الوثيقة الأمريكية وخاصة في الفقرة الرابعة منها أن المجلس “يرحب بالدعم الواسع الذي حظي به مقترح الحكم الذاتي المغربي”، ويعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر جدوى”
د. مصطفى الغاشي
أكاديمي وكاتب من المغرب
يعيش المغرب ومعه العالم لحظة تاريخية طال انتظارها لأكثر من خمسة عقود في انتظار حل عادل للوحدة الترابية مع أطراف النزاع تحديدا الجزائر وجبهة البوليساريو الوهمية.. فخلال الأيام القليلة الماضية وبعد انتصارات دبلوماسية دولية: اعتراف مجموعة من الدول الفاعلة من حيث الوزن الدولي، فرنسا، أسبانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الدول السكوندنافية….إلخ. أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على الخطوة التاريخية الجريئة، عندما قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشروع مسودة قرار إلى مجلس الأمن الدولي يؤكد فيها السيادة الكاملة للمملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، واعتبار مقترح الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، الصيغة الأنسب والنهائية كمرجع أساسي لأي مقترح تسوية مستقبلية، واضعًا بذلك الحكومة الجزائري وجبهة البوليساريو أمام معادلة صعبة: اما القبول بالمقترح السياسي لطي الملف أو اعتبار الجبهة منظمة إرهابية معادية للأمن والسلم الدوليين. وبذلك تكون الإدارة الأمريكية الحالية قد عبّرت عن “دعم ثابت للشرعية القانونية التي يمارسها المغرب على أراضيه الجنوبية”، معتبرة أن استمرار الوضع الراهن “يُهدد السلم والاستقرار الإقليميين، ويخدم أجندات انفصالية غير شرعية”.
وبناء على ذلك أسفرت التحركات الدبلوماسية المغربية والأمريكية في أروقة مجلس الأمن عن مقترح تعديل ولاية بعثة “المينورسو” بما يتلاءم مع المستجدات الميدانية والسياسية، في اتجاه تكريس سيادة المغرب على صحرائه، مع إنهاء كل أشكال الاستغلال السياسي والإنساني في مخيمات تندوف التي تسيطر عليها جبهة البوليساريو بدعم من النظام الجزائري (الانتهاكات الخطيرة ضد النساء والأطفال وسرقة المساعدات الإنسانية والاتجار فيهآ… في خرق سافر للمواثيق الدولية) .
ومما لاشك فيه أن الموقف الأمريكي بقيادة الرئيس ترامب يعد في نظر المحللين السياسيين تحولًا استراتيجيًا يؤثر في الموقف الدولي من ملف الصراع في الصحراء المغربية، وفي نفس الوقت صفعة قوية للنظام الجزائري الذي فقد آخر أوراقه الفاشلة أمام الإجماع الدولي الداعم للوحدة الترابية للمغرب.
وأمام التراجع الجزائري الواضح عن مواقفه السابقة بخصوص الصراع، تسعى جبهة البوليساريو إلى محاولة التأثير في مشروع القرار الأمريكي في محاولة يائسة لن يكون لهآ اي مفعول عند التصويت على القرار الأمريكي خلال الأيام القادمة…(وجهت جبهة البوليساريو رسالة مستعجلة إلى رئيس مجلس الأمن عبر السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا، عبّرت فيها عن اعتراضها الصريح على مشروع القرار الأمريكي المتعلق ببعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية (المينورسو)، معتبرة أنه “يعكس انحرافا خطيرا” و”ينحاز بشكل واضح للموقف المغربي”، وفق تعبيرها).
وبناء على ذلك فإن جبهة البوليساريو وفي موقف استباقي أعلنت عدم المشاركة في مفاوضات مستقبلية بناء على المشروع الأمريكي الذي تعتبره -حسب زعمها- يهدد بالانفحار وتصعيد في الصراعات والتوترات في الصحراء ولا يساعد في حلحلة القضية.
لقد تضمنت الوثيقة الأمريكية وخاصة في الفقرة الرابعة منها أن المجلس “يرحب بالدعم الواسع الذي حظي به مقترح الحكم الذاتي المغربي”، ويعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر جدوى”، وهي إشارة واضحة إلى رغبة مجلس الأمن في طي هذا الملف بشكل نهائي والشروع في مفاوضات مباشرة بدون شروط مسبقة بين أطراف النزاع.
لقد أضحى واضحا وبشكل لا لُبس فيه ان تبني خطة الحكم الذاتي المغربية، هي الأساس لأي حل سلمي في المنطقة، معترفًا به كشكل من أشكال تقرير المصير، باعتبارها الحل الوحيد. وهو ما يجعل الجارة الجزائر في موقف غير محسود عليه على الصعيد الدولي وفي مجلس الأمن، وسقوط نظرية الانفصال التي لا تقوم على اي أساس تاريخي وسياسي.
وعلى هذا الأساس، فضلت الجزائر من خلال وسائل إعلامها عدم المشاركة في جلسة التصويت بمجلس الأمن على اعتبار ان المشروع الأمريكي منحاز للمغرب: «من غير المتوقع أن تصوت الجزائر على قرار مجلس الأمن القادم بشأن الصحراء الغربية!!!!، والذي من المقرر أن يكرس السيادة المغربية على هذا الإقليم… وتظل الجزائر متمسكة بشدة بمبدأ تنظيم استفتاء».(الصحافة الجزائرية ). فالنظام الجزائري يدرك مسبقا أن التصويت ضد القرار سيعرضه لعزلة دبلوماسية مميتة، وأن التصويت لصالح القرار يعني الاعتراف بخطة الحكم الذاتي المغربية.
وبما أن الامتناع عن التصويت هو شكل من أشكال عدم التنديد بمضمون القرار، يفضل نظام الجزائر حظر نفسه من التصويت عليه. إذن، فإن عدم المشاركة في التصويت هو ما يعلنه النظام الجزائري قبل أسبوع من موعد اعتماد القرار. وهذا اعتراف بالعجز، وإقرار بفشل ذريع يتم تخفيفه في محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه في ملف بات يفلت من بين يديه.
ان تبني مجلس الأمن للحكم الذاتي بالصحراء كحل وحيد ومناسب تحت السيادة المغربية يشكل «الإطار الوحيد » للتوصل إلى حل لنزاع عمر لخمسة عقود، وبالنتيجة فإنه بذلك، يقضي بشكل نهائي على وهم أن الصحراء هي «آخر مستعمرة في إفريقيا»، ليعوضه بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وعقلاني.
إن مشروع قرار مجلس الأمن لا يكتفي بتمديد ولاية تقنية. بل يعيد رسم الإطار السياسي لملف الصحراء. فمن خلال الاعتراف بصلاحية خطة الحكم الذاتي المغربية، وإشراك الجزائر بشكل مباشر، والتلميح الى نهاية أو تحويل بعثة المينورسو، وتحديد موعد نهائي دقيق، يكون مجلس الأمن قد طوى صفحة خمسين عاماً من الغموض والتردد والارتباك.
وبالعودة إلى المغرب، وفي سياق التفاعل الإيجابي الذي تحرزه الدبلوماسية المغربية على الصعيد الدولي، وفي إطار نظرية المبادرة والمرافعة بدل رد الفعل التي تحدث عنها العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب العرش للسنة الماضية، أكد الملك في الخطاب الأخير في تموز/ يوليوز 2025، على مبادرة الحكم الذاتي كحل حصري لنزاع الصحراء، معربًا عن الاعتزاز بالدعم الدولي المتزايد لها، خاصة من أسبانيا وفرنسا بريطانيا والبرتغال… وشدد الملك على أن المغرب منفتح على حل توافقي لا غالب فيه ولا مغلوب، في إشارة واضحة إلى باقي أطراف النزاع بما يحفظ الكرامة وماء الوجه. خاصة وأن المغرب لم يبني مشروع الحكم الذاتي على اساس سياسي فقط بل اقتصادي تنموي حول الأقاليم الصحراوية إلى نموذج في التحول الاقتصادي والاجتماعي والمدني وهو ما اثار انتباه المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، أبرز الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تقريره الأخير إلى مجلس الأمن الدولي حول الصحراء المغربية، أهمية الجهود الكبرى المبذولة لتحقيق التنمية السوسيو-اقتصادية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، لفائدة الساكنة المحلية. واستعرض على الخصوص، المشاريع الاستراتيجية في مجال البنيات التحتية من قبيل الطرق السيارة والموانئ والمطارات، وفي مجال الطاقات المتجددة، والكهرباء، والتعليم والصحة، وكذا باقي القطاعات الاجتماعية….إلخ. كما تطرق السيد غوتيريش أيضا إلى نتائج الإحصاء الذي أجرته السلطات المغربية في شتنبر 2024، والذي أظهر زيادة هامة في تعداد ساكنة الأقاليم الجنوبية للمملكة، إذ انتقل من 450 ألف إلى 600 ألف نسمة، مقارنة بسنة 2014. ويجسد هذا المؤشر، الذي يحمل دلالات قوية، الجاذبية التي تتمتع بها هذه الأقاليم المغربية وجودة العيش داخلها، مما يحفز استقرار عدد أكبر من الأشخاص، موازاة مع ارتفاع في معدل الولادات. وحرص الأمين العام للأمم المتحدة على الإشارة إلى تنظيم الفعاليات الدبلوماسية والثقافية والرياضية في الصحراء المغربية، مما يعكس الإشعاع الذي تحظى به الأقاليم الجنوبية على الصعيدين الوطني والدولي.
بناء على كل ما سبق، وبالنظر إلى مرور نصف قرن على المسيرة الخضراء والذي يصادف مصادقة مجلس الأمن على قرار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وبالنظر أيضا إلى الإجماع الدولي بخصوص قضية وحدتنا الترابية…. فإن الإحتفال المغربي لهذه السنة بذكرى المسيرة الخضراء سيكون حدثا استثنائيا على جميع الأصعدة تتويجا للتضحيات ونضالات والكفاح المستمر للشعب المغربي، إيمانًا منه بعدالة قضيته الوطنية. وحتى تكون لهذا الإحتفال رمزية بالغة فإن الأقاليم الجنوبية للمملكة وتحديدا مدينة العيون من المرتقب أن تحتضن هذا الإحتفال بشكل رسمي وبحضور الملك، في أجواء تغمرها مشاعر الفخر والاعتزاز بالانتماء للمغرب. في خطوة تحمل رمزية قوية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك السيادة الكاملة للمغرب على صحرائه وتجسد عمق ارتباط العرش بالشعب في ربوع الوطن.
ان نصف قرن من التضحيات لم تكن تكلفتها هينة على الشعب المغربي بل باهظة الثمن ليس من الناحية العسكرية بل التنموية على الخصوص، فقد تحولت الأقاليم الجنوبية الى نموذج تنموي متكامل، بفضل المشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والطرق والموانئ والاتصالات. فمدينة العيون اليوم ليست فقط رمزاً وطنياً، بل أصبحت مركزاً اقتصادياً متطوراً يربط المغرب بعمقه الإفريقي، في وقت تتواصل فيه الجهود لجعلها قطباً حضرياً متكاملاً يواكب الرؤية التنموية الشاملة للمملكة.
لقد صدق من قال: ما يمكن تحقيقه في السلم أكثر مما يمكن تحقيقه في الحرب، وهذا ما ينطبق بشكل جلي على واقع السياسة الدبلوماسية بالمغرب في تعاطيها مع ملف الوحدة الترابية، انتصارات متتاليه ابهرت المجتمع الدولي من خلال ما حققته على مستوى الترافع والاقناع. بل بالعمل والبناء والوفاء للمبادئ والثوابت الوطنية التي أسست للمغرب الحديث.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

















































عذراً التعليقات مغلقة