بقلم د.محمد كرواوي*

لم يكن امتناع روسيا والصين عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار الأخير لمجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل هو تحول نوعي في ميزان المواقف الدولية يؤكد أن المبادرة المغربية باتت تحظى بإجماع صامت، تتردد بعض الدول في الإفصاح عنه علنا لكنها تدعمه فعليا في أروقة الأمم المتحدة. فالقرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 لم يمر إلا لأن القوى الكبرى، بما فيها موسكو وبكين، أدركت أن مشروع الحكم الذاتي المغربي هو الحل الواقعي الوحيد لإنهاء هذا النزاع المفتعل.
إن امتناع روسيا والصين لم يكن حيادا بل تأييدا ضمنيا للمغرب، فكلتاهما اختارتا عدم تعطيل القرار الذي يكرس المرجعية المغربية، في وقت كان بإمكانهما إسقاطه بسهولة لو أرادتا ذلك. والواقع أن هذا الموقف لم يولد صدفة، بل جاء نتيجة لاعتبارات استراتيجية واقتصادية عميقة جعلت من المغرب شريكا موثوقا ومركز توازن إقليمي يصعب تجاوزه.
أول هذه الاعتبارات هو البعد الاقتصادي. فالصين، التي تضع المغرب ضمن محاور مبادرة الحزام والطريق، ترى فيه منصة صناعية ولوجستية آمنة على مشارف الأطلسي والمتوسط. مشاريع السيارات الكهربائية، وصناعة البطاريات، والطاقة المتجددة في طنجة والقنيطرة، كلها جعلت من المغرب قاعدة جديدة لسلاسل الإنتاج العالمية، ومعبرا أساسيا للتجارة الإفريقية الآسيوية. وروسيا، التي تبحث عن منافذ جديدة لتصدير النفط والحبوب والأسمدة بعد العقوبات الأوروبية، وجدت في السوق المغربية بديلا موثوقا ومستقرا. ومن ثم فإن أي تصويت ضد الرباط كان سيضر مباشرة بهذه المصالح، وهو ما يفسر أن الامتناع جاء حفاظا على العلاقات التجارية والاقتصادية المزدهرة مع المملكة.
أما الاعتبار الثاني فهو الجيوستراتيجي. فالمغرب اليوم ليس مجرد دولة إفريقية، بل قوة إقليمية صاعدة تربط بين إفريقيا والأطلسي وأوروبا. من خلال حضوره المتنامي في غرب القارة، ومبادراته في الأمن الغذائي والطاقي، وتحالفاته الأطلسية مع واشنطن ومدريد وباريس، أصبح المغرب رقما صعبا في المعادلة الإفريقية والدولية. روسيا والصين تدركان أن تجاوز هذا المعطى سيكلفهما عزلة استراتيجية في شمال وغرب إفريقيا، حيث يتسع النفوذ المغربي باستمرار عبر الدبلوماسية الاقتصادية والدينية والأمنية. لذلك، اختارتا الامتناع كإقرار واقعي بريادة المغرب الإقليمية، وكاحترام لسيادته ووحدته الترابية.
ثم إن الاعتبار المبدئي لا يقل أهمية عن غيره. فموسكو وبكين ترفضان من حيث المبدأ أي تدخل خارجي يمس سيادة الدول أو يفرض عليها حلولا انفصالية. والقرار 2797 لم يتضمن أي مساس بسيادة المغرب، بل أقر بضرورة التفاوض على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي. لذا، فإن الاعتراض عليه كان سيشكل تناقضا مع عقيدتهما السياسية القائمة على احترام وحدة الدول ورفض الانفصال، وهي العقيدة نفسها التي تدافع عنها الصين في مواجهة نزعات تايوان والتبت، وروسيا في إدارتها لعلاقاتها مع فضائها الأوراسي.
لكن السبب الأكثر حساسية هو البعد السياسي المتعلق بمصدر القرار نفسه. فالقرار صيغ أساسا برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما جعل روسيا والصين تتجنبان التصويت الإيجابي خشية أن يُفهم دعمهما على أنه اصطفاف خلف واشنطن. لذلك جاء الامتناع صيغة متوازنة: قبول بمضمون القرار الذي يخدم المغرب، وتحفظ على الشكل الذي صيغ به. وهكذا، كان الامتناع تأييدا في الجوهر، وتحفظا في المظهر، بما ينسجم مع سياسة موسكو وبكين في الحفاظ على استقلالية قرارهما الدولي من دون الإضرار بعلاقاتهما مع الرباط.
إن هذا الموقف يحمل دلالة عميقة: فلو لم تكن المبادرة المغربية مقنعة ومنسجمة مع قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة، لما ترددت موسكو أو بكين في معارضتها. إن امتناعهما يعني بوضوح أنهما لم تجدا في النص ما يتعارض مع مصالحهما أو مع مبادئهما، بل على العكس، وجدتا فيه صيغة متوازنة تحافظ على استقرار المنطقة وتمنح الأمم المتحدة إطارا واقعيا لحل دائم. فالمغرب لا يطلب سوى حلا سياسيا تفاوضيا يحفظ وحدته الترابية ويحقق التنمية للمنطقة، وهي مقاربة تلقى اليوم اعترافا متزايدا من المجتمع الدولي.
كما أن موقف روسيا والصين جسد فهما دقيقا لحقيقة الصراع في الصحراء المغربية، الذي لم يعد نزاعا جيوسياسيا بقدر ما أصبح رهانا تنمويا. فالمغرب أثبت في السنوات الأخيرة أنه قادر على تحويل مناطقه الجنوبية إلى نموذج استثماري وتنموي متقدم، من خلال المشاريع الكبرى في العيون والداخلة والموانئ الأطلسية الجديدة. كل ذلك جعل الرؤية المغربية للحكم الذاتي تظهر في نظر القوى الكبرى كخيار استقرار وتنمية، لا كمجرد تسوية سياسية.
ولعل أبرز ما يميز هذا التحول أن العالم بات يدرك أن القضية لم تعد نزاعا بين المغرب والبوليساريو، بل اختبارا لقدرة المجتمع الدولي على الانحياز للواقعية بدل الأوهام الإيديولوجية. فبينما ظلت بعض الأطراف الإقليمية تراهن على خطاب متجاوز لمبدأ السيادة، أثبت المغرب، بدبلوماسيته الهادئة ومبادراته المتوازنة، أنه الطرف الوحيد القادر على ضمان الاستقرار والأمن في منطقة الساحل والصحراء. ولذلك، فإن امتناع روسيا والصين عن استخدام الفيتو ليس مجاملة، بل اعتراف موضوعي بمسؤولية المغرب وقدرته على إدارة الحل.
لقد أصبحت الصحراء المغربية اليوم مقياسا جديدا لتوازن القوى في إفريقيا، ومؤشرا على موقع الدول في النظام الدولي المقبل. فالمغرب الذي حوّل التحديات إلى فرص، وانتقل من الدفاع إلى المبادرة، نجح في جعل خصومه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالواقعية السياسية التي يمثلها مشروع الحكم الذاتي، أو البقاء خارج مسار التاريخ.
خلاصة القول إن الموقف الروسي الصيني لم يكن حيادا سلبيا ولا هروبا من الصراع، بل كان دعما فعليا للمغرب في شكل دبلوماسي محسوب، يجمع بين احترام السيادة الوطنية، والحفاظ على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية، والاعتراف بمكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة. إنه موقف يترجم ما أصبح حقيقة ثابتة: أن مشروع الحكم الذاتي المغربي لم يعد اقتراحا تفاوضيا، بل أصبح مرجعية دولية للحل، تحظى اليوم بموافقة ضمنية حتى من القوى التي كانت بالأمس تلوذ بالصمت أو الامتناع.
*كاتب وأكاديمي مغربي














































