متلازمة ستوكهولم العراقية

14 أكتوبر 2025
متلازمة ستوكهولم العراقية

فاروق الدباغ

السويد

من المدهش أن تكتب مقالة رأي نقدية في بلد ديمقراطي كالسّويد، لتجد نفسك ملاحَقًا بالشتائم والتهديدات من بعض أبناء جلدتك، الذين فرّوا أصلاً من بلدانهم هربًا من القمع، ثم صاروا اليوم يدافعون عن جلّاديهم.
لقد نُشرت مقالتي الأخيرة في الكومبس وقريش ومنصّات أخرى، انتقدتُ فيها اللقاء الأخير بين وزير الداخلية العراقي ونظيره السويدي، بصفته لقاء بين فشلين يحاول كلّ منهما تلميع صورته على حساب الحقيقة.
المقال أحدث ضجيجًا واسعًا، وحرّك جحافل الجهل الجمعي، فانهالت عليّ التهم الجاهزة: بعثي، طائفي، إرهابي… وكأنّ كل من يكتب خارج النص الرسمي يصبح خائنًا بالضرورة.

لكنّ ما يثير الشفقة أكثر من الغضب، هو رؤية بعض من يسمّون أنفسهم “مثقفين” يعيشون في السويد، يتمتعون بخيراتها وحرياتها، ويُعالَجون في مستشفياتها، ويتقاضون مساعداتها الاجتماعية، ثمّ يقفون موقف الدفاع عن الأنظمة التي دمّرت أوطانهم.
إنها باختصار ما يسميه علم النفس بـ متلازمة ستوكهولم — عندما تقع الضحية في حبّ جلادها وتدافع عنه باستماتة.
كيف يمكن لإنسان يعيش في مجتمع يحترم القانون والكرامة أن يدافع عن سلطة جعلت من العراق سجنًا مفتوحًا؟
كيف يبرّر من يعيش في دولة العدالة والشفافية، نظامًا في بلده الأصلي يقوم على الرشوة والمحسوبية والتعذيب؟
أليست السجون العراقية اليوم مليئة بشباب يُغتصبون ويُعذَّبون؟
أليست المحاكم مسيّسة؟
أليست الحكومة غارقة في فضائح جنسية وتسجيلات فاضحة تُستخدم كسلاح سياسي؟
ألا يئنّ المجتمع من موجة جريمةٍ وعنفٍ أسريّ ومخدراتٍ تفتك بالشباب والنساء؟
الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من 73% من ضحايا العنف الأسري في العراق نساء.
في بلدٍ يُفترض أن الدين فيه رادع والفضيلة فيه شعار، تُغتصب النساء ويُباع الأطفال في سوق السياسة والمال، وتُشترى الذمم في البرلمان كما تُشترى السلع في السوق.

الأحزاب تحكم عبر الميليشيات، والميليشيات تحكم عبر السلاح، والسلاح يحكم عبر الخوف.
الفساد يملك مفاتيح الوزارات، والولاء لإيران يحدد من يترقى ومن يُقصى، بينما المثقفون المزيّفون في أوروبا يصرخون دفاعًا عن هذا الخراب باسم الوطنية أو الدين أو “الهوية”.
أيّ وطنٍ هذا الذي تريدون الدفاع عنه؟
وطنٌ يُهان فيه الإنسان، ويُكافأ فيه الفاسد، ويُقتل فيه الصوت الحرّ؟
أنا لست سياسيًا، ولا يشرفني أن أكون واحدًا من هذه الطبقة الغارقة في النفاق.
أنا ابن العراق الذي يحب شعبه ويخاف على مستقبله.
كتبت لأنّ قلبي يوجعه هذا الانهيار القيمي والأخلاقي والعلمي الذي بلع البلاد حتى آخر رمق.
كتبت لأنّ الصمت صار مشاركة في الجريمة.
كتبت لأنّ الحقيقة، وإن كانت مرة، تبقى أنبل من ألف كذبة مغلّفة بالوطنية الكاذبة.
نداء مفتوح إلى من يهاجمون الفكر بالكراهية

إلى كل من يهاجمني أو يختلف معي في الرأي،
أقولها بوضوح: تعالوا إلى ساحة الفكر لا إلى ساحة الشتائم.
هاتوا حججكم وأدلتكم، لا فتاواكم ونصوصكم الجاهزة.
النقاش لا يُخاض بالعصبية أو التخوين، بل بالعقل والمنطق والبيّنة.

أنا مستعدّ لمناظرة علنية، أمام الكاميرا أو على أي منصة إعلامية،
مع كل من يملك الجرأة الفكرية أن يدافع عن آرائه بالحجة لا بالصراخ،
وبالبرهان العلمي لا بالمقدّس المسلّح بالعنف اللفظي.

من يظن أنه قادر على دحض ما أكتب، فليتفضل.
ليقدّم مقال رأي يواجه فيه فكرتي بالفكر، لا بالاتهامات.
لتكن لدينا الشجاعة جميعًا لنضع الحقيقة على الطاولة،
ولنثبت للناس أن الاختلاف لا يُخيف إلا الضعيف.

أما أولئك الذين لا يملكون سوى التخوين،
فهم ليسوا خصومي في الرأي، بل خصوم العقل ذاته.
والعقل – كما التاريخ – لا يرحم من يهرب من الضوء إلى ظلام الجهل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com