في ملكوت خلوته
رمضان زيدان

بينما الملكوت قد تلبّس
حُلةَ الوقار
حُلةً للروعة والسكينة
بجلالها نضح ازدهار
مُبدياً فيما بدا حنينه
متنسّماً طلَّةَ اليوم المطير
مشاهد كونية توالتْ
مالها صنوٌ نظير
رونقها على حدٍ سواء
عندما خيم المساء
فوق اطلالة النافذة
أُسدِلتْ الستارة
فأخمدت جذوة
النظرة النافذة
إلى راحبة الربوع
وسمْته المُطل بالبشارة
كان بالأمس
حينما حلَّ البكور
بوجهه الصبوح
الذي غمر جبينه بالنور
أمسكَ المبدع
بأستار نافذته المُسدلة
لملمها لفّها ببعضها
نحّاها جانباً ..
ليفتح النافذة على مصراعيها
مُقبلاً عليها
ليستنشق النسيم مُرحّبا
بالجو الصحو والضوء
الذي تسلل إلى غرفته
عامداً لوجهته
بينما أفاء حينما تراءى
على طاولته فنجان
قهوة الصباح ذو الوجه البندقي
الذي تتطاير منه الأبخرة
فتنسّم بانشراح
وارتشف رشفة معبّرة
عن حالته المزاجية
عن بداية ليومه مُبشرة
أمسك المبدع بريشته
وهمَّ مبحراً
في ملكوت خلوته
وابتدا يعبّر عن ما استشعره
فوق مُسطّح لوحته
عن فكرةٍ قد ألهمته موحية
عن مباهج روحٍ
عن معاني بالسمو رابية
حتى الأتراح المُضنية
وكل ما يجيش بصدره
وما يجول بفكره
من بدائع كونٍ حوله
من مشاهد لامست
خفقةَ نبضةَ قلبه
حيث لاحت بما حوته الذاكرة
من تفاصيلٍ مبهرة
فالريشة معانيها لديه
ألوانها المبهجة في عينيه
كما لو كانت ألواناً للربيع الماتع
ولمن تشرّب
أنهر الجمال الساطع
فهو رب أفق واسع
وقد بدا هناك عنده
الفرق كل الفرق شاسع
بينه وبين من غاص
في مستنقع المنافع
ومن ظل عن قناعته يدافع
فتلك هي لوحة الحياة
التي عانقتها ريشة الشداة
حينما يخط بها
المبدع منذ مبتداه
وكأنما من صوته الشجي
قد غزلتْ الريشة العصماء
من الرؤى صداه
فهي كما اللفظة الرصينة
من نفحة البياني الحاذق
التي استمد منها تعابيره
فبقيت لديه مضامين مَعينه
ريثما أخرج فحواها
فوق أسفار النبوغ الآسرة
فـ دوّن المفكر وجهاً للحقيقة
بعيداً عن الأوجه المستعارة
ظل يحفر ابداعاته
نقوشاً على وجه الزمن
على طبق خزفي
على حجرٍ صخري
مهمل بالفلاة بلا ثمن
وبقي المُعبّر
بين لوحاته وحيداً
في عوزٍ وعدم
بين أركان داره العتيقة
وشجرة الصفصاف
قائمةٌ عريقة
ضاربةٌ بجذعها
في التربة السمراء
بقوة أصلها
من دلائل بُعدها
وهي المُزدانة بالجدائل
على الأفرع كأنها
خصلات تدلّت
على وجنات
ذات الحُسن البديع
التي عبّدتْ الطريق إليها
إلى محراب شعيرة النُسك
في حضرة ملكوت
جمالها الرفيع
فألهمته بوصلةً لها
من ومضات عينيها
وقد عرف المتيم
للتو من خلالها
مساره نحو دربها
مقابلها على الحائط الآخر
سلمٌ خشبي
من السنديان الأبي
معدٌ للصعود لربوة المعاني
لرحابة هناك ..
فوق هامات الأماني
لتنسم الصباح عند اشراقةٍ تلوح
من وجهها النوراني
قمة العلو من قيمةٍ
أنشدها المبدع
فوق قنن رابيات
تمضي بها خُطاه
نحو وجهات انتصاره
إنه الرصين في بيانه المرئي
أدواته : حالته الشعورية
تفكّره . تدبّره وريشته
التي كانت أبلغ من دلائل العبارة
رحل ولم يخلّد أعماله
إلا العارفون . المريدون
الذين نطقتْ أمامهم
كل لوحةٍ بالحياة
بالروائع التي تراءتْ
من خلالها المشاهد
جمَّ ينابيع المياه
سلاسل الجبال
قامتها الشمّاء
ترفّعتْ على سنامها الجباه
شمس الأصيل
على وجنات الوجود
وبدا على جسر الصعود
المارون إلى أبدية الخلود
بعدما عزفوا لحناً للرثاء والاباء
بينما عزفوا ترفّعاً
عن التردي والنكوص
إلى الوراء
وعليه أُسدلت الستارة
لكل ماثلٍ على نفس الوطاء
مرسّخاً دنيا اعتباره
أترى الفرق كبيراً
بين لوحةٍ مُعبرة
وبين رصانة العبارة
في وضوحها
دون إِلْتِفافٍ أو استدارة
قيمها بها تعتلي
فوق قامات الصدارة
…..
zidaneramadan@gmail.com
















































عذراً التعليقات مغلقة