التربية على الجمال قبل الكمال

12 نوفمبر 2025
التربية على الجمال قبل الكمال

أ.د أحمد محمد القزعل الهاشمي

ذات يوم رأيت طفلة صغيرة في أحد المنتزهات تجمع أوراق الشجر المتساقطة وتضعها على مقعد لتجعل المكان أجمل، سألتها أمّها بدهشة: لماذا تفعلين هذا؟، فأجابت ببساطة الطفولة: لأن المقعد حزين من الفوضى، تلك الإجابة الصغيرة تختصر فلسفة التربية على الجمال، لكن ومع الأسف ففي الكثير من المجتمعات  يتم تربية الأبناء على أن يكونوا الأفضل، لا أن يكونوا الأجمل روحاً، فنقول لهم: احصلوا على العلامة الكاملة، ولا نقول لهم: تمتعوا بالرحلة، نحاسبهم على الكمال الدراسي ولا نغرس فيهم حب الجمال في التفكير أو الكتابة أو العطاء؛ لهذا نخرج أجيالاً ماهرة في الحسابات، فقيرة في الأحلام، أليست الطفولة التي ترى في الوردة درساً أجمل من تلك التي تحفظ لونها فقط !؟

وذات يوم كنت في مدرسة ريفية حين رأيت معلماً يُدخل تلاميذه إلى الحديقة بعد الدرس، ويقول لهم: انظروا إلى ألوان الورد وتعلموا منها الاختلاف الجميل، كانت تلك اللحظة درساً في الفلسفة أكثر من كونها نزهة، بعد أسبوع قال لي المعلم أن أحد الطلاب كتب في موضوع التعبير: الاختلاف مثل الزهور لا تتشابه لكنها كلها جميلة، ذلك الطفل فهم ما لا تفهمه مناهج كثيرة، لقد أدرك أن الجمال لا يعني التشابه، وأن التربية عليه هي تربية على قبول الآخر على تقدير الفن في الإنسان المختلف.

إن الجمال في السلوك كما في الطبيعة لا يُقاس بالمقاييس بل بالإحساس، حين يرى الطالب أن النظافة ليست فرضاً مدرسياً بل جمالاً في ذاته، وحين تُعلِّم الأم ابنتها أن التهذيب أجمل من الزينة، وحين يختار الأب كلماته كما يختار الفنان ألوانه، نكون قد بدأنا رحلة الإصلاح الحقيقي.

يُروى أن امرأة كانت تضع وردة على شباك بيتها كل صباح في حيّ قديم، حتى غدت عادة انتقلت إلى الجيران، فتحوّل الشارع بمرور الأيام إلى لوحة نابضة بالحياة، لم تكن تلك المرأة فنانة، لكنها كانت مُربّية على الجمال.

حقيقة إن الكمال يُتعب لأنه سباق لا نهاية له، أما الجمال فيُبهج لأنه إحساس بالرضا، تقول إحدى المربيات في تجربة واقعية بمدرسة فنون: كنتُ أطلب من طلابي أن يرسموا زهرة مثالية، فكانوا يرهقون أنفسهم بالمحو والتصحيح، حتى قلت لهم يوماً: ارسموا ما تشعرون به لا ما ترونه، فجاءت لوحاتهم أصدق وأجمل،  حينها أدركت أن الجمال ابن الصدق لا ابن المثالية.

في كل إصلاح اجتماعي تكون البداية من النظرة إلى الإنسان، إننا نحتاج إلى جيل يرى الجمال في الأخلاق لا في الثياب، في الكلمة لا في الصورة، في البساطة لا في التكلّف، شاهدت مرة مشهداً مؤثراً في محطة قطار: شابّ يساعد رجلًا مسنّاً على حمل حقيبته دون أن يعرفه، لم يكن المشهد جديداً، لكنني لاحظت أن المارة ابتسموا، وكأن الفعل الجميل أيقظ فيهم شيئاً نائماً، تلك اللحظة هي درس تربوي عميق: الجمال الأخلاقي مُعدٍ تماماً كالعطر حين يملأ المكان دون استئذان.

إن المجتمع الذي يُكرّم الجمال الإنساني قبل المظاهر هو المجتمع الذي يتعافى، وما أكثر ما نحتاج إليه في زمن تتصدر فيه الصورة على المعنى، لقد كان القدماء يقولون: الخلق الجميل جمال لا يزول، أما نحن فأصبحنا نبحث عن الجمال في عدسة الهاتف لا في مرآة الضمير، لو غرسنا في المدارس درساً واحداً بعنوان: جمال المعاملة، لأصلحنا أكثر مما تُصلحه عشرات حملات التوعية.

التربية على الجمال قبل الكمال هي طريق الحياة الهادئة، حيث يُقاس النجاح بصفاء القلب لا بقوة المقياس، لندرب أولادنا على قول: ما أجمل هذا! قبل أن يقولوا: ما أتمّ هذا! ؛ لأن الجمال هو الذي يداوي ما لا يُصلحه الكمال.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com