د. خالد زغريت
كاتب من سوريا
النسخة العربية الإسلامية للدولة الغربية عملية عنف للثقافة والتاريخ، هذه المقولة هي الفكرة المفتاحية لكتاب ” الدولتان – السلطة المجتمع في الغرب ودار الإسلام ” للباحث السياسي ” برتراند بادي ” وهو أحد صنّاع الفكر السياسي الفرنسي المعاصر، وهو أستاذ العلوم السياسية في كلية الحقوق الفرنسية ” كليرمونت”. و في هذه المقولة يتجسد مفتاح صندوق السياسية الفرنسية في علاقاتها الدولية مع العرب.
من المهم جداً أن نعرف أن السياسة الفرنسية ثنائية البنية، فهي في الظاهر أسلوب دبلوماسي واقعي متطوّر مع المتغيرات السياسية العالمية، ولا يعدم الدراماتيكية العلمانية في كثير من الأحول الطارئة. لكن هذه الدبلوماسية على ما فيها من بعد ظاهري عن تقاليد الإستراتيجيات العميقة، هي متجذرة فيما ترسمه مجموعة المفكرين السياسيين الإستراتيجيين ، وهم صنّاع أسس السياسة الفرنسية بعيدة المدى.
وفق هذا المنظور للبنية الثنائية للسياسة الفرنسية في علاقاتها مع العرب، نستشف مستوى تدخلاتها الدولية في أحوال العرب قضاياهم . وإذا كان جزءٌ من هذه السياسة موجهة في العمق من مفكري سياستها وصنّاع إستراتيجياتها، فإننا نستشرف قلق مواقفها من قضايا العرب . ويرجع ذلك إلى فهم مفكريها للدولة العربية الذين يعدون نسيجها، ومنهم ” برتراند” بوصفه أحد أبرز المؤثرين المعاصرين فيها.
يكشف برتراند في كتابه (الدلتان” عن تصوّر منهجي للدولة العربية التي يجب أن تتعامل معها السياسة الفرنسية. وهو يرى الدولة العربية تكويناً هجيناً من القبلية ، و الإمارة الإسلامية التي بقيت محتفظة بمبادئ القبيلة العميقة في صبغة إسلامية مضطربة، تمثلها أفكار ” الخوارج ” وممارستهم المتطرفة . وهي لا تنتج دائماً إلا احتجاجات ، وهي في مراحل تاريخية بحسب ما يرى برتراند ” تدعي امتلاك شرعية أعلى من شرعية الأمير” وهو يتخذ مرجعيته التاريخية من ادعاء الخوارج شرعية تفوق شرعية الخليفة، ولذلك قامت حروب الخوارج للدولة على هذا الأساسي .
من غير شك رؤية “برتراند” للدولة العربية تاريخية محضة، وأحادية النظرة ، وهي رؤية مصدرها ثقافة مشوّهة أنتجها الاستشراق وفق قراءات غريبة عن بيئته، و كان من شرايينها الأساسية سرديات- غير بريئة من التسيس- عن تصرفات حكام العرب العباسيين والفاطميين.
لا نبالغ إن قلنا: إن أحد مصادر ثقافة الغرب عن العرب سرديات ألف ليلة وليلة ، و لا أدل من ذلك كبير كتاب فرنسا فيكتور هيجو الذي لقيت رواياته استقبالاً منقطع النظير عند العرب ، بينما كان هو في أشعار يتخذ الحمار و الجارية رموزاً لثقافة العرب الاستبدادية، يجسد فيها تهكماً من خلفاء المسلمين، ودور المرأة في المجتمع الإسلامي، وكانت هذه الثقافة المشوهة مصدر أفكار “البابا أوربان الثاني” منظّر الحملات الصليبية .
وفق هذه الثقافة يرى “برتراند” أن الدولة العربية المعاصرة لم تنشأ من حداثة شرقية ،أو إسلامية ، وهي مجرد احتجاجات لا تنتج نمط حداثة جديدة تلائم تطور الدولة المعاصرة في الغرب .















































