قرار مجلس الأمن 2797: لحظة التحول من الصحراء المغربية

5 نوفمبر 2025
قرار مجلس الأمن 2797: لحظة التحول من الصحراء المغربية

بقلم د.محمد كرواوي*

كاتب من المغرب

يشكل القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025 محطة فاصلة في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، إذ يمثل من منظور سياسي وقانوني واستراتيجي تحولا نوعيا في الموقف الدولي تجاه المقترح المغربي للحكم الذاتي، ويؤشر إلى انتقال واضح من منطق إدارة الأزمة إلى منطق التسوية الواقعية التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية. فقد أقر المجلس في هذا القرار بضرورة المضي في عملية سياسية واقعية وبراغماتية قائمة على مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا جادا وذا مصداقية للتفاوض، وجدد ولاية بعثة الأمم المتحدة “مينورسو” لسنة إضافية تنتهي في أكتوبر 2026، مع تكليف الأمين العام بإجراء مراجعة استراتيجية خلال ستة أشهر لتقييم أفق تنفيذ القرار ومتابعة التقدم في المفاوضات.

هذا القرار لم يأت في فراغ سياسي، بل جاء في سياق دولي متغير يعيد رسم خرائط التحالفات الإقليمية وموازين القوة في شمال إفريقيا. فخلال السنوات الأخيرة تمكنت الدبلوماسية المغربية من تحقيق اختراقات معتبرة في مواقف عدد من الدول الكبرى، بدءا من الولايات المتحدة التي اعترفت بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2020، وصولا إلى دول أوروبية مثل إسبانيا وألمانيا وهولندا التي دعمت علنا مبادرة الحكم الذاتي. من هذا المنطلق، بدا أن مجلس الأمن في قراره الجديد يعكس إرادة سياسية جماعية لدى القوى المؤثرة لتثبيت هذا المنحى وإعطائه صبغة قانونية أممية، بما يجعل المقترح المغربي المرجعية الواقعية الوحيدة المعروضة للحل.

قانونيا، يشكل القرار 2797 خطوة في اتجاه إعادة تعريف مفهوم تقرير المصير في إطار القانون الدولي. فبدل أن يفهم هذا المبدأ على أنه مرادف تلقائي للاستقلال أو الانفصال، أصبح يقدم في القرار على أنه يمكن أن يتحقق عبر صيغة حكم ذاتي موسع تحت سيادة الدولة الأم. وهذا التحول في الفهم يعكس تزايد إدراك الأمم المتحدة بأن النزاعات الإقليمية المعقدة لا يمكن تسويتها بالاستفتاءات الجامدة أو المقاربات الثنائية الصفرية، وإنما من خلال حلول توافقية تحافظ على وحدة الدول واستقرارها. في هذا المعنى، لا يعد القرار تخليا عن مبدأ تقرير المصير، بل تأويلا مرنا له ضمن منطق السيادة والوحدة الترابية، وهو ما يمنح المغرب سندا قانونيا قويا لترسيخ موقفه أمام المجتمع الدولي.

أما على الصعيد السياسي، فإن دلالات القرار تتجاوز مجرد دعم شكلي للمغرب لتصل إلى إعادة تموضع فعلي في بنية المواقف داخل مجلس الأمن. فقد صوتت إحدى عشرة دولة لصالح القرار، وامتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، فيما لم تشارك الجزائر بوصفها طرفا معنيا في العملية السياسية. هذا التوزيع يعكس توازنات جديدة في المجلس؛ إذ لم يعد المقترح المغربي موضوع انقسام حاد كما كان في السابق، بل صار يحظى بإجماع نسبي واسع يشمل القوى الغربية الكبرى وأغلب الأعضاء غير الدائمين. ويعني ذلك أن خطاب البوليساريو القائم على مطلب الاستفتاء الكامل بات يفقد زخمه الدولي تدريجيا، وأن الجزائر تجد نفسها أمام عزلة سياسية متزايدة ما لم تعد النظر في استراتيجيتها.

استراتيجيا، يحمل القرار أبعادا عميقة تتعلق بإدارة الموارد والاستقرار الإقليمي. فالتأكيد الأممي على أولوية المقاربة الواقعية يفتح أمام المغرب آفاقا لتعزيز التنمية في أقاليمه الجنوبية، واستقطاب استثمارات دولية في مجالات الطاقة واللوجستيك والتجارة الإفريقية، في ظل وضوح أكبر للبيئة القانونية والسياسية. كما يمنح القرار دفعة جديدة لمشروع المغرب الهادف إلى ربط الصحراء بمحيطها الإفريقي عبر ممرات اقتصادية كبرى، خصوصا بعد تدشين ميناء الداخلة الأطلسي ومشاريع الربط الطاقي نحو إفريقيا جنوب الصحراء. كل ذلك يجعل من المقترح المغربي أكثر من حل سياسي، بل رؤية استراتيجية لتكامل إقليمي واسع.

لكن في المقابل، لا يخلو القرار من تحديات. فهو لا يفرض تسوية نهائية بل يفتح مرحلة تفاوض جديدة تحت إشراف الأمم المتحدة. ما يعني أن الجزائر والبوليساريو لا تزالان مطالبتين بالمشاركة بحسن نية في مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة. فنجاح القرار يتوقف على مدى استعداد الطرفين لتبني منطق الحلول الوسطى بدل الخطابات المتشددة. كما أن مراجعة مهام “مينورسو” خلال الأشهر المقبلة قد تشكل اختبارا لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مراقبة وقف إطلاق النار إلى دعم تنفيذ حل سياسي متكامل.

في السياق ذاته، يؤشر القرار إلى تحول أعمق في مقاربة مجلس الأمن لنزاعات العالم النامي، إذ يسعى إلى ترسيخ مبدأ الواقعية السياسية كإطار لتطبيق القانون الدولي. فقد أدركت الأمم المتحدة أن الجمود في ملف الصحراء لم يعد يخدم السلم والأمن الإقليميين، وأن استمرار الوضع الراهن يهدد بخلق بؤر توتر جديدة في منطقة الساحل. ومن هنا يمكن قراءة القرار كرسالة مزدوجة: من جهة دعم واضح للمغرب، ومن جهة أخرى تحذير ضمني من مغبة تعطيل المسار السياسي.

بذلك يمكن القول إن القرار 2797 يشكل لحظة تحول في إدراك المجتمع الدولي لجوهر النزاع في الصحراء المغربية. فهو يعيد ترتيب المفاهيم بين السيادة وتقرير المصير، ويعطي الأولوية للحلول التوافقية الواقعية على حساب الشعارات الإيديولوجية القديمة. كما أنه يعيد رسم توازنات القوة الإقليمية، فالمغرب خرج من مرحلة الدفاع الدبلوماسي إلى مرحلة المبادرة، بينما وجدت الجزائر نفسها أمام واقع جديد يفرض مراجعة مواقفها. أما على المستوى القانوني، فقد أرست الأمم المتحدة من خلال هذا القرار سابقة مهمة في تفسير قراراتها بما يوازن بين مبادئ القانون الدولي ومقتضيات الاستقرار الإقليمي.

في المحصلة، لا يكتفي القرار 2797 بمنح المغرب اعترافا ضمنيا بشرعية مقترحه، بل يمنحه أيضا فرصة تاريخية لتجسيد مشروع الحكم الذاتي كحل عملي للنزاع، بما يضمن التنمية والاستقرار في أقاليمه الجنوبية، ويكسب المنطقة المغاربية أفقا جديدا للتعاون بدل التنازع. إنها لحظة فاصلة تُلزم كل الأطراف بالانتقال من لغة الشعارات إلى منطق البناء المشترك، في ظل قناعة دولية متنامية بأن الواقعية السياسية أصبحت الطريق الأقصر نحو السلم الدائم في الصحراء المغربية.

*كاتب وأكاديمي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com