قراءات في المنجز الفني العالمي المعاصر
إستر فرير: الجسد بين الفناء و المقاومة
بقلم: د عمر سعدون

فنان تشكيلي وباحث في الفنون المعاصرة
في صيف عام 2009، جمعتني قرية موكاكاولا بثُلّة من فناني الأداء العالميين، وذلك خلال مشاركتي في الملتقى الدولي لفن الأداء. آنذاك، كنت أقدّم عملي الأدائي الموسوم بـ”الجدارية”، وهو تجربة فنية تستند إلى تحفيز بصري متعدّد الوسائط، تمزج بين الأداء الجسدي والصوتي، وتتفاعل نصيًا مع “الجدارية” للشاعر محمود درويش.يرتكز العمل على كتابة مقاطع مختارة من النص بماء خاص (ماء جافيل) فوق ثوبٍ أسود منبسط على الأرض، ليظهر المكتوب تدريجيًا بفعل التفاعل الكيميائي، في مشهد بصري تتعاقب فيه الدلالات والرموز.
سعيت، من خلال هذا الأداء، إلى استثارة الحواس الخمس، بما في ذلك حاسة الذوق، حيث قُدّم الحليب والتمر إلى الجمهور كعربون ترحيب ودفء إنساني. وتحولت كلمات “الجدارية” في هذا السياق إلى طيف من العنف البصري، حيث سطع اللون الأحمر الناتج عن تفاعل ماء جافيل مع القماش، فاستُحضر الدم لا كرمزٍ للجرح فحسب، بل كأثرٍ دلالي مشحون يوقظ التأمل في الذات والجسد والعالم.
ورغم قوة العمل ووقعه، فإن اللقاء الأكثر عمقًا لم يكن مع الأداء نفسه، بل مع شخصية بارزة شكّلت مفصلًا حواريًا في تجربتي: امرأة احتلّت صورتها الملصق الرسمي للملتقى، وكانت تحظى بتقدير كبير في أوساط الفنانين المشاركين. إنها الرائدة الإسبانية في فن الأداء، إستر فرير، عميدة البرفورمانس في السياق الإيبيري، وصاحبة مشروع فني يتقاطع مع الفلسفة، والنسوية، والمقاومة الجمالية.

لم يكن لقاؤها حدثًا عابرًا أو مصادفة عادية، بل شكّل نقطة تحوّل نوعية، بأبعاد معرفية وشخصية عميقة، نقلت تجربتي من حيز التأمل الذاتي المحدود إلى أفق نقدي أوسع وأكثر انخراطًا في أسئلة الأداء والممارسة الثقافية. فقد أتاح نقاشنا حول مفهوم “الجدار” إمكانية إعادة النظر في الأداء، لا باعتباره مجرد إعادة إنتاج لحركات أو أنماط شكلية، بل كفعل وجودي يتسم بالمقاومة، ويحمل طابعًا تربويًا، يتجاوز الحدود الجغرافية والمعرفية في الوقت ذاته.
منذ ذلك الحين، بدأ يتشكل لديّ وعي مغاير بطبيعة الأداء، باعتباره ممارسة حيّة، آنية، عصيّة على التكرار أو الاستنساخ، تنبثق في لحظتها وتفلت من محاولات الأرشفة أو التملك المادي. لم يعد الأداء، في هذا الإطار المفاهيمي، جزءًا من منظومة الفنون التقليدية التي تقوم على العرض، وإعادة الإنتاج، والتسليع، والتخزين، بل تجاوز تلك المنظومة لينعتق من قبضة السوق وسلطة رأس المال، ويتحرر من سماسرة الفن ومنطق الاستثمار في العمل الفني. وبذلك، استعاد الأداء جوهره بوصفه فعلًا فنيًا خالصًا، متحررًا من إكراهات الاقتصاد وموجهًا نحو الفن ذاته. إنه ممارسة زمانية عابرة، نعم، لكنها مشبعة بكثافة نقدية واجتماعية، تعيد مساءلة البُنى السائدة وتفتح أفقًا جديدًا لفهم العمل الفني .
وفي هذا السياق، كانت فرير تؤكد باستمرار أن الأداء لا يُختزل في العرض أو الصورة المادية، بل يتجلّى بوصفه فنًا زائلًا، يقاوم أشكال الهيمنة البصرية والمؤسساتية. هذا التصور ينسجم بوضوح مع ما ذهبت إليه بيغي فيلان في كتابها Unmarked، حين اعتبرت أن “قوة الأداء تكمن في غيابه، في فنائه، وفي عدم قابليته للتوثيق”. من هذا المنظور، تُفهم أعمال فرير، التي لا تُنتج أثرًا ماديًا ملموسًا، باعتبارها لحظات نقدية مفتوحة، يتجاوز أثرها حدود التملك، ويستعصي على الاحتواء، مما يضفي على التجربة بُعدًا فلسفيًا وثقافيًا يتجاوز حدود العرض.
لقد تشكّلت تجربة فرير في سياق سياسي شديد القسوة، حيث نشأت في ظل نظام فرانكو القمعي، الذي كبّل الأصوات وهمّش الفنون غير المطيعة. فجاء الأداء بالنسبة لها فعلًا احتجاجيًا وملاذًا في آن. أعمالها المبكرة مع مجموعة ZAJ تميزت بالاختزال، وبالسخرية من رموز الدولة والكنيسة، وباستخدام الجسد كأداة نقدية.
وهنا تبرز أهمية التوقف عند سيرتها الفنية بإيجاز: وُلدت إستر فرير رويث (Esther Ferrer Ruiz) سنة 1937 في مدينة سان سباستيان الإسبانية. منذ 1967 التحقت بمجموعة ZAJ، التي أسسها خوان هيدالغو ووالتر ماركيتي ورامون بارثي، متأثرة بروح التجريب عند جون كيج والموسيقى الطليعية. وقد قدّمت المجموعة عروضها في قاعات كلاسيكية هربًا من رقابة نظام فرانكو، لتؤسس فعلًا فنّيًا طليعيًا يزاوج بين الأداء والموسيقى المفاهيمية. رافقت فرير المجموعة حتى تفككها سنة 1996، محتفظة بروحها التحررية ونفورها من أشكال القمع. ومن بين أعمالها المبكرة أداؤها Íntimo y Personal (1967)، حيث استخدمت جسدها وشريط خياطة كأداة قياس ومعنى. وخلال هذه المرحلة التقت بجوزيف بويز وولف فوستيل سنة 1968، ثم بجون كيج سنة 1972 في بامبلونا، الذي دعا مجموعة ZAJ إلى جولة أمريكية لاحقًا. كما شاركت عام 1978 في مشروع Il treno مع كيج وهيدالغو وماركيتي، حيث حُوِّل قطار من بولونيا إلى آلة موسيقية جماعية. ابتداءً من السبعينيات، انفتحت على الفنون التشكيلية متنقلة بين باريس وسان سباستيان، وظلت وفية لقناعتها بأن الفن فضاء حرّ للمقاومة والعيش. وقد تُوّجت مسيرتها بجائزة الفنون التشكيلية الوطنية في إسبانيا (2008) وجائزة فيلاثكيث للفنون التشكيلية (2013)، اعترافًا بمكانتها كإحدى أبرز الشخصيات المؤثرة في الفن العالمي المعاصر.

ففي عملها : << El caballero con la mano en el pecho>> أعادت قراءة رمز ديني وأبوي، لتقلب دلالته وتعيد صياغة علاقته بالأنوثة والسلطة. وهنا نجد تقاطعًا مع أطروحة جوديث بتلر، التي ترى أن الأداء إعادة تمثيل تخريبية تكشف أنّ الهوية ليست جوهرًا ثابتًا، بل أثرًا لتمثيل قهري يمكن مقاومته.
وما يميز تجربة فرير أيضًا أنّها لم تقتصر على البعد الجمالي أو السياسي، بل امتدت تربويًا. فقد تأثرت بمدرسة فرينيه، التي تؤمن بحرية التعبير والتعلم عبر الفعل والمشاركة. ومن هذا المنطلق أسّست ورشات للأطفال في مدينة سان سباستيان، لا لتعليمهم الفنّ بحد ذاته، بل لتعليمهم كيف يعبّرون عن ذواتهم بحرية. وهكذا يصبح الأداء عندها تربية على الحضور وانتزاع الصوت، وعلى إشراك الجسد في إنتاج المعنى. وهو ما يجعلها فنانة تشتغل ضد التخصص والانغلاق، متمسكة بمفهوم الفن كفضاء للحرية والمشاركة.
ومن أبرز أعمالها السياسية أداؤها “الطريق يُصنع بالمشي”، المستوحى من بيت أنطونيو ماتشادو، والذي أدّته في أماكن مختلفة، غير أنّ معناه الأعمق تجلّى حين قدّمته في فلسطين. ففي فضاء تحيط به الجدران والمستوطنات، تصبح الحركة البسيطة فعلًا سياسيًا، ويغدو السير مقاومة يومية. واليوم، مع ما تشهده غزة من إبادة ممنهجة، تكتسب هذه التجربة دلالة أشدّ إلحاحًا: فالأداء في مثل هذا السياق لا يُقدَّم كترف جمالي، بل كصرخة جسدية ضد المحو، وكأنّ فرير تعود من فلسطين إلى العالم لتذكّر بأن الجسد ما يزال موقعًا للمواجهة.
بعد سنوات من لقائنا، تواصلت مع فرير وهنأتها على فوزها بجائزة فيلاثكيث للفنون التشكيلية سنة 2013، التي تُعدّ من أرفع الجوائز الإسبانية. وقد جاء في حيثيات منح الجائزة أنّ عملها يتسم بالانسجام والصرامة الفكرية على مدى خمسة عقود. لكنّ هذا الاعتراف، بالنسبة لي، لم يكن مجرد تتويج لمسيرة شخصية، بل اعترافًا ضمنيًا بدور الأداء كفنّ مفهومي تحرري، يعيد للجسد مكانته نصًا قائمًا بذاته، وحلبة رمزية للصراع، وأداة لتفكيك السلطة وإعادة التفكير في علاقة الفن بالعالم.
وإذا استعرنا من ريتشارد ششنر رؤيته للأداء كطقس اجتماعي يعيد تنظيم العلاقات، فإنّ أعمال فرير تجسّد ذلك بانفتاحها على الفضاء العام وصياغتها لحدث جماعي لا يقتصر على الاستعراض. كما تتقاطع مع ما طرحه هانس تيس ليمان في كتابه المسرح ما بعد الدرامي، الذي يؤكد أنّ المسرح الجديد لم يعد قائمًا على النص أو الحبكة، بل على الكثافة الجسدية والبصرية. وقد جسّدت فرير هذا التحوّل بالفعل، حيث لا نهاية ولا حبكة، بل فضاءات مفتوحة للتأويل والمشاركة، لتصبح فنانة تمارس ما نظّر له الآخرون دون ادعاء، مقدّمة مختبرًا حيًا لفهم الأداء لا كفن نخبوي، بل كمجال للمقاومة والحرية والشكّ.
لقد ساهمت إستر فرير في تثبيت فن الأداء داخل كبريات المحافل الدولية بوصفه Arte de Acción (آرته دي أكثيون)؛ أي فن الفعل أو الممارسة الحدثية، وهو المصطلح الذي يستعمله الإسبان للدلالة على الطابع الطقوسي والآني للأداء. في السياق العربي، اقترح خالد أمين مقابله بمفهوم “الفرجة”، بما تحمله من أبعاد أنثروبولوجية واجتماعية تتجاوز مجرد المشاهدة إلى فعل تشاركي يُنتج المعنى داخل الجماعة. هذا التداخل المفهومي يكشف أن تجربة فرير لم تكن مجرد مسار فني، بل إسهامًا في إعادة تعريف الأداء باعتباره ممارسة مقاومة، تربوية، وسياسية في آنٍ واحد. فهي جعلت من الجسد نصًّا نقديًا حيًّا ومفتوحًا، ومن اللحظة الحاضرة أفقًا للتفكير في علاقة الفن بالسلطة والمجتمع. ومع استدعاء هذه التجربة اليوم في ظل السياقات الصراعية، كما في فلسطين وغزة تحديدًا، يتأكد أنّ الأداء عند فرير ليس أداة جمالية محايدة، بل ممارسة منخرطة في العالم، مشبعة بالمسؤولية الأخلاقية والنقدية. ومن هنا تبرز قيمته النظرية بوصفه أفقًا لمساءلة علاقة الفن بالكرامة الإنسانية وبالمقاومة الثقافية، بعيدًا عن التمثيل الشكلي أو الاستعراض الفارغ.
- الصورة 1 : صورة الفنانة استر فرير.
- الصورة 2: كانت حاضرة هناك: إستِر فيرير في فضاء الأداء.
- الصورة 3: «إيستر فيرير: في إطار الفن» (2014)
من منصّة AWARE – فنانات نساء.
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن










































