نجلاء مرون
باحثة في القانون العام -المغرب
منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة غيرت جذريا طريقة تدبيرها على المستويين الداخلي والدولي، لم تعد الصحراء مجرد نزاع ترابي بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، بل أصبحت محورا لاستراتيجية وطنية تهدف إلى تحويل الأزمة إلى فرصة، والنزاع إلى رافعة لترسيخ السيادة وتخليق دينامية تنموية في الأقاليم الجنوبية.
في سنة 2007، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي الموسع كحل نهائي للنزاع، يمنح سكان الصحراء صلاحيات واسعة في إطار السيادة المغربية، ومع مرور الوقت، وبفضل سياسة واقعية قادها الملك محمد السادس، انتقلت المبادرة من مجرد رؤية وطنية إلى مرجعية دولية، توجت بصدور القرار الأممي 2797 الذي اعتبر الحكم الذاتي “الحل الأكثر واقعية وديمومة”، هذا التحول الدبلوماسي عكس تغيرا نوعيا في لغة الأمم المتحدة، حيث تراجع خيار الاستفتاء لصالح حل توافقي يستند إلى الحكم الذاتي والتنمية المشتركة.
ميدانيا، ترجم المغرب رؤيته عبر مشاريع تنموية كبرى في الصحراء، من خلال بنية تحتية حديثة شملت الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والمؤسسات الجامعية، مما جعل من الداخلة والعيون أقطابا اقتصادية تربط المغرب بعمقه الإفريقي وتمكنه من الانفتاح على الأطلسي وأوروبا والأمريكيتين، وهكذا تحولت التنمية إلى أداة سياسية لترسيخ السيادة وتعزيز المشاركة المحلية في صياغة المستقبل.
دبلوماسيا، اعتمد الملك محمد السادس نهجا يقوم على بناء تحالفات استراتيجية لحل النزاع بالوسائل السلمية، بعيدا عن منطق التوتر والصدام، تجلى ذلك في تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة، التي اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، وفي توطيد العلاقات مع الصين وروسيا، اللتين أكدتا في أكثر من مناسبة دعمهما للمسار الأممي واحترام سيادة المغرب
على مستوى أوروبا، تعاملت فرنسا مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها “أساسا جديا وواقعيا”، في حين شكلت إسبانيا منعطفا دبلوماسيا هاما حينما أعلنت في مارس 2022، دعمها الصريح للمقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره “الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لإنهاء النزاع.
على الضفة الأخرى، تكبدت الجزائر خسائر مادية ومعنوية كبيرة نتيجة انخراطها المستمر في دعم جبهة البوليساريو، ففي ظل التقارير الدولية التي تشير إلى إنفاق مليار دولار سنويا على تمويل الجبهة وتأمين المخيمات، فضلا عن تجميد التعاون الإقليمي وإغلاق الحدود مع المغرب، تفاقمت خسائر الجزائر لتشمل أيضا تراجعا في التأثير الدولي وعزلة متزايدة على مستوى الإقليم.
أفريقيا، أعاد المغرب تفعيل حضوره القاري بعودة قوية إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وافتتح أكثر من 25 قنصلية عامة في العيون والداخلة، تعبيرا عن دعم دولي متنام لسيادته على الأقاليم الجنوبية.
هذه الدبلوماسية المتوازنة، التي جمعت بين الحزم والمرونة، سمحت للمغرب بحسم النزاع إقليميا دون اللجوء إلى القوة، مع الحفاظ على استقرار المنطقة، وقد أظهر الملك محمد السادس قدرة استثنائية على إدارة معادلات القوة، من خلال مزيج من المبادرات السياسية والتنموية، جعلت المغرب يكسب ثقة شركائه، ويحبط محاولات حصاره أو عزله.
وفي سياق القرار الأممي الصادر في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، الذي منح دفعة قوية للمقترح المغربي، يتجه المغرب نحو مرحلة جديدة من البناء والتكامل الوطني، وهو ما عبّر عنه الملك محمد السادس بقوله: “إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما في تاريخ المغرب الحديث، فهناك ما قبل 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 وهناك ما بعده… لقد حان وقت المغرب الموحد، من طنجة إلى الكويرة.”
هذا التحول ليس مجرد إنجاز دبلوماسي، بل يرتقب أن تكون له انعكاسات ملموسة على المواطن المغربي، عبر فتح آفاق أوسع للاستثمار وجلب رؤوس الأموال الأجنبية، وتطوير البنية التحتية والخدمات العمومية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والنقل، كما يتيح دمج الأقاليم الجنوبية في دينامية وطنية وإفريقية متكاملة مزيدا من العدالة الجهوية، ويقلص الفوارق المجالية عبر تمكين المواطن الصحراوي من المشاركة الفعلية في التنمية.
إن المغرب في مرحلة ما بعد 31 تشرين الأول/ أكتوبر لا يمثل فقط نجاحا في تدبير ملف الصحراء، بل يشكل منطلقا نحو مغرب أكثر إشراقا يرتكز على السيادة والتنمية، ويعيد تعريف المواطنة كشراكة في صناعة المستقبل داخل دولة تزاوج بين إرث التاريخ وطموح التحديث.
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن
















































