المعادلة المقلوبة.. الاحتلال الامريكي قاد لتحرر فيتنام .. وتحرير العراق قاد الى احتلاله

خاص لـ صحيفة قريش في لندن
فاروق الدباغ
هانوي

في منتصف القرن العشرين، خاضت فيتنام واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ المعاصر. ملايين من الضحايا، قرى أُحرقت، غابات أُبيدت بالمواد الكيميائية، وبنية اجتماعية انهارت تحت وطأة قصف أميركي لم يسبق له مثيل. ومع ذلك، استطاعت فيتنام أن تخرج من تحت الركام دولة موحّدة، وأن تحوّل هزيمتها العسكرية إلى انتصار سياسي واجتماعي، وتنطلق بعد عقد واحد نحو “دوي موي” — أكبر إصلاح اقتصادي في تاريخها — لتصبح اليوم واحدة من الاقتصادات الصاعدة في آسيا.
أما العراق، الذي دخلت إليه الولايات المتحدة عام 2003 بشعار “التحرير”، فقد خرج من تلك التجربة بلداً مفككاً جغرافياً، ممزقاً اجتماعياً، ومحكوماً بتوازنات خارجية متعاكسة: اقتصاد تحت الهيمنة الأميركية، وعقيدة وسلاح تحت الهيمنة الإيرانية. وبين هذا وذاك، دولة عاجزة عن تمثيل شعبها أو الدفاع عن سيادتها.
هذا المقال يضع التجربتين، الفيتنامية والعراقية، جنباً إلى جنب، ليس من باب المقارنة التاريخية فقط، بل من باب السؤال الأكبر: لماذا استطاعت فيتنام أن تنتصر على الولايات المتحدة وتتوحد… بينما تعثّر العراق تحت “التحرير الأميركي” واتجه نحو الانقسام؟

فيتنام: حرب تحرر تنتهي بدولة موحدة
امتدت الحرب الفيتنامية لعقود، وبلغت ذروتها بين 1965 و1973. تشير الدراسات إلى أن ضحاياها من الفيتناميين — عسكريين ومدنيين — تجاوزوا حاجز المليونين، إضافة إلى آلاف الإصابات الناتجة عن المواد الكيميائية مثل “Agent Orange”. ومع ذلك، حافظت فيتنام على بوصلة واحدة: تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي.
في اتفاقيات باريس عام 1973، خرجت واشنطن من الحرب فعلياً، وفي 30 أبريل 1975 سقطت سايغون، فتوحّدت البلاد تحت سلطة مركزية واحدة. لن يتفق الجميع على شكل النظام السياسي اللاحق، لكنه كان — بلا شك — نظاماً بقرار وطني مركزي، يمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ دون تدخل خارجي يحدّد هويته.
بعد سنوات من الاشتراكية المتصلبة، جاءت إصلاحات دوي موي عام 1986، لتحول فيتنام إلى نموذج اقتصادي فريد: اقتصاد سوق موجَّه اشتراكياً.
فتح الاستثمار الأجنبي، نمو طبقة وسطى، انخفاض الفقر من 70٪ إلى أقل من 2٪، واندماج في سلاسل الإنتاج العالمية… كل هذا بينما ظل الحزب الشيوعي ممسكاً بمركز القرار السياسي.
بمعنى أوضح:
خرجت أميركا… لكن فيتنام بقيت “أمة واحدة – قرار واحد – مشروع واحد”.
العراق: إسقاط نظام يتحول إلى تفكيك وطن
حين دخلت القوات الأميركية العراق عام 2003، لم تكن البلاد مجرد ساحة معركة، بل كانت ساحة هشّة، أنهكها الحصار والحروب الداخلية والخارجية. لكن الكارثة لم تكن في الحرب ذاتها، بل في ما تلاها:
حلّ الجيش العراقي، وترك البلاد بلا مؤسسة سيادية.
اجتثاث الحزب الحاكم، الذي تحوّل إلى أداة إقصاء جماعي لمناطق كاملة.
انهيار مؤسسات الدولة وفتح فراغ هائل ملأته المليشيات.
تبنّي دستور يقوم على المحاصصة الطائفية والقومية وليس على المواطنة.
هكذا وُلد النظام العراقي الجديد على قاعدة “المكوّنات” لا على قاعدة “الدولة”.
وقد زرعت الولايات المتحدة البذرة الأولى للطائفية السياسية عندما أسست مجلس الحكم وفق النسب الطائفية، ثم تركت العراقيين يتصارعون على حصص الدولة بدلاً من بنائها.
كيف فُتِح الباب لإيران؟ سلاح بلا دولة وعقيدة بلا سيادة
منذ الأيام الأولى بعد 2003، كانت طهران الأكثر جاهزية للتأثير في المشهد العراقي:
1. أحزاب شيعية عادت من المنفى على ظهر المشروع الأميركي.
2. فصائل مسلحة تشكلت تحت رعاية الحرس الثوري.
3. فراغ أمني وروحي واجتماعي، سمح لأي خطاب عقائدي منظم أن يتمدد.
تشير احصاءات بحثية وصحفية إلى أن إيران رعت أو دعمت أكثر من 100 مليشيا وفصيل مسلح، أغلبها ذات قاعدة شيعية، لكن بعضها يمتد إلى مكونات أخرى. ومع صعود خطر داعش 2014، أصبح “الحشد الشعبي” مظلة قانونية تجمع عشرات هذه الفصائل، بعضها مرتبط عضوياً بطهران أكثر مما هو مرتبط بالدولة العراقية.
والنتيجة واضحة:
جيش رسمي… وإلى جواره جيش عقائدي.
دولة مركزية… وإلى جوارها “دول محلية” تمتلك قرار الحرب والسلم.
الأكراد: من ضحية الأنفال إلى إقليم شبه مستقل
يحمل الأكراد سردية مختلفة عن بقية العراق. بعد حماية منطقة الحكم الذاتي منذ 1991، تسارعت خطوات بناء “كيان سياسي كردي” انتهى باعتراف دستور 2005 بإقليم كردستان ككيان اتحادي:
برلمان خاص
حكومة خاصة
قوات البيشمركة
علاقات خارجية واقتصاد شبه مستقل
اليوم، إقليم كردستان أقرب إلى “دولة داخل دولة”:
يشارك في بغداد عندما يشاء، ويبتعد عنها عندما تتعارض مصالحه مع المركز.
الهيمنة المزدوجة: اقتصاد تحت يد واشنطن… وعقيدة وسلاح تحت يد طهران
هنا تكمن معضلة العراق الحالية:
١. الهيمنة الأميركية – الاقتصاد والمال
العراق دولة ريعية تعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 99٪ من صادراتها.
بيع النفط بالدولار يربط الاقتصاد العراقي بالنظام المالي الأميركي.
أي حركة مالية، ومن ضمنها مزادات الدولار، تخضع فعلياً لرقابة أميركية.
الشركات الأميركية حاضرة بقوة في قطاع النفط والطاقة.
بكلمات واضحة:
واشنطن لا تحكم العراق… لكنها تتحكم بمفاتيح اقتصاده.
٢. الهيمنة الإيرانية – العقيدة والسلاح
إيران تستثمر في البعد الديني والهوياتي.
تبني شبكة فصائل مسلحة، أحزاب، مؤسسات، وقنوات إعلامية.
تتعامل مع العراق بوصفه عمقاً استراتيجياً في صراع نفوذ إقليمي.
أي أن:
طهران لا تحكم العراق… لكنها تتحكم بمنظومته العقائدية والحركية.
وهكذا أصبح العراق تحت هيمنة مزدوجة:
أميركا تمسك بالاقتصاد، وإيران تمسك بالسلاح والفكر.à
إلى أين يتجه العراق؟
هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. استمرار “التوازن السيّئ”
دولة ضعيفة، سلاح مزدوج، فساد، بطالة، انقسام مجتمعي، وهجرة متواصلة.
2. تعمّق الفيدرالية نحو “تقسيم مقنّع”
عراق واحد على الورق… وثلاثة عراقيين على الأرض:
كردستان دولة فعلية،
الجنوب كيان تديره أحزاب ومليشيات،
والغرب والوسط ساعٍ لحكم ذاتي.
3. بناء مشروع وطني عابر للطوائف (الأصعب والأهم)
جيل جديد — كما ظهرت في احتجاجات تشرين — يرفض الطائفية، ويريد دولة لا ميليشيات ولا محاصصة.
قد يكون هذا الطريق هو الأمل الوحيد لإنقاذ العراق.
الخلاصة: لماذا انتصرت فيتنام… وتعثر العراق؟
لأن فيتنام — رغم الخراب والنزيف — امتلكت بعد الحرب مركز قرار واحداً.
بينما العراق — رغم الموارد الهائلة — تشتت بين عشرات المراكز:
مركز قرار أميركي اقتصادي،
مركز قرار إيراني عقائدي،
مركز قرار كردي مستقل،
مركز قرار حزبي ومليشياوي داخل كل طائفة،
ومواطن يبحث عن دولة ولا يجدها.
الفرق بسيط لكنه جوهري:
فيتنام جعلت الحرب وسيلة لبناء دولة.
والعراق جعل “التحرير” وسيلة لتفكيك الدولة.
وما لم يستعد العراق مركز قرار وطني واحد، سيظلّ يعيش في معادلة خطيرة:
أميركا تمسك بمستقبله الاقتصادي… وإيران تمسك بذاكرته العقائدية… بينما يتآكل جسده السياسي من الداخل.















































