الإنسان داخل منظومات الاستغلال والتسخير. إنّه اقتراح جماليّ ذو بُعد إيكولوجيّ، يُعيد الاعتبار للأرض بوصفها أصلًا وذاكرة مشتركة لا مادّة خامًا فحسب، ويدعو إلى بناء علاقة أخلاقيّة وجماليّة جديدة معها، قوامها الإنصات، والحماية، وإعادة التفكير في معنى الانتماء.و من هنا يفتح معرض عبد اللاوي أفقًا تأويليًّا تُستعاد فيه المادّة كأثر حيّ وتُعاد فيه صياغة الذاكرة بوصفها عمليّة دينامكيّة، مفتوحة على التحوّل وعلى إمكانات المعنى المتجدّد.

معرض بخلفية جمالية حضارية تطرح أسئلة و قضايا في جوهر المطروح الآن و هنا حيث الاطار الجمالي مجال تأمل بوعي فني حارق و لأجل ارساء مقابلات وعلاقات بصريّة وإنشائيّة تُشرك المتلقّي في تجربة العبور داخل العمل..الأعمال آسرة بفكرتها و منطلقاتها و ابداعية التعاطي معها و كذلك العناوين الدالة و التي تعكس رؤية متكاملة ضمن المنجز الفني لعبد اللاوي و من عناوين المعروضات و التنصيبات الفنية نذكر “أحلام و أطياف ” و هي تنصيبة بتقنيات الرسم بالطلاءات المعدنية على الخزف و ” رحى الزمن ” و هي تنصيبة خزفية بتقنية الراكو و ” مرج القمح ” تنصيبة خزفية بتقنية الطلاء بحك الأكاسيد بدرجة حرارة بين 1050/980 …و ” اغتراب و تغريب ” تنصيبة خزفية بتقنية مزدوجة …و ” بذور الأرض ” تنصيبة خزفية بست قطع خزفية …و ” ذاكرة ميكانيكية ” …و غيرها من أعمال أبانت فيها الفنانة أسماء عبد اللاوي عن سعة خيالها الابداعي و بحثها الجمالي في مقاربات فنية تتقاطع فيها و تلتقي الأبعاد الفنية الوجدانية الانسانية المتصلة بالذاكرة الحية القريبة البعيدة في استدعاء بليغ لخبرات الذات …هذه الذات القائلة بالجمال و الابداع.هذا المعرض الشخصي الجديد الممهور ب ” أركيولوجيا الذاكرة ” للفنانة أسماء عبد اللاوي مجال جمالي ابتكاري ضمن تمشيها الفني الأكاديمي و لسنوات حيث الفن عناوين و تلوينات شتى تذهب بالمهج تقول ببلاغة الأشياء..نعم العناصر تشكل هيئاتها على ايقاع الرغبات.. رغبات شتى منها رغبات الفنان و هو يدعك طين شؤونه و شجونه نحتا للممكن و للقيمة و لما به تستقيم الكائنات منشدة حلمها الموعود في فخار هائل.انها لعبة التشكيل تبتكر تواصلها و ايقاعها و خطابها و تشير الى الآفاق تعلي من شأن الكائن و هو يعدد رؤاه و هنا نعني هذا الدأب في كون الفن الشفاف الذي يمضي اليه الفنان و في قلبه شيء من خزف الحال..نعم الخزف يقول ايقاعه هنا و هو ايقاع الفنانة أسماء عبد اللاوي الفنانة التشكيلية و الدكتورة في مجالها العلمي و البحثي الذي انتهى بها الى كون مفتوح من البحث و الدأب..الفن دأب و طريق غير آمنة اذا تخير الفنان المغامرة و الذهاب خارج المألوف و المعهود..أسماء عبد اللاوي تخيرت تقديم حيز من أعمالها و منجزها الفني وفق عنوان مهم هو ” أركيولوجيا الذاكرة “…

معرض و تجربة و استعادة شؤون و شجون اللاعب بالطين و نعني الخزاف..و هنا نحن تجاه فنانة خزافة استلهمت مما مضى و الراهن كل ما هو فني و جمالي و انساني وجداني في علاقة الانسان بالخزفيات و اقتراحاتها المبتكرة و المحيلة الى الدهشة..معرض و أعمال فنية تضعنا بها أسماء عبد اللاوي في حقول من الدهشة و …النشيد..نشيد الطين القديم الملون بالآني المحفوف بالسؤال..الفن في جوهره سؤال ..بل أسئلة مفتوحة تحيل الكلام هنا الى طين الحال و الجسد و الشؤون و الشجون في سردية جمالية معمارها الذات الفنانة المبدعة و الذاكرة و رهانات الحاضر و ممكناته التقنية و البيئية….و الابداعية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com