رؤية مغربية لوضع العرب السُّنة في العراق

29 نوفمبر 2025
رؤية مغربية لوضع العرب السُّنة في العراق

العرب السُنة في العراق بين الإقصاء الطائفي والاغتراب السياسي

بقلم د. محمد كرواوي*

لم تكن مأساة العرب السنة في العراق حادثة عابرة في تقلبات بلد اعتاد الاضطراب، ولا نتيجة مباشرة لسقوط نظام حكم ارتبط طويلا بهيمنة طائفة دون أخرى، بل كانت تحولا بنيويا ضرب أساس الدولة العراقية ذاتها. فمنذ عام 2003، وجد العرب السنة أنفسهم أمام دولة جديدة لا تشبه ما ساهموا في بنائه، وأمام مشهد سياسي لا يعترف بتاريخهم، ولا يراهم شركاء في صياغة مستقبل العراق، بل مجرد كتلة مأزومة يجب تطويقها، ونفوذ موروث ينبغي تفكيكه.

لقد سقط النظام السابق، لكن الذي سقط حقيقة لم يكن شخص صدام حسين فقط، بل مشروع دولة كان العرب السنة عمودها الفقري لعقود. الجيش الذي شكلت قياداته من أبناء هذه البيئة، والمؤسسات التي كانت تعتمد خبراتهم، والإدارة التي كانت تقوم على توازن اجتماعي تاريخي، كلها تفككت في لحظة سياسية سميت انتقالا، لكنها كانت اقرب إلى عملية انتقام مؤجل. فسياسة اجتثاث البعث لم تفرق بين حزب وفكرة، ولا بين مسؤول ومواطن، بل تعاملت مع مساحة سكانية كاملة باعتبارها خطرا كامنا يجب احتواؤه.

منذ تلك اللحظة، تحول العرب السنة من ركن الدولة إلى موضوع الريبة. لم تعد هويتهم مرجعية وطنية، بل صارت شبهة سياسية، وصار وجودهم داخل العراق محكوما بالشك، لا بالمواطنة. وما كان يمكن أن يكون انتقالا تدريجيا نحو شراكة جديدة، تحول بفعل سوء الإدارة واستدعاء الذاكرة الطائفية الى إقصاء مزدوج: إقصاء من السلطة، وإقصاء من المعنى.

ولم يقتصر هذا الإقصاء على الخطاب، بل اتخذ شكلا مؤسسيا. الجيش أعيد تشكيله على أسس طائفية واضحة، والإدارة تم تفريغها من الكفاءات السنية، والمناصب باتت توزع وفق ميزان الولاء لا وفق ميزان الكفاءة. وهكذا وجد العرب السنة أنفسهم خارج البنية الصلبة للدولة. لم يكونوا طائفة تبحث عن حصة، بل أصبحوا جماعة محرومة من باب الدخول نفسه. والسؤال الذي كان يجب أن يبقى سياسيا: كيف نعيد بناء العراق؟ تحول الى سؤال هوياتي: من يستحق العراق؟

ومع الوقت، بدأت تداعيات هذا الانقلاب تظهر في الشارع. خرجت الأنبار وصلاح الدين والموصل تطالب بحقوق واضحة: شراكة سياسية، تمثيل حقيقي، وقف الاعتقالات العشوائية، وإنهاء هيمنة المليشيات. لكن الدولة قرأت المشهد من خلف نظارات الشبهة والاتهام. اعتبرت الاحتجاج تمردا، والحقوق محاولة للعودة الى ما قبل 2003، فتم قمع الساحات بدل الحوار معها. ومع هذا القمع، بدأ العرب السنة يدخلون المجال السياسي من باب الأزمة، لا من باب الشراكة.

ثم جاءت لحظة تنظيم داعش لتضيف طبقة جديدة من التشويه. لم يكن بوسع هذا التنظيم أن يتمدد لولا الفراغ السياسي الذي تركته الدولة الجديدة، ولا لولا الشعور العام بان العرب السنة باتوا خارج القرار. استغل داعش هذا الإحساس، فدخل المدن ليس بوصفه مشروعا عقائديا، بل بوصفه ردا على غياب الدولة. وعندما جاء التحرير العسكري، جاء معه خراب اعمق. الموصل تحولت الى صفحة سوداء في ذاكرة العراق، الرمادي انهارت عمرانيا واجتماعيا، والفلوجة أصبحت رمزا لمدن هزمت مرتين: مرة باسم المقاومة، ومرة باسم التحرير.

لكن ما كرس الاغتراب السياسي أكثر من السلاح والاتهام هو صندوق الاقتراع نفسه. فقد كشفت الانتخابات العراقية الأخيرة المهزلة النهائية: ليس لأن السنة لم يشاركوا، بل لأن مشاركتهم لم تغير شيئا. أصواتهم تآكلت بين زعامات متخاصمة، ومقاعدهم تضخمت بلا وزن في القرار، وتحالفاتهم تحولت إلى ديكور ديمقراطي يزين واجهة سياسية مغلقة. كانوا يدخلون العملية الانتخابية بوصفها المخرج، ليكتشفوا أنها مجرد بوابة إضافية نحو الجدران نفسها. كانوا يصوتون، لكنهم لا يمثلون. كانوا يحضرون إلى البرلمان، لكنهم لا يدخلون الى الدولة.

وهكذا انتقل العرب السنة من الإقصاء الطائفي الى الاغتراب السياسي. الإقصاء يعني انك خارج السلطة، أما الاغتراب فيعني أنك خارج المعنى. إنك موجود جسدا داخل دولة لا تراها امتدادا لذاتك، وأن الدولة التي تحمل اسمك الوطني لا تحمل صوتك السياسي. صار العربي السني داخل العراق كالمواطن الذي يسكن البيت، لكنه ممنوع من فتح الأبواب. يملك عنوان الدولة، لكنه لا يملك مفاتيحها.

هذا الاغتراب لم يعد شعورا نفسيا، بل بات بنية كاملة: مؤسسات تتجاهله، نظام انتخابي لا يسمح له بالتمثيل المكافئ، نخبة سياسية منقسمة، خدمات منهارة، أمن لا يحميه، وقرار سياسي يمر عبر ممرات خارجية. وإذا كانت السياسة فن الممكن، فقد تحولت بالنسبة للسنة الى فن المستحيل.

والأخطر من ذلك أن الدولة لم تكتف بإقصائهم، بل أقامت نظاما سياسيا يتغذى على دوام هذا الإقصاء. فالعراق اليوم لا يدار بمنطق الشراكة، بل بمنطق التوازن بين القوى الحاملة للسلاح، لا القوى الحاملة للشرعية. ومع هذا المنطق، لم يعد السؤال: لماذا انقسمت البلاد؟ بل: كيف لم تنقسم أكثر؟

إن أزمة العرب السنة ليست أزمة طائفة تبحث عن امتياز، بل أزمة دولة فقدت أحد أعمدتها. فالعراق بلا سنة يشبه جسدا بلا رئة. قد يعيش، لكنه لا يتنفس. دولة لا تساوي بين أبنائها لا تكتب عقدا وطنيا، بل دليل سقوط مؤجل. والتاريخ، في نهاية الامر، لا يحفظ من أسقط خصومه، بل من حافظ على شركائه.

العرب السنة اليوم لا يريدون العودة إلى ما قبل 2003، ولا يستنسخون الماضي، بل يطلبون حقهم في المستقبل: دولة عادلة، سلطة غير مرتهنة، وهوية لا تعتبر انتماءهم خطأ تاريخيا. وحين يسأل البعض: هل يعود السنة الى السلطة؟ يكون السؤال الحقيقي: هل تعود الدولة الى نفسها؟ فإذا لم تعد، لن يكون العراق مشروع وطن، بل مشروع غلبة. ومن ينتصر بالغلبة يسقط بالتاريخ، لأن التاريخ لا يكتب على فوهات البنادق، بل على توازن الشركاء.

*كاتب واكاديمي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com