السباق الانتخابي في العراق:المال قبل البرامج

10 نوفمبر 2025
السباق الانتخابي في العراق:المال قبل البرامج

فارس الخطاب

كاتب عراقي مقيم في لندن

في كل دورة انتخابية يمرّ بها العراق منذ عام 2005، يتجدد المشهد ذاته وإن تغيّرت بعض الوجوه: لافتات تُعلّق على الجدران، أصوات تملأ الأثير، ووعود تتراكم كغيوم ثقيلة لا تمطر. ولكن خلف هذا الضجيج، ثمة حقيقة أعمق لا يمكن تجاهلها: أن السباق الانتخابي في العراق لم يعد ميداناً للتنافس على الأفكار، بل ساحة مفتوحة لتصارع المال والنفوذ.

أولاً: لحظة الانتخابات في سياقها

الانتخابات في العراق لم تولد من رحم تطور ديمقراطي طبيعي، بل جاءت نتيجة فراغ سياسي صنعه الاحتلال الأمريكي عام 2003. منذ تلك اللحظة، تحوّل الاقتراع من وسيلة لاختيار ممثلين للشعب، إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ بين قوى محلية مدعومة إقليمياً.

ومع مرور الوقت، صار للمال موقعه المركزي في اللعبة السياسية. فكل مقعد في مجلس النواب يعني موقعاً في شبكة السلطة، وكل موقع يعني باباً إلى موارد الدولة. ومن هنا، لم تعد الحملات الانتخابية مجرّد نشاط دعائي، بل استثماراً مالياً محسوباً بعناية، يدخل ضمن ميزانية النفوذ السياسي.

ثانياً: المال بين العلن والظل

اللجنة العليا المستقلة للانتخابات حاولت هذا العام فرض حدود للإنفاق الانتخابي. حدّدت في بغداد سقفاً يقارب 150 مليار دينار عراقي، وفي المحافظات الصغيرة مبالغ أدنى بكثير. لكن هذه الأرقام تبقى رمزية أمام ما يُصرف فعلاً في الخفاء؛ فالحملات لا تُدار فقط من خلال الإعلانات والملصقات، بل عبر شبكة واسعة من التمويل غير الرسمي: رجال أعمال، شركات مقاولات، ومصادر إقليمية ترتبط ببعض الكتل السياسية. المال في هذه البيئة ليس وسيلة دعم فحسب، بل أداة ترهيب وإغراء، تفتح الأبواب أمام الولاءات وتغلقها أمام المنافسين. ووفق بيانات حديثة من منصات التواصل، أنفقت القوى السياسية في العراق خلال شهر واحد أكثر من 1.4 مليون دولار على إعلانات رقمية عبر “ميتا”. رقم يبدو متواضعاً مقارنة بالحملات الميدانية، لكنه يكشف أن الفضاء الإلكتروني بات جزءاً من معركة الأصوات. هنا أيضاً، المال يتكلم.

ثالثاً: ديمقراطية اللافتات

حين تتجول في شوارع بغداد أو النجف أو البصرة أثناء الحملات الانتخابية، ترى صورة مدهشة: كل متر من الطريق يحتله وجه، كل وجه يحمل شعاراً، وكل شعار يشبه الآخر. لكن ما وراء هذا المشهد ليس حراكاً فكرياً، بل منافسة في حجم الإنفاق؛ بعض المرشحين يمتلكون القدرة على ملء المدن بصورهم، بينما آخرون بالكاد يستطيعون طباعة منشور واحد. وهكذا تتحول الديمقراطية إلى مسابقة في الإعلانات، لا في البرامج. الصوت هنا لا يُكسب بالإقناع، بل بالإنفاق، واللافت أن الناخب العراقي بات يدرك هذه اللعبة جيداً. في المقاهي والبيوت، تُقال الجملة ذاتها: “الكل يعد، لكن من يملك المال يفوز.” وهذه الجملة تختصر المأزق كله.

رابعاً: من يمول من؟

في تحليل أي سباق انتخابي، يجب أن يُطرح السؤال الجوهري: من يمول؟ ولأي غاية؟
في العراق، مصادر التمويل تتوزع بين ثلاث دوائر رئيسية:

  1. المال الداخلي المرتبط برجال الأعمال المتعاقدين مع الدولة، الذين يرون في فوز حلفائهم السياسيين ضماناً لاستمرار مصالحهم.
  2. المال الحزبي المتأتي من شبكات اقتصادية أنشأتها الكتل الكبرى خلال السنوات الماضية، بما يشبه “اقتصاد الظل السياسي”.
  3. المال الإقليمي، وهو الأخطر، حيث تتدخل أطراف خارجية لدعم قوائم معينة بغرض توسيع نفوذها داخل المشهد العراقي.

هذه الشبكات التمويلية تجعل أي حديث عن انتخابات نزيهة أمراً أقرب إلى الوهم، لأن التوازن المالي غائب منذ البداية. من يمتلك المال، يمتلك الصوت الإعلامي، ومن يمتلك الإعلام، يصنع الرأي العام.

خامساً: غياب الفكرة وحضور السوق

الانتخابات، في جوهرها، يجب أن تكون حواراً بين أفكار حول مستقبل الدولة. لكن في العراق، تحولت إلى سوق كبيرة تُباع فيها الأصوات كما تُباع البضائع. كل شيء له سعر: اللافتة، المهرجان، الظهور الإعلامي، بل أحياناً بطاقة الناخب نفسها، هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فبعد عقود من الحروب والحصار والانقسام، فقد المواطن العراقي الثقة بالخطاب السياسي. وحين تغيب الثقة، يتقدّم المال كبديل. يصبح الصوت سلعة، والكرسي استثماراً، والانتخابات مشروعاً اقتصادياً أكثر منها فعلاً ديمقراطياً.

سادساً: الإعلام والمال… تحالف الضرورة

الإعلام العراقي اليوم – بمؤسساته المختلفة – يعيش هو الآخر في دائرة التمويل الحزبي. فالقنوات الفضائية والصحف والمواقع تُدار في الغالب بأموال القوى السياسية نفسها. لذلك، فإن الدعاية الانتخابية ليست مجرد إعلانات مدفوعة، بل محتوى إعلامي متكامل يخدم طرفاً دون آخر، والمرشح القادر على الإنفاق يشتري لنفسه مساحة من البث واهتمام الجمهور، أما المرشح الفقير، فيظل حبيس الهامش. ومع كل دورة انتخابية جديدة، يتسع هذا الفارق حتى تصبح المنافسة شبه مغلقة.

سابعاً: قراءة في جوهر الأزمة

المال في الانتخابات العراقية ليس عارضاً، بل هو انعكاس لطبيعة النظام نفسه. فمنذ عام 2003، بُنيت السلطة على مبدأ “المحاصصة”، أي تقاسم الدولة بين القوى السياسية. وحين تُقاس السياسة بعدد المقاعد لا بنوعية البرامج، يصبح كل مقعد سلعة ثمينة تستحق كل ما يُصرف عليها. لذلك، لا يمكن فصل ظاهرة الإنفاق المفرط عن طبيعة البنية السياسية. فالمشكلة ليست فقط في المال، بل في العلاقة بين المال والسياسة، بين التمويل والقرار. وهذه العلاقة لا تنكسر إلا إذا تغيّر شكل الدولة من نظام الغنيمة إلى نظام المواطنة.

ثامناً: الإصلاح المؤجل

كل دورة انتخابية تحمل معها وعوداً بـ«الإصلاح» و«الشفافية»، لكن النتيجة تبقى واحدة: زيادة الإنفاق وتراجع الثقة. فالقوانين تُعلن، لكن الرقابة ضعيفة، والتمويل يمرّ بطرق ملتوية لا يمكن ضبطها، ومع ذلك، هناك مؤشرات على وعي شعبي جديد. فالأجيال الشابة، خصوصاً تلك التي شاركت في احتجاجات تشرين 2019، بدأت تراقب هذه الظواهر بعين نقدية، وتستخدم وسائل التواصل لفضح التلاعب والفساد. هذه البذرة قد تكون بداية لتغيير حقيقي، إذا استطاعت أن تتحول من الغضب إلى التنظيم.

ختاما، حين ننظر إلى المشهد الانتخابي في العراق اليوم، لا نرى تنافساً بين رؤى لمستقبل الدولة، بل صراعاً بين من يملك المال ومن يملك الصبر. المال يشتري الحاضر، لكن الصبر يبني المستقبل.

التاريخ يقول إن الأمم لا تبقى أسيرة المال طويلاً، لأن المال، مهما علا، لا يشتري الذاكرة. والعراق بلد الذاكرة، بلد الحضارات التي سقطت ثم قامت. في قلب هذا البلد، ما زال هناك من يؤمن أن الصوت أمانة لا تُباع، وأن الكرامة لا تُشترى.

الانتخابات ستنتهي كما انتهت سابقاتها، لكن الوعي سيتراكم، والمال – مهما تعاظم – لن يستطيع أن يشتري ضمير وطنٍ عرف معنى السقوط والقيام.

التعليقات تعليق واحد

عذراً التعليقات مغلقة

  • جبارعبدالزهرة /كاتب من العراق 10 نوفمبر 2025 - 5:28

    اعتقد انه سيكون هناك عزوف كبير ولافت من قبل شرائح المجتمع العراقي عن الإنتخابات القادمة فالشعب اكتشف وعرف بشكل واسع وواضح ودقيق ان جميع المرشحين ودون استثناء كلهم انتهازي وفاسد وعديم الضمير والذمة إلاّ من ما يتعلق في مصالحه الشخصية 0

    فالبرلمان العراقي ولا كل البرلمانات في العالم فهو توجد فيه مغريات مادية ضخمة ومتعددة الأشكال يستطيع من خلالها أن يرتفع عضو البرلمان خلال السنة الأولى من جلوسه على كرسي البرلمان ليكون من طبقة المليارديرات في العراق عبرراتب ضخم يعادل مرتين ضعف راتب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومخصصات حماية وسكن تتجاوز ألــ (1000) ألف مليون دينارعراقي فضلا عن الإمتيازات الإخرى التي لا تعد ولا تحصى لكثرتها وتعددها تصل في مبالغها المالية الى الخيال المدود نحو المستقبل لذلك من يرشح نفسه للبرلمان العراقي هو في باله حيازة كرسي في البرلمان ليتمكن من الحصول على هذه الامتيازات المالية والوظيفية والإدارية الخيالية 0

    ولذلك عندما تسير في الشارع العراقي وتسأل الناس عن هدف المرشح للبرلمان يجيبك ممارسة الفساد بعد الفوز خدمة لمصالحه الشخصية ، ولهذا العراق بعد اكثر من 20عاما من تغير النظام السابق تجد الخدمات متردية والجفاف يعصف بارض العراق ولا يوجد استثمار ولا تنمية اقتصادية ولا اجتماعية فقط سرقات ونهب وسلب وكأن حكومته عصابة من عصابات شيكاغو او مافيا من المافيات العالمية 0

    حكومات تنهب اموال البلد بشكل فاضح من حكومة نوري المالكي الاولى وتحت ذريعة دولة القانون والى اليوم لآنها تراعي مصالح الأحزاب المشكّلة لها ويعكس كثرة هذه الأحزاب وفرضها مصالحها على سياسة البلد وادارته هو كثرة اعضاء البرلمان فعددهم (329) عضو وهذا العدد الكبير يقتضي ان يكون عدد سكان العراق ليس اقل من نصف عدد الأعضاء البرلمان اي ما يقرب من (165) مليون نسمة وليس 45 مليونا ناهيك عن شطر بعض الوزرات لخلق وتوليد مواقع وظيفية عليا جديد لكي تستوعب المجموعات القيادية الهائلة لهذا الأحزاب فمثلا تم شطر وزارة الثقافة والإعلام الى وزارتين هما وزارة الثقافة للسنة ووزارة الإعلام للشيعة كما تم تحويل وزارة الأوقاف الى وقفين وهما الوقف الشيعي والوقف السني ووزارة الزراعة والري الى وزارتين وهما وزارة الزراعة ووزارة الموارد المائية رغم ان العراق يعاني من الجفاف منذ ما يزيد على 15 عاما وعندما لم تستوعب هذه الإنشطارات قيادات الأحزاب وكوادرها لكثرتها وبسبب كثرة احزابها استحدثوا مجالس المحافظات والاقضية والنواحي من اجل توظيف ما تبقي من القيادات والتكتلات والمنظمات الحزبية ثم استحدثوا ما يسمى اليوم برواتب اهل رفحاء وهي رواتب ضخمة جدا كتعويص لطواقم الكوادرالمنتمين الى الأحزاب الذين لم يحالفهم الباطل للحصول على وظيفة او كرسي عمل 0

الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com