بقلم: فاروق الدباغ

السويد
حين يتحوّل الخطأ المطبعي إلى مرآة تعكس الحقيقة، فلا حاجة بعدها إلى محللين سياسيين أو مراكز بحوث.
في البصرة، وُضعت لافتات انتخابية لأحد مرشحي تحالف قوى الدولة الوطنية بقيادة عمار الحكيم، وكان الشعار بسيطًا: “لا تضيّعوها”.
لكن سائق الستوتة، الذي لم يُجِد القراءة، قلب المعنى رأسًا على عقب:
كتبها “لاتضرطوها”.
ضحك الناس، وسخرت مواقع التواصل، لكن الحقيقة أن هذا “الخطأ” لم يكن سهوًا مطبعيًا… بل نبوءة لغوية فاضحة.
منذ 2003 والعراق يعيش في موسم “الضرطات السياسية” المتواصلة.
كل دورة انتخابية تُباع وتُشترى فيها الأصوات، وكل حزب يُقايض الكرامة بالمناصب، وكل رجل دين يبارك من يدفع أكثر.
تحوّلت “الدولة الوطنية” إلى دولة محاصصة، و”التحالفات السياسية” إلى مزادات في سوق النخاسة الحديثة.
لم تضِعها الجماهير… بل ضُيِّعت منها.
ضاعت على أيدي من جعلوا الديمقراطية سلعة تُباع في صالونات الخضراء، وضاع معها معنى الوطن.
أصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وميناءً مفتوحًا للنفوذ الأجنبي، ومختبرًا للولاءات المتبدّلة.

منذ 2003 حتى اليوم، لم تتغير المعادلة:
كل انتخابات تنتهي بتبديل الأقنعة لا الوجوه، وتدوير الفاسدين لا محاسبتهم.
صار “الاستحقاق الانتخابي” واجبًا شكليًا لشرعنة الفساد، لا لتجديد الأمل.
تتبدل الأحزاب، وتبقى ذات الأسماء تتصدر المشهد كالأشباح التي لا تموت.
الطباعة أخطأت، لكن الشعب لم يُخطئ في الفهم.
فعبارة “لاتضرطوها” ليست مجرد سخرية؛ إنها توصيف دقيق لحالة وطنٍ أرهقته الوعود الفارغة، والصفقات الملوثة، والشعارات المنتفخة بالهواء الفاسد.
أيها السادة الساسة، أنتم من حولتم “الديمقراطية” إلى غازات خانقة!
بلسم السلطة صار لعنة، والانتخابات تحوّلت إلى موسم هضمٍ فاسدٍ لضمائر الأمة.
نعم، “لاتضرطوها”… لأن رائحتكم ملأت الفضاء السياسي كله.
آن للعراقيين أن يتنفسوا هواءً نقيًا — بلا أكاذيب، بلا عمائم تبيع الوطن، وبلا أحزاب تُدير البلاد كغرفة مغلقة مليئة بالدخان.













































