التراث
في البدايات اعتقدنا أن التراث بالتحامل عليه، سوف نزيحه، فيما بعد أدركنا أن الحاضر يحتاجه، وأن منطق الحضارات والمجتمعات وحتى الدول، لا يمضي بإرادة الأفراد ورغباتهم حتى لو كانوا جماعات وأحزاب وتيارات، ثم تم توقع انزياح التراث بتجاهله، ليخجل من كونه ماضيا، ينساه الناس وهم منشغلون باكتشافات الحضارات وتطوراتها، لكن بقي حاضرا ومؤثرا، بل أصبح محطة للتنافس، به أي بتمثيله فازت أحزاب سياسية، بل منها من به أحدثت تغيرات جذرية عنيفة في المجتمعات العربية والإسلامية، أدركنا حينها أن التراث ما يزال حيا وفاعلا، وأن وهم زواله، لم يكن إلا هلوسة، عاشها رجالات الحداثة وانجر منهم الاشتراكيون الحالمون بطوباوية رومنسية جميلة، وشاحذة للحلم الجماعي التقدمي، وفي خضم حياة التراث هاته، انشغل خصوم التقليد بمعارك واهية، أوهنا، من يقود الصراع ضد التقليد، الاشتراكيون أم الليبراليون الساسة أم المثقفون؟؟؟؟؟

1- بداية المعترك:
أدركت قلة من المثقفين غير أكادميين، أهمية تعميق الوعي بالتراث، بعيدا عن المؤسسات الثقافية والرسمية، سواء كانت جامعية، لها رهانها الخاص، أو حتى سياسية حزبية، لها حساباتها التمثيلية، أهمية تغيير صيغ المواجهة من خلال، عدم التدثر بفكرة التراث، باعتبار الدين فيه جزءا وليس كلا، أو التوجه نحو الدين، بدون تمييز، عدا بعض التوجهات التي تحدثت عن الديانات من منطلق المقارنة بين بين الإسلام والمسيحية ثم اليهودية فيما بعد، بعيدا عن الأسئلة الجارحة والملحة،، فاختارت هذه القلة وبوضوح التوجه مباشرة إلى قضايا الوحي، بما هو إيحاء بالمعاني للأنبياء والرسل وحتى لبعض الأولياء والصالحين، فوجدوا اختلافات شتى حتى في صفوف حراس الوحي وأنصاره من القدامى، أما المحدثين، فخوفا من التبديع الذي يليه التكفير، فاكتفوا بتكرار ما عرفنا في التراث، ولم يزيدوا عليه شيئا، وبذلك تم تدارك حقيقة التراث المحصن بوحي احتكر تفسيره، فكان لزاما علينا نقل المحاجات إلى التفسير نفسه، بما ورد فيه من أسباب النزول، ولعبة الناسخ والمنسوخ وما تعتريها من تناقضات، لم يعد يخفيها حتى المشتغلون التراثيون التقليديون، وهنا ظهرت كتب ومقاربات جديدة، ليس في جرأتها ووضوح أدواتها فقط، بل باستعانتها بما تحقق في البحوث الفيلولوجية والتفكيكية وما أخفاه فلاسفة في مختلف مراحل التفكير الفلسفي، من تأويلات للوحي ومحاولات للإحاطة ببعض أبعاده في اللغة والمعنى وحتى الصور التي تجلى فيها من خلال تهيئات من الصعب فصلها عن التخيلات التي تعتريها في لحظات وجد روحي صور قريبة مما عاشه السابقون من استباقات للمصير البشري والكوني.
من هنا بدأنا وتشرفنا بالفلسفة التي اعتبرنا أنفسنا من أهلها وعشاقها، وقد عايشناها عقودا من أعمارنا، وها نحن نلتقي بدون تخطيط مسبق، فوجدنا بعضنا جيرانا في الفكر بعدما كناه في جامعاتنا التي احتضنت الفلسفة دون غيرها من الجامعات، بفعل وجود رجالات لها اختاروها لتكون في أوج المواجهة نبراسا لفكر التنوير، جامعة محمد الخامس، هناك حيث عايشنا الحداثة وحتى السلفيات العنيفة وهي تصدنا صدا عن النقد بفكرها وحتى أجسادها.










































