لماذا ترفض إسرائيل مشاركة تركيا في القوة الدولية لغزة؟

23 نوفمبر 2025
لماذا ترفض إسرائيل مشاركة تركيا في القوة الدولية لغزة؟

د. محمد كرواوي*

هناك قرارات في الإقليم لا تفهم من ظاهرها، ولا تقرأ من الكلمات التي تصدر عن الوزارات أو المؤتمرات الصحفية. فالسياسة، حين تشهد تحولات كبرى، تصبح البيانات غطاء يخفي ما يجري في الأعماق لا ما يجري على السطح. والرفض الإسرائيلي لمشاركة تركيا في القوة الدولية المقترحة لغزة واحد من هذه القرارات التي لا تقاس بتبريراتها المعلنة، وإنما تفهم من سياقها، ومن طبيعة اللحظة التاريخية التي ولدت فيها، ومن صراع النفوذ الذي يتحرك على امتداد البحر الممتد من شواطئ فلسطين إلى شواطئ الأناضول.

فالولايات المتحدة، حين طرحت فكرة القوة الدولية، لم تكن تبحث عن نهاية للصراع، بل عن مرحلة انتقالية تبقي خيوط إدارة غزة بيدها، وتوزع ما تبقى من أدوار على الدول القابلة للانخراط تحت سقف رؤيتها. كانت تريد قوة تراقب وقف إطلاق النار، وتشرف على المعابر، وتضمن انسياب المساعدات، وتمنح الحرب نهاية مؤقتة تبقي المجال مفتوحا لإعادة رسم ترتيبات سياسية جديدة. وفي هذا التصور، كانت أنقرة ترى فرصة للدخول إلى ساحة طالما بقيت بعيدة عن يدها.

تركيا أعلنت استعدادها للمشاركة في القوة الدولية، مستندة إلى سجل طويل في المهام الميدانية، وإلى وزن سياسي إقليمي، وإلى قدرتها على التواصل مع قوى فلسطينية يعرفها الجميع ولا يقترب منها أغلب المشاركين المفترضين. كانت أنقرة تنظر إلى غزة بوصفها نافذة جديدة، وإلى المشاركة العسكرية فيها بوصفها مدخلا إلى ملف يظل مفتوحا كلما استدعت الظروف إعادة الترتيب.

لكن تل أبيب لم تر الأمر من هذه الزاوية. لم تر في العرض التركي مساهمة، ولا دعما، ولا خبرة. بل رأت فيه تهديدا مباشرا لنفوذها، ودخولا إلى مساحة تعتبرها جزءا من أمنها القومي المباشر. ولهذا جاء الرفض الإسرائيلي قاطعا، لا يبحث عن مجاملة ولا عن صيغة وسطى، بل يعلن حدود الدور الذي تسمح به إسرائيل، والحدود التي لا تسمح بها، في وقت يعاد فيه تشكيل خرائط القوى في شرق البحر.

السبب المعلن كان بسيطا: تركيا، بلسان رئيسها، اتهمت إسرائيل بارتكاب جرائم، ورفعت مستوى الخطاب إلى حدود غير مسبوقة منذ سنوات. وإسرائيل تقول إنها لا تستطيع العمل في غرفة عمليات واحدة مع دولة تحملها المسؤولية الكاملة عما يجري في غزة. هذا السبب يبدو مقنعا على الورق، لكنه ليس السبب الحقيقي. فإسرائيل، حين ترسم حدود الأمن، لا تفعل ذلك برد الفعل السياسي، بل تفعل ذلك وفق رؤية طويلة المدى.

والرؤية هنا لا تتعلق بغزة وحدها، بل بامتداد البحر كله. فتركيا تبنت خلال الأعوام الأخيرة عقيدة بحرية واسعة، تسعى إلى توسيع مجالها البحري، وإعادة تعريف نفوذها في المنطقة. وهذه العقيدة وضعت تركيا في مواجهة محور مقابل تشارك فيه إسرائيل مع دول أخرى ترى البحر موردا للطاقة، وممرا للنفوذ، وبوابة لسياسة بحرية جديدة تغير موازين القوى.

وهذه هي النقطة الجوهرية: وجود تركيا في غزة، ولو في مهمة مراقبة، يعني وجودها في منطقة ملاصقة لشبكة الموانئ، وخطوط الغاز، ومسارات التحرك البحري التي تمثل قلب الحسابات الإسرائيلية الجديدة. فغزة ليست مجرد قطاع محاصر، بل نقطة استراتيجية قريبة من عقدة بحرية تتحرك فوقها مصالح اقتصادية وسياسية عميقة. ومن هنا، فإن مشاركة تركيا في القوة الدولية كانت ستمنحها نافذة جديدة تطل منها على البحر، لا فقط على غزة.

إسرائيل تخشى النفوذ أكثر مما تخشى الجندي. تخشى ما بعد المهمة أكثر مما تخشى المهمة ذاتها. وتعرف أن تركيا، حين تدخل ساحة ما، لا تخرج منها بسهولة، ولا تكتفي بدور شكلي، ولا تتعامل مع المهمات الدولية باعتبارها واجبا بروتوكوليا، بل باعتبارها فرصة لتمديد حضورها. وهذا ما جعل المؤسسة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية معا، تنظر إلى العرض التركي باعتباره خطوة نحو دور لا تريده إسرائيل أن يتبلور.

وهناك جانب آخر. فالحكومة الإسرائيلية الحالية محكومة بتحالف قومي يرفع شعارات حادة، ولا يستطيع، من الناحية الأيديولوجية، قبول وجود دولة ترتبط بعلاقات سياسية مع حركة حماس داخل قوة من المفترض أن تعمل بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي. هذا التحالف لا يقبل الرموز، ولا يتحمل الرسائل، ولا يسمح بأن يظهر وكأنه يدخل خصما سياسيا داخل مساحة يريد أن يبقى فيها صاحب القرار الوحيد.

وإلى جانب ذلك، هناك هواجس المؤسسة العسكرية. فالقوى الدولية، حين تنتشر، تحتاج إلى اتفاق على تفسير التفويض، لا على نصه فقط. وإسرائيل ترى أن تركيا ستقرأ التفويض بطريقة مختلفة، وقد تتحرك بطريقة تربك المهمة كلها، أو تعطلها، أو تمنحها أبعادا سياسية لا ترغب إسرائيل في ظهورها.

أبعد من ذلك كله، ترى إسرائيل أن المشاركة التركية في غزة يمكن أن تتحول إلى مدخل سياسي بعيد المدى. فتركيا كانت ستصبح طرفا في مسار إدارة غزة، وربما في مستقبل القطاع السياسي، وربما في أي إعادة ترتيب لاحقة. وهذا ما تخشاه إسرائيل: أن يصبح لتركيا موقع في معادلة لم تكن يوما جزءا منها، وأن تمتلك نفوذا في ملف كانت إسرائيل تريد أن يظل محصورا بين أربع عواصم: القاهرة، الدوحة، واشنطن، وتل أبيب.

من الجانب التركي، تبدو القراءة مختلفة تماما. فأنقرة تعتقد أن استبعادها لا علاقة له بالمهمة الدولية، بل بمحاولة محاصرة دورها الإقليمي في البحر. ترى أن وجودها في غزة كان سيكسر طوقا أعاق تمددها لسنوات، وكان سيمنحها مكانا في قلب ملف سياساته تتداخل مع مصالحها. وتعتقد أن الرفض الإسرائيلي يجد صداه في رغبة واشنطن في تكوين قوة دولية يمكن إدارتها دون حضور دول تملك قدرات تأثير واسعة.

بين القراءتين، تكمن الحقيقة الكبرى: غزة تحولت من قضية فلسطينية إلى ساحة من ساحات الصراع على البحر. وأي دولة تستبعد من غزة اليوم تستبعد من جزء من صراع أكبر على الطاقة والممرات البحرية والتحالفات. وأي دولة تقبل في غزة تقبل في مساحة تتجاوز حدود القطاع الضيقة، وتمتد إلى خرائط أوسع.

لهذا، فإن الرفض الإسرائيلي لا يمكن قراءته بوصفه قرارا أمنيا ضيقا، ولا تعبيرا عن حساسية سياسية مؤقتة، بل هو خطوة ضمن مسار طويل يسعى إلى تثبيت توازنات القوى في المنطقة، ومنع تركيا من دخول ساحة جديدة قد تمنحها موطئ قدم في صراع يتجاوز غزة إلى البحر، ومن الساحل إلى خطوط الطاقة.

وهكذا، يتضح أن غزة ليست وحدها محور القرار، بل البحر من ورائها، والمصالح الممتدة فوقه، والتحالفات التي تتحرك عليه. وإسرائيل، وهي ترسم حدود مشاركات الآخرين، لا تحدد دور تركيا فقط، بل تحدد شكل التوازن البحري الذي تريد أن يبقى كما هو، دون قوة جديدة تملك طموحا سياسيا لا يتوقف عند حدود المهمة، ولا يكتفي بما يعطى له من دور.

إن ما يجري اليوم فصل من فصول الصراع على الشرق، حيث تتحرك الدول فوق الخريطة كقطع الشطرنج، وحيث تحجب أدوار وتفتح أخرى، وحيث يمكن لقرار واحد، كاستبعاد تركيا من غزة، أن يكشف خريطة كاملة لا تقال صراحة، ولكنها تتحكم في مسارات السياسة.

*كاتب وأكاديمي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com