أنوار دمشق وظلام بغداد

28 نوفمبر 2025
أنوار دمشق وظلام بغداد

أنوار دمشق وظلام بغداد .. مقارنة بين استراتيجيتين؟

صباح البغدادي


ونحن على بعد أيام , وقبل أن تكمل سوريا الجديدة عامها الأول للأحتفال بسقوط نظام “بشّار الأسد” القمعي والذي سيتم حتمآ بالاحتفال به بصورة ملفتة للنظر ولتكون رسالة موجهة للداخل والخارج , بأن سوريا الجديدة اليوم ليست كما كان ينظر إليها في السابق , حيث تتسارع الخطى الحثيثة لجميع تشكيلات الكابينة الوزارية وبالتحديد لوزارة الطاقة والتي بدورها تسابق الزمن ولجميع كوادر الوزارة بأن تكون العاصمة دمشق – بكل فخر واعتزاز – أن الكهرباء عادت إليها ” ٢٤/٢٤ ” وكذلك في معظم المحافظات والمدن وحتى القرى والبلدات النائية ، بل إن بعض المناطق بالعاصمة بدأت تتمتع بالتيار الكهربائي منذ أشهر ! نعم …  ومن غير مبالغة ولا صخب وتهريج اعلامي صارخ لأن الواجب الوظيفي وخدمة المواطن لا يحتاج الى نصب خيام الأعراس والاحتفالات بخدمة هي أصلا من أبسط حقوق المواطن تجاه حكومته ،

وفي بلد خرج للتو من حرب أهلية طاحنة استمرت ما يقارب ١٤ سنة، دمّرت فيها معظم محطات الطاقة و الشبكات والخطوط الناقلة، مع الدمار الهائل للمنظومة الكهربائية منذ سنوات طويلة إلى تغذية الى تتعدى باحسن الاحوال بحدود ساعتين الى خمس في اليوم… ولكن اليوم وبفضل توجيهات القيادة وكذلك همت وجهود العاملين والكوادر بالوزارة استطاعوا في أقل من سنة أن يعيدوا المنظومة بصورة شبه كاملة، ويزيدوا الإنتاج ،

ويصلحون الشبكات، ويوقفوا السرقات والهدر فتحية إعصارية مضيئة كبرق ساطع يضيئ سماء دمشق نرسلها  لكم من “بغداد” والى جميع الكوادر من مهندسين وفنيين وعاملين ، وللقيادة السورية الحكيمة التي وجّهت وتابعت وراقبت ونفّذت بأحسن صورة ما وعدت به وأوفت بوعدها بأحسن وأفضل حال ؟ والملفت للنظر حقًّا، أن سوريا الجديدة – في لحظة شجاعة نادرة – قررت أن تقطع ورم الترهل دفعة واحدة ولتكون بداية لتدشين عهدها الجديد في ” الاقتصاد الرقمي ”  فقد دمجت ثلاث وزارات كانت تُدار بعهد النظام القمعي السابق كإقطاعيات منفصلة، تُهدر المليارات وتُنتج الظلام فقط، فجمعت في 29 آذار 2025 ” وزارة النفط + الثروة المعدنية + الموارد المائية ” تحت مظلة واحدة اسمها ” وزارة الطاقة” لأن الغاز والنفط والماء والكهرباء ليست أربع قصص منفصلة، بل هي اسطورة لحكاية واحدة اسمها سوف ترسل وتقرأ للأجيال القادمة وبما معناه ” استقلال الوطن وكرامة المواطن ” فأوقفوا التشتت، وقطعوا طريق الفساد المالي والإداري، وأغلقوا أبواب المحاصصة التي كانت تُسمّى “وزارات”،

وأصبح هناك وزير واحد يُحاسب، وميزانية واحدة لا تُقسم بين جيوب قادة الأحزاب والمسؤولين المتنفذين ، وخطة واحدة لا تُمزَّق كلما جاء وزير جديد يُلغي عمل سابقه، لذا كان هناك إصرار وطني لضمير حي وتحوّلت الطاقة من ” أربع مملكات متناحرة فيما بينها ”  إلى جيش واحد يقاتل من أجل إنارة البيوت .  ونحن في العراق؟ ما زلنا نُدير النفط بوزارة ، والكهرباء بوزارة أخرى ، والماء بثالثة ، والمعادن برابعة… وهكذا دواليك لكي نرضي زمرة قادة الاحزاب (الإسلامية) بان لهم وزارة في التشكيل الحكومي وكل واحدة تُبرّر فشلها وخيبتها  بـ ” الوزارة الثانية مقصّرة” ، وفي النهاية يبقى المواطن بلا كهرباء، بلا ماء، بلا غاز، سوريا قالت لشياطين الفساد ” توقفوا فاليوم ليس كالامس وكفى، وأخرج صاغرا لا بارك الله بك من هيكل الدولة” ونحن في عراق الخيبات ما زلنا نُقدّم له القهوة والكرسي الوزاري كل أربع سنوات.  يا للعجب… بلد خرج للتو من حرب أهلية يُعيد بناء دولته بعقلية دولة، وبلد يملك ثروات تكفي العالم يُدير نفسه بعقلية عصابات.  دمجوا الوزارات ليضيئوا البيوت، ونحن نزيد الوزارات لنُطفئ الأمل.  متى نستيقظ؟ ونُحاسب وزيرًا واحدًا بدل عشرة لصوص؟ .

والآن لنعد إلى وجع خيبتنا والتي لا نعرف من أين نبدأ ؟ و نحاول قدر الامكان ان نمسك طرف الخيط والذي اضعنها  منذ عام ٢٠٠٣ إلى اليوم – أي أكثر من ٢٢ سنة – أنفقنا على قطاع الكهرباء فقط أرقاماً رسمية تتجاوز ١٥٠ مليار دولار ولكن (بعض التقارير الاكاديمية الرصينة تقول بان المبلغ يتجاوز ٢٠٠ مليار إذا حسبنا كل الاتفاقيات والقروض الدولية بالاضافة الى الهبات المادية من قبل بعض الدول المانحة والصيانات والوقود المهدور) ١٥٠ مليار دولار تصور هذا الرقم الملياري الخرافي والذي يمكن أن يبني ليس عاصمة جديدة من الصفر بل عواصم ، أو حتى  يشتري كبريات شركات الطاقة العالمية مجتمعة وما يزال يتبقى لدينا   ” فكّة ” أنثرها على رؤوس المواطنين في حفل الافتتاح ؟ نحن وبعد ٢٢ سنة ما زلنا في بغداد بضع ساعات تتفضل علينا الكهرباء الوطنية والتي تعتبره انجازا خرافي وتاريخي ، أربع ساعات أمبيرات (بـ ٢٥ ألف دينار للأمبير الواحد) وفي البصرة الناس تستسلم  لتموت حرّاً صيفاً ويحرقون الإطارات لأن الكهرباء تقطع ٢٠ ساعة في اليوم. وهكذا دواليك في الموصل والأنبار وحتى الآن بعض المناطق لا تتجاوز ٦ ساعات تيار كهربائي وطنية. ولكن في كل العراق: عندما ترتفع درجة الحرارة درجتين زيادة، تنهار المنظومة كأنها بيت من ورق. وكل سنة نسمع نفس الأسطوانة:”هذا الصيف سيكون الأفضل”  وما زلنا نسمع بان الحكومة وقعتا عقوداً عملاقة مع سيمنس وجنرال إلكتريك ولكن هذه العقود الخرافية ما تزال تراوح مكانها . الحقيقية التي ما يزال يريد ان يخبئها بأن الإيرانيون ليس فقط باستطاعتهم قطع الغاز علينا (مع أننا ندفع لهم مليارات ولا نستطيع بناء خطوط نقل مستقلة) ولكنهم بتدخلهم الوقح يمنعون عنا العراق حتى من ان يلجأ الى اشقائه بطلب المساعدة لان كارتيل مافيا  “الفساد في عقود الوقود”، “سرقة التيار”، والمولدات الأهلية والتي يرتبط بعضها ان لم نقل معظمها تحت غطاء أعضاء من مجلس النواب ” اليوم نرى بأن سوريا قد فعلتها في أقل من سنة، بعد حرب أهلية دمرت كل شيء واكلت الاخضر باليابس وهي تذكرنا بحملة الاعمار والتنمية والتي جرن بعد العدوان على العراق 1991 (1) .
الخلل ليس فنياً ، ولا مالياً ، ولا حتى بسبب “العقوبات” الخلل هو في حقيقة الامر يتكون من الثالوث المشؤوم “السياسي , والفساد , والتبعية للخارج ” ولتنفيذ أجندتها بامتياز (2) وزراء يأتون ويذهبون بعد كل تشكيل وزاري ، وكل واحد يلغي مشاريع الذي قبله ويوقّع عقوداً جديدة تأخذ رشاوي وعمولات جديدة. وشركات وهمية، وصفقات مشبوهة، ومقاولون حزبيون، سرقة منظمة للوقود و الكابلات والمحولات، ومافيات المولدات الأهلية التي تتقاسم الأرباح مع مسؤولين كبار يقدمون لهم الحماية من اي مسائلة قانونية ، وأحزاب ما تزال تستخدم الكهرباء كورقة انتخابية وهذا ما رأيناه بالأمس 

وفي الانتخابات التي جرت قبل أسابيع (3)  : “صوّت لي وأعطيك ٤ ساعات زيادة في محلتك” أو ” نصب محاولات كهربائية ” القيادة السورية الجديدة ـــ يمكن لك أن تسميها ما شئت من أوصاف ـــ  ولكن لا تستطيع أن تنكر عليها بأنها قد أثبتت للجميع وبصورة دامغة بأن :” المشكلة ليست في “تعقيد المنظومة” ولا في “الحرب” ولا في “قلة الغاز” او ” قلة التخصيصات المادية” المشكلة تمكن في غياب الإرادة السياسية الحقيقية ، وفي محاربة واجتثاث حفنة اللصوص والذين كانوا يتحكمون برقاب الناس ويتقاسمون المليارات وبينما الشعب كان يعيش في الظلام وإلغاء “خطوط 24 ساعة” الخاصة بالنظام السابق (التي كانت مخصصة لمنازل الأسد ومسؤوليه، تستهلك ما يقارب من 1100 ميغاواط دون دفع ) ووقف سرقة الكابلات والوقود، وإعادة توزيع عادلة للكميات المتاحة. مع وجود إدارة وزارية مهنية ونزيهة ” كل هذه العوامل اجتمعت مع بعضها البعض في تلاحم ليضرب بهم المثل الصارخ كانوار دمشق الساطعة وبعد ما قاسوه أهل سوريا – بعد كل ما مروا به – استطاعوا أن يضيئوا بيوتهم ٢٤ ساعة في أقل من سنة …

ويا شعب العراق العظيم والذي يعيش في دولة نفطية وثاني أكبر منتج مصدر في أوبك، ويحرق غازه المصاحب كأنه قمامة ، ويدفع مليارات لإيران عشان تضيء له لمبة ! وتستخدم الغاز كسلاح سياسي فتقطعه عندما تحتاجه داخلياً، أو لتضغط على الفصائل الموالية لها في العراق , وهي تقرر متى نضيء بيوتنا ! نعم ، في العراق بالذات، الخلل ليس فنياً ولا مالياً… الخلل في القيادة السياسية التي رهنت نفسها للمحاصصة الطائفية والفساد المنظم ، وسرقات علنية، وتبعية مذلة لإيران التي تتحكم بصنبور الغاز كأننا مستعمرة إيرانية ! فنحن في العراق لا نستحق أن نُحكم بهذه الطريقة ٢٢ سنة أخرى . منظومة الكهرباء ليست مفاعل نووي … هي ضمير من مسؤول وشرف المهنة وإدارة نزيهة وعادلة وشفافة .

اليوم سوريا قد فعلتها وباقل الامكانيات المتاحة لهم و بظرف اقل من سنة وكأنها نسخة طبق الأصل من التجربة التي مر بها العراق عام 1991 . فمتى يستحي ويخجل المسؤول العراقي من هذا الانجاز ؟ لا نريد أن نُطيل عليكم الهمَّ والغم ، ولا أن نُقلب على جرحٍ لا يزال ينزف منذ ألفين وثلاثة وحتى هذا اليوم، فالقضية واضحة من العنوان: تصريحات الحكومة ووزارة الكهرباء ما زالت تُعيد نفس الأسطوانة المشروخة «غدًا سيكون أفضل»، ولا يعلم المواطن متى يأتي هذا الغد… إن أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا .

إعلامي و صحفي استقصائي

sabahalbaghdadi@gmail.com

(1) للمزيد من التوضيح والمتابعة راجع تحقيقنا الصحفي الاستقصائي والمعنون :”بانوراما رجال التصنيع العسكري لإعادة إنتاج الطاقة الكهربائية بالعهد(الدكتاتوري)الصدامي!؟”https://kitabat.com/%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%88%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%86%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9/

(2) https://www.youtube.com/watch?v=pqw3QxpjRFwhttps://www.youtube.com/watch?v=TsfI_yKLb8M

(3) https://www.youtube.com/watch?v=sFq8df9rBfM

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com