زكية لعروسي
كاتبة مغربية مقيمة في باريس
في الأزمنة التي تذوب فيها الحدود بين الأسطورة والواقع، خرج دونالد ترامب من غبار الأبراج العالية كما يخرج زيوس من صاعقته، نمرود جديد يرتدي بدلة زرقاء ويجلس على عرش من تغريدات. لم يعد السياسي رجل دولة، بل كوكبًا يدور حول ذاته.
ترامب ليس شخصا، بل حدث كوني يتكرر كالعاصفة.
حين كتب على شبكته أن «أن تكون مائة في المائة ضد ترامب ربما غير قانوني»، لم يكن يسنّ قانونا، بل يعلن بداية زمن جديد، حيث الدولة تنحني لظل الفرد، وحيث الرأي يتحول إلى قدر.
رأيناه فوق حاملة الطائرات، لا كرئيس يتفقد الحديد والموج، بل ككاهن في معبد المعادن، يرفع صوته عن البخار والمغناطيس كما كان هرمس يهمس بالأسرار القديمة.
قال إن الماء لا يعرف ما يفعل بالكهرباء، وكأن الطبيعة نفسها تردد خلفه بصوت خافت: نعم، نحن أيضا لا نعرف.
ثم رقص على إيقاع YMCA كما كان نيرون يعزف على قيثارته فيما روما تحترق، إلا أن النيران هذه المرة لم تكن نارا من خشب، بل من صور وشاشات وكلمات.
ترامب هو مزيج غريب بين القيصر الذي يحكم من خلال المرايا والإعلانات، وفرعون الذي يرى
في ذاته مرآة الإله.
كل تغريدة له مرسوم، وكل نكتة عليه تجربة في حدود الحرية.
حتى المهرجون من برامج الليل، مثل سيث مايرز، صاروا كهنة ساخرين في معبد السخرية، لكن الإله لا يحب أن يُضحك عليه.
في زمن ترامب، القانون يرتدي وجه الأسطورة، والجدل السياسي يتحول إلى مقدس.
أن تضحك عليه جريمة، أن تؤمن به خلاص، أن تتجاهله مستحيل.
لقد أخذ من زيوس صاعقته، ومن فرعون يقينه، ومن نمرود جنونه المعمّد بالنار.
ليس ضد القانون ولا فوقه، بل هو القانون وقد استيقظ متثائبا وقال: أنا ترامب، وأنا أضع التعريف لما هو شرعي وما هو ساخر.
وسواء أحببته أم خفت منه، فستبقى تراه على شاشة التاريخ كوجه لا يغيب.
ترامب ليس الرجل الذي يحكم أمريكا. ترامب
هو الأسطورة التي تحكم خيالها. وكلما حاول العالم أن يستيقظ من حلمه، عاد الصوت من بعيد، صادحا من عمق الصواعق:
«أن تكون ضدي، فذلك ربما غير قانوني».
وفي الليلة التي تنطفئ فيها الأبراج وتخرس الشاشات، سيهبط البرق الأخير على الأرض وهو يهمس باسم واحد. سيقول التاريخ: لقد مرّ هنا رجل من نار وكلام، غضب الآلهة يسكن إبتسامته، وضحك المهرجين يتفتت عند قدميه. سيأتي بعده حكام كثيرون، وساسة لا يحصون، لكن لا أحد منهم سيحمل تلك العاصفة في عينيه. ففي نهاية الحكاية، يبقى ترامب كما هو:الإله الذي كتب دستوره في العاصفة، والرجل الذي جعل من رأيه شريعة، ومن نفسه… نبوءة لا تنتهي














































