شجن المكان والكتابة في ديوان
“شذرات متلألئة من بهاء مدينة”
للمغربي محمد
بن يعقوب
د. محمد بن عياد

ناقد من المغرب
مقدمة:
الديوان من القطع المتوسط صدر عن مطبعة الخليج، تطوان،2022، ويضم فضلا عن المقدمة الذاتية ثمانيةً وثلاثين نصا شعريا بين عمودي وحر ونثير، وأغلب نصوصه موثقة بتواريخ كتابتها (إلا ثمانية نصوص) وقد أكد الشاعر أن أغلب النصوص مقتطفة من دواوينه السابقة :
– ” لم ينطفئ الثلج” 2000.
– “قليلا .. ويستيقظ القمر” 2004.
– “ملح في عيون وعيون” 2008.
وعبر احتراس تأليفي برر الشاعر صنيعه الإبداعي في جمع هذه المنتخبات تسهيلا على القارئ الرجوع لهذه النصوص في موضوعها الذي حدد قُطب رحاه في شاعرية المكان “شفشاون” بما انطبع في وجدانه تجاه مرابعها الفيحاء، وبعض أعلامها من مشاعر إنسانية فياضة بمعاني الذكريات، ومناغل الذات اللاهبة عبر أزمنة مختلفة ومتعاقبة (شعرية الولادة/ الطفولة/ الشباب/ عتبة الشيخوخة) ليؤكد أن شفشاون تحضُر في النصوص حضورًا تتقاسمه خمسة مستويات متآلفة ومتداخلة في لحمة نصية واحدة، وهذه المستويات (حسب تصريحه في المقدمة) هي:
1. مركزيا:
2. رمزيا:
3. ذاتا:
4. محيطا:
5. أعلاما:
ومن منطلق مقدمة الشاعر المؤطِّرة للديوان سأعمل على تقديمه في ضوء هذا الميثاق المنهجي، لأقرأ المقدمة في ضوء الديوان، وأقرأ الديوان في ضوء المقدمة، عبر قراءة شاعرية بملامح نقدية لمَّاحةودالة، لأن الشعر أقرب لوجدان الإنسان وروحه ورؤياه الإبداعية،وكل تعسف نقدي يرفع من شأن المصطلح والمنهج على حساب قوة الإبداع لغة وانزياحات، وإيقاعات، وفكرا، هو قتل للفن وتذويب لغاياته الجمالية.
يحدد الشاعر تبريرين في جمع هذه النصوص وإبداع أخرى:
أـ التبرير الشاعري:
حيث إعادة النظر في أثر المدينة في وجدانه صياغة شعرية أشبه بالاعتراف المباشر، لكنه يَرْشَح عبارات شاعرية تتناسل في دلالاتها وصفا واستعارات ورموزا.شفشاون هي “بهيُّ الصفاء وسخيُّ العطاء، وطُهر النقاءماءً وسماءً وهواءً وارتواءً: في نظرتها الناطقة بكمال المطْلَق عرفتُ الله، وفي جمال طبيعتها وملامح مباهجها عرَفتُ الحُب، وفي جلال هيبة محيطها عرفْتُ كيف علَيَّ أن أخطوَ لأكون”.
ب ـ التبرير السيري: وفيه يترجم الشاعر حيواتِ الكتابة عن شفشاون عبر المستويات التي ذكرناها سابقا؛ مركزيا، رمزيا، ذات، محيطا، أعلاما.
وهكذا تتداخل هذه المستويات بين تلابيب النصوص لتصبح هي روح سيرة المكان وتحولاته في الزمن، وأشجان زيارته، والعيش فيه، والتملِّي بجماله، واتخاذه مرتعا للتأمل والتدبر والتذكر، فضلا عن هويته وأشجانه الطفولية، وساكنيه، وذكرياته، وأحداثه، وإحالاته التاريخية والأدبية (رباعيات الخيام – العباس بن الأحنف – ابن الفارض..) وفضاءاته المتعددة، وأنشطته الثقافية، وأعلامه كما انطبعت في وجدانه حقبا تاريخيةً، ومعاني إنسانية، وإشاراتٍ تعبيرية مشرقة، وصورةً كُلية تنتظم المنتخبات اختيارا تأليفيا نادرا في حياتنا الثقافية، حيث حاول الشاعر أن يعطي لبعض نصوصه المنشورة سابقا حياة شعرية جديدة؛ متجددة معانيها في وجدانه؛ كأنه يتبرك بها من جديد وقد استوت في طبعة ورقية أخرى، خاصة ونحن لا نحب أن نستعيد إلا ما يسعدنا من ذكريات الأحداث والنصوص والتعابير.

إن صنيع الشاعر في استعادة المكان روحيا ليس انتقاء عشوائيا وإنما هي حركية نقدية داخلية يعتمل فيها الذوق الشعري والموهبة، ولحظات من الغليان الوجداني، كأن الشاعر يختار من نصوصه ما يوشح هذه القلادة، وحتما انتابه قلق جمالي، وحيرة خاصة لم تخرجه منها إلا اختياره المكان واسطة العقد؛ هو مكان لا تبرح شعريتُه روحَه المبدعة، لتصبح شفشاون البهية هي المفتقة لكتابة المقدمةِ، والحاسمة في اختياره لبعض المنتخبات.
المتأمل لنصوص الديوان سيُلفي أن الشاعر قد صهر حضور شفشاون مركزيا ورمزيا وذاتا ومحيطا وأعلاما في لحمة فنية واحدة؛ يصعب فصلها وتجزيئها، لذا سأحاول الدخول إلى وادي عبقر الشاعر مراوحا تصوري النقدي بين هذه المستويات لعلي أُقرِّب إليكم بعضا من أسباب شعريةِ النصوص، وشاعريةِ الشاعر تجاه مدينته التي أخذت بكيانه وقريحته مكانا متعدد الجغرافياتِ والأعلامِ والرموز والذوات والأحاسيس.

إن شفشاون هي مركز التذكرِ وعمقُ الانتماء الشامخ ماضيا وحاضرا، حيث اتخذها الصالحون والنساك والشعراء مرتعا هادئا لحياتهم، أو اتخذها زوارُها فضاء يتطهرون فيه من أدران المادةخاصة بسمتها الروحي فضاءً ومعالمَ وموقعا جغرافيا، كأنها ناسك اعتلى جبلا في صوفيته تعبدا وتسبيحا وتطهرا. لذا تتلبس شفشاون رمزيا في الديوان أشكالاً وحالاتٍ وتحولاتٍ ومعانيَ حسيةً وعقليةً يصهرها الشاعر في شعرية واحدة هي صورة المدينة كما ملأت كيانه الإنساني، لتتشكل في صور متعدد؛ تارة عبر تراسل الحواس “لشفشاون رائحة من نور” ـ “لشفشاون وجه صبح / بهي / بلون صلاته”، وتارة أخرى عبر أوصاف تنقل أثر المكان في النفس “لشفشاون ملكوت/ صموت بألف لسان/ فسبحان منطقها.” “شفشاون أعشقها امرأةً / فيها من أمي نظرتُها الحانية الحبلى/ بشهي الرضا/ ولذيذ المُدام. وتارة في رسم صورتها المتحولة بعبق الفصول والأزمنة عبر صيغ تعبيرية كنائية واستعارية:
“لم يبق لـ ” وادي رأس الماء رصيفٌ
لرسو الأشرعة العبَّارة
بالمارة
في حارتنا
لم يعد يشبه نفسه
في هالته
غامت لآلئه
في متاهاته
وطفت للسطح هياكل محار
فارغةٌ”
وتارة أخرى عبر صور مبدعة ورمزية تناصية يستعير فيها كناية عربية حول صفة الجمال من بيت للشاعر مسلم بن الوليد (الملقب بصريع الغواني) في قوله من بحر الطويل:
وساقــيةٍ كالريـــم هيفاءَ طفلةٍ بعيدةِ مهوى الــقُرطمفعمةِ الحِجْلِ
ليأخذنا المبدع إلى شعرية جديدة يتحاور فيها مع بيت صريع الغواني أسلوبا مختلفا؛ بيت القصيد فيه صورة منتزعة من متعدد، لكن بدلالة أخرى يتماهى فيها مع شاعر آخر عشق المدينة (قد يكون عبد الكريم الطبال) أو قد يكون حوارا ذاتيا مع أناهالشاعرة تجريدا أو التفاتا في صورة رمزية عميقة المعنى، يقول:
شاعرٌ من شفشاوُنَ
يصطفُّ خلفي مَنْ تقَدَّمَنِي
مِنْ خُدامِ الحرفِ إذَا عُدُّوا
ناظمين نُزولا مع الوادي
يتطلع في وجهي مَنْ يهتز لغمزي
فيقول كلاما لا رَجْعَ لِلَغْوهِ
لهدير الماء الصاخبِ في كبريائهِ
ومنادَمَتي له قُرطين بمَهواهُما
مِن جِيد المدينة”
إن الرمز في الديوان متعددة أنواعه وأوجهه البلاغية؛ فهو قد يكون كناية تراثية تعددت وسائطها، لكن في قالب جمالي مبدع يأخذ من التراث جملة ويطوعها في دلالة جديدة؛ لا يستقيم معناها في إطار الشاهد البلاغي، بل في سياقه النصي ضمن ما يسمى بالصورة الكلية لجمال شفشاون؛ لنتأمل قوله في المقطع السابق“ومنادَمَتي له قُرطين بمَهواهُما/ مِن جِيد المدينة” فقد وردت الجملة شاهدا بلاغيا تراثيا كناية عن جمال عنق المرأة، لكن الشاعر أعاد تركيبها في نسق جديد ليشير إلى جمال المدينة في مهوى الماء وهو ينزل من علٍ، حيث يشحن الرمز الطبيعي (بهاء شفشاون) بمشاعره الفياضة عبر رمز شعري يحتاج إلى تأمل شاعري وشعري لفهم دلالات هذه الصورة أو تلك، لتصبح شفشاون هي الرمز الكلي الذي يلهم الشاعر استدعاء صورٍ وأفكار جزئية متناثرة تلملمها التجربة الشعرية في بوتقة واحدة.
تتجسد شفشاون في الديوان صورا روحية يستحيل فيها هديل الحمام “تسبيحا” وتصبح فضاءاتُها “ملكوتا”، وتستحيل ذكرياتُها في وجدان الشاعر زمنا وطقوسا تنتشل الطفل الذي كان من “كل أشباح المدينة” في طقس روحي، حيث كان يداعب فيه الشاعر-الذي كان طفلا – لَوْحَ الكُتاب وأثر الحروف على اللوح“المحنش” المسطور بدفء الغسق البارد”.
أما شفشاون ذاتا فهي المدينة التي أخذت بخلد الشاعر حبا أبديا يستعير أواره منذ عنوان كل قصيدة أو مطلعِها، لتبدأ أغلب نصوصه باسم المدينة “شفشاون” أو جغرافيتها المتعددة حقيقة ومجازا، أو ما يلازم أجواءها وأزمنتها، ومعناها انتماء أو مكانا مخصوصا، أو رمزا تاريخيا، أو سكنا، أو ربْعا من ربوعها الفيحاء.. أو وصفا من صفاتها.
وهكذا تصبح المدينة الحقيقة والرمز، الذي يلهم الشاعر حيوات شعرية متعددة، طريقها استعادة ذاكرة النصوص الشعرية القديمة والحديثة في حوار تناصي أشبه بدبيب الشجن وسحر الانتماء. وقد تجسد هذه الدبيب معجما وتراكيب انطبعت في خلد الشاعر قراءات شعرية جمة لتصبح شفشاون مستعادة تراثيا وثقافيا وشعريا؛ لأنها تختزل – في وجدان الشاعر–كل المدن التي قرأ عنها في نصوص سابقة؛ وهي المدينة التي تولد نصوصا جديدة بعبقها المعجمي الغني، لنقرأ بعض ما انطبع في وجدانه بصيغة المتعدد وقد حضر معجمٌ معتق، وتراكيب من عصور شعرية متعددة، لكن مهما حاولنا ضبط ناصيتها سيتمنع مفهوم التناص، ونفقد البوصلة النقدية لأن وزن البحر يوهمنا بذلك أحيانا.
المدينة في هذه النصوص متجددة شجنا وجمالا وطبيعة وإلهاما وتاريخا وخيالا وسمرا وسياحة.. هي أندلس وقد استعادت فراديسهافي نصوص جديدة يحاكي بها الشاعر ما انطبع في خلده عمرا بهيا، حتى نلفي الشاعر وقد حشد معجما من شعر الموشحات ومن شعراء عباسيين وأندلسيين لتصبح شفشاون هي “أم الشعر” (على صيغة “مصر أم الدنيا”) وإذا قال أحد الفنانين الفوتوغرافيين عن جمال شفشاون بأنك حيثما رميت العدسة ستخرج لك صورا بهية، وإذا قال أحد النقاد بأن قيس بن الملوح سُئل عن سبب حبه لليلي وهي ليست جميلة فأجاب:
ومن منكم يرى ليلى بعين قيس فالحب هو أرواح تُعشق لا وجوه
فإن شفشاون (عند محمد بن يعقوب) هي مدينة لا يراها الناس بعيونهم وعدسات كاميراتهم وإنما هي مدينة شاعرة شكلت مادة خصبت لهواة الفن والجمال، لذا نلفي هذه الألفة الوجدانية التي يريد الشاعر أن يخلقها مع المدينة عبر صيغ تركيبية يحضر فيها ضمير المتكلم، ومخاطبا ذاته ومحيط مدينته كما انطبعت في قلبه سكنا وانتماءً وذكريات وأحداثا ومظاهر طبيعية مبدعة، وقد استعار للمدينة صيغا تعبيرية ينقل فيها للمتلقي مظاهر انتشائه الكبير بمجالاتها “بلدتي شفشاون… هي لي الدنيا.. تيمتني ـ تنتشي ببردي.. أُصلي لها.. فاستهامت، تزدهي..
شفشاون –إذن– هي سيرة متعددة الأحضان؛ هي حضن طفولة الشاعر، وأمه فيها هي الشمس، وبريقها الأب الطيب، وإخوته كواكب تجري في فلكها عندما تطلع؛ تبدو منها كل الكواكب مرحا وضحكة، في قوله من نص “سيرة“:
“كانت شفشاونُ
في حجم ضَحكةِ طفلة
لما ولدتُ
تكبر الضحكة أكثر
فتكون المهدَ
والأرجوحة
والعالمَ في أوله
شمسُه أمي
ببريق أب طيب
وكواكبُ إخوةٌ يمرحون..”
لنتأمل كيف يستعير الشاعر معنى وجوديا من خلال صور شعرية قديمة ليبني صورا جديدة أكثر ارتباطا بوجدان الشاعر في صدق تعبيري يخرج فيه من بلاط المناذرة والغساسنة إلى حضن أشد التصاقا بانتمائه الأسري، وأعمق تركيبا شعريا حداثيا وعذوبة فنية (عبر تشبيه تمثيلي وأسلوب خطابي يحاكي بشعرية شفشاونيةخاصة قول النابغة الذبياني مادحا النعمان بن المنذر في قوله:
فإنك شمس والملوك كواكـــب إذا طلعت لم يبد منهم كوكــــب
ولست بمستبق أخا لا تلمــــــه على شعث أي الرجال المـهذب
تستحيل نصوص الشاعر رسالة ثقافية للتملي بجمال المكان وتاريخه لإدانة لما تكالب عليه من عوادي زمن التحولات المتسارعة، وقد عبر عن هذه المعاني وغيرها بجمل خبرية دالة على موقف الرافض، وصورٍ عميقة الكنايات والرموز، نفاذة معانيها لمن اكتوى بتدهور حضارة، وتصدُّعِ مكان، وتحولٍ في معالم الطبيعة التي تزخر بها المدينة، فضلا عن احتفائه بالمكان رمزا روحيا وثقافيا تقام فيه الأمداح ومجالس الذكر والعِلم؛ ففي نصه الدال “مَهر شفشاوني على ألواح” يبدي موقفا يذود به عن شفشاون التي تغيب عنها أسباب الحياة في فترات زمنية معينة؛ قد تكون جفافا قاتلا، أو عناية جوفاء، أو تناسيا قاسيا، أو فراغا مهيبا. يقول مُعبرا عن درامية المشهد:
لم يبق لـ “وادي رأس الماء” رصيفٌ
لرسو الأشرعة العبَّارة
بالمارّة
في حارتنا
لم يعد يشبه نفسه
في هالته
غامت لآلئُه
في متاهاته
وطفت للسطح هياكلُ محار
فارغةٌ “
إلى أن يقول:
“مر الطبال على المشهد
في رِدَّته
وأطل على الوادي
مثل عادتهِ
ومضى في مداره
دون حديث للصحافة
والسائلين”
ذُكرت شفشاون في الديوان مجالا طبيعيا متعددة أزمنتُه وأماكنُه وحالاته، ودائما تحضر ذات الشاعر ناقلة لتجربة إنسانية أثيرة يبثها أحاسيسه وأفكاره، ومواقفه خاصة عندما يحضر ضمير المتكلم بوحا، كأنه يكتب سيرة للمكان شعريا.. وهو كذلك فعلا. لنتأمل نصه “لغو الأخرق من لون المدينة” الذي يصور فيه (مما يصور) شعرية الضوء واللون في المدينة، وقد تحاورت فيها المكونات لترسم صورا بديعة من جمال تحول الأزمنة بين الليل وشروق الشمس، وما يضفيه هذا التحول على المكان من بهاء، وما يكشف عنه الضوء من معالم، وما يوريه من تفاصيل، حيث يمر الشاعر بين الدروب دون أن يُتعرفَ عليه من وجهه بل من خَطوه وصداه:
” ..والشمس بمشرقها
في انتظار الصبح المعربد في حانوتٍ
منزو في غبشٍ
من ألوانٍ فاترةٍ دكناءَ
أتقدم في الدرب يعرفني
من خطوي
وصداه على أثري…”
وهكذا نلفي في الديوان شاعرية التحاور مع المدينة وصفا يتوغل في نقل تفاصيل دروبها، ومختلف فضاءاتها وأزمنتها عبر استعارات جمة يتداخل فيها المجرد بالمحسوس، والعام بالخاص، والفضاء الرحب بالضيق، حيث الإنصات للمكان الواقعي والمتخيل لازمة تتردد في الديوان:
” أتوغل عبر الدروب أُحادثها (ص: 29)
“نتقاسم نبعا شفيفا” (ص:26)
“لشفشاون رَفُّ رمشٍ” (ص: 12)
أما عن شفشاون أعلاما فتحضر شخصية الشاعر عبد الكريم الطبال رمزا من رموز المدينة وهو ممن أرخو لها شعري، وسكنوها فسكنتهم، ومثلوها في محافل شعريةٍ جمة، وتغنوا بحيواتها المتعددة دهرا كاملا، حيث يرد اسم الشاعر “الطبال” تصريحا لا تلميحا في نص “مَهر شفشاوني على ألواح” باعتباره جزءا من كيان المدينة الثقافي، وشاهدا على تحولاتها، وهو الذي يَعْبُر صامتا “في مداره” لا يلوي على استجواب صحفي شارد، وغيرُه يرفع عقيرته فخرا بأنسابه وأحسابه وأنخاب جنته:
” مر الطبال على المشهد
في ردته
وأطل على الوادي
مثل عادته
ومضى في مداره
دون مصافحة للصحافة
والسائلين…”
شفشاون في الديوان ليست فضاء طبيعيا يتغنى به الشعراء، ويتخذونه وادي عبقر القرن الواحد والعشرين، وإنما هي مدينة ذات سمت روحي وديني تحتضن الأولياء والصالحين وحُفاظ القرآن الكريم ومجالس العلم والذِّكر، لذا خصص الشاعر لبعض أعلامها ذكْرا حسنا ضمن قصائد عمودية تمزج بين غرض المدح، والاحتفاء بالأعمال الجليلة ذات الطابع الديني والروحي، ليكون حضورها رمزيا وإيحاء عندما يرتبط الأمر بقصيدة حرة، ويترجم حضورها بنسق تقليدي مباشر(دون ذكر الاسم في النص وإنما في هامش النص، كحضور شخصية السيد علي الريسوني الذي طلب من الشاعر نظم قصيدة بمناسبة فعاليات الملتقى الأول للدعاة إلى الله، وحضور شخصية السيد الهاشمي السفياني في موضوع ختم صحيح البخاري بشفشاون. كأن الشاعر – عندما يخوض تجربة القصيدة العمودية الفخرية أو المدحية – يلبس جبتها بناء فنيا (يبدأ بالترحيب ثم الغرض ويختم بتحية الشكر للحاضرين أو الصلاة على خير الأنام) ووزنا ومعانيا ومعجما وتراكيب، وقد تنحو بعض المقاطع الشعرية منحى لغويا بسيطا أقرب للتعبير اليومي لكن ضمن بناء إيقاعي سليم، ووعي عروضي قوي يترجمه أحيانا عبر تشكيل الكلمات حتى لا تقرأ ممنوعة من الصرف خاصة على مستوى التنوين في كلمة شفشاون، وحتى لا يكسر وزن البيت عند القراءة، وأخذا بيد القراء الذين لا يميزون بين صحيح الوزن وسقيمه، كقوله (على وزن البسيط) مثلا:
فباسْمِ شِفْـشاوُنٍ والقاطنين بها أُجَدِّدُ الشُّـكْرَ والـقدير للـوفدِ
يؤرخ الشاعر لأعلام رحلت عن سماء المدينة ليشيد بذكرها ومفاخرها ومحاسنها، وأحيانا يذكر طباعها في حياتها وعلاقاتها الإنسانية، ليُضمِّن نصوصه مختلف معاني الألم والحزن، دون أن ينسى الدعوة لهم بالمغفرة والثواب بمناسبة حفل تأبين، وقد أخذت الشاعر فورة العواطف الإنسانية الجياشة والصادقة ليوثق لحظة روحية وإنسانية واجتماعية، وليذكر المتلقين بخصال الفقيد، وأثر غيابه عن القلوب المكلومة، ومن الشخصيات التي لهج بذكرها في ديوانه معاني حرى، ودلالات ترشح عمقا تعبيريا، وعواطف جياشة، يمكن أن نذكر رثاءه للفقيه المرحوم سيدي الهاشمي السفياني، وسيدي محمد السفياني، وقريبه عبد القادر الفحصي، وذ.محمد الهبطي، ود.محمدمفتاح، والحاج عبد العزيز، دون أن ينسى شهيد البئر الطفل ريان،حيث قال فيه:
“شاء يوما أن يتخفى في حفرة
سقط الطفل فيها
سقطة
دوت عندها الأرض المطوية في أرضها
لم تغب شمس ذاك اليوم كعادتها
وفي أمومتها وأبوتها
لم تغب في تداعيها امرأة.
ثكلى”
خاتمة:
هذه هي بعض الشذرات النقدية التي حاولت من خلالها أن أقرب إليكم هذه النصوص المائزة لغة شعرية، وهي المتدفقة بمعاني قويةذات سمت روحي فياض، وصور مبدعة، وإيقاعات منغومة تنم عن شاعرية نضجت على نار فنية هادئة ديدنها قراءات شعرية غزيرة،وتكوين أدبي تراثي عميق، وموهبة منجذبة لروح القصيدة العمودية في صولتها القوية، ومنفتحة على أسباب القصيدة الحرة عن علم ودراية بالصنعة الشعرية الأصيلة في قالب روحي شديد الارتباط بمعاني شجن الانتماء للمدينة فضاء ومحيطا ورمزا وأعلاما كما أكد ذلك في مقدمته التي استجابت للمتن واستجاب لها بشكل يؤكد ميثاق العنونة “شذرات متلألئة من بهاء مدينة” هي شفشاون التي سكنها وسكنته شعرا جميلا.














































