عناصر الشعر الجمالية وأبعاده الدلالية في مجموعة ” سأعبر جسر القصيدة “

16 أكتوبر 2025
عناصر الشعر الجمالية وأبعاده الدلالية في مجموعة ” سأعبر جسر القصيدة “

عبد نبي بزاز

كاتب من المغرب

ينتظم مجموعة ” سأعبر جسر القصيدة ” الشعرية للشاعرة المغربية سعاد بازي المرابط نسق تتعدد أدواته الإيقاعية ، وعناصره المجازية ، وأبعاده  الدلالية . فعلى مستوى الإيقاع فقد خلق تجانس حروفه وتماثلها نبرة داخلية بتكرار نفس الحرف أو الحروف في أواخر بعض مقاطعه مما خلق نبرة خارجية كسرت نثريتها ، وأضفت عليها جْرسا موسيقيا  ناتجا عن تناغم حروفها وتجانسها ، وهو ما لاحطناه في قولها مثلا : ” لأن غصني ترعرع فوق دفتر شعر / فطرة و فكرة …” ص 19 ، بما شَكَّله تكرار حرف الراء والعين من إيقاع داخلي أضفى على المقاطع الشعرية وزنا نابعا من إعادة نفس الحروف وتواترها : ” رفضت، / عربدت ، /  بعد أن تحرشت بحبري، / بصمتي ، / لتنقذني  عند منتصف القهر … ” ص 38، في توالي لحرفيْ التاء  ، والراء اللذيْن أنتجا جَرْسا تتجاذبه الليونة والرخاوة في التاء ، والشدة والجهر في الراء ، وخارجي كما في حرف التاء الذي تنتهي به عبارات في القول :

” لأفض بعض النزاعات ،/ ثم أجري دون غارات … ” ص 30، وحرف اللام في : ” أمكث طويلا في الهزيع الأول … / قبل أن أجزم الملل تسلل / إلى عيون الأمل .. ” ص43، والراء متمثلا في : ” بعد زخات الضجر، / أرقص بلساني / رقصة الغجر ./ حبلى ، / أرقص على حبال الكلمات / دون حذر .” ص46، وحرف النون حيث نقرأ : ” قبل أني ../ وأني .. / وأني …” ص65 ، وكلها حروف تنتظم لتشكيل إيقاع داخلي وخارجي يمنح عبارات مقاطع النصوص نبرات غنية ومتنوعة . كما انمازت نصوص المجموعة بنزعة مجازية على شكل أساليب وصيغ متعددة تبرز بدءا من النص الأول ” قطعا لست أنا ” حيث نقرأ : ” الآن صرت أتوسد ذراع فكرة ” ص8 ، حين يصبح للفكرة ذراعا تتوسدها الشاعرة التي يغدو صدرها مدخنة : ” ليصير صدري مدخنة . ” ص9، وللحب أجنحة :

” الحب كالطيران / لابد له من الأجنحة … ” ص 15 ،هذا الحب الذي يبحث عن أجنحة يحلق عبرها في أجواء شاهقة لاستشراف امتدادات يعمها التوق المتجدد ، والمتعة المتوهجة  والشغف الطافح . وللشكوى كؤوس طافحة لا يجف ماؤها ولا ينضب : ” يفرغ كؤوس الشكوى … ” ص 31، وللضجر زخات : ” بعد زخات الضجر… ” ص 46، وللكلام حقول تطأها الأقدام وتمشي فوقها :

” بعد أن ذرعت حقول الكلام / طولا وعرضا . ” ص 50، ويتحول النص ،  كشكل إبداعي ،إلى  قهوة تحتسى : ” أشرب نصا مرا كقهوة … ” ص 65 . وارتباطا بغزارة العنصر المجازي ، وما أفرزه من صور وأشكال ذات سمات جمالية ودلالية بصيغ تصويرية وتعبيرية لافتة وبارزة ضمنها التشبيه بمختلف أنواعه ؛ في اقتران بالكاف : ” أتوقد كالشرر … ” ص 16، و : ” أصلب كلوحة على جدار … ” ص17، وبشكل ضمني : ” ما عاد يغريني مطر حديثك … ” ص 27، في تشبيه الحديث بالمطر، والإنسان بالعاصفة : ” اعتبرني عاصفة رملية غيرت الاتجاه … ” ص 28، وبصيغة أخرى متجردا ، أي التشبيه ، من الأداة : ” ما أنا إلا نعامة مختفية / في رمال الحروف … ” ص 65 ، كما تضمنت ثنايا المجموعة تعابير مختلفة من حيث الصياغة والمعنى في انزياح عن المألوف والشائع كما نقرأ : ” فانا أحيانا أجيب عندما لا أجيب .. ” ص28 ، وما تفتحه العبارة من أفق تأويل يقترن بطبيعة الإجابة التي يعتبر فيها عدم الإجابة إجابة ! والريح و حديثها ، فيما تجترحه من حوار مع الموج : ” قالت الريح أنا المحو بإيعاز من الموج ./ نفى الموج ونسب الفعل للريح ..” ص 38، واعتبار الخواء شخصا : ” الخواء ليس شخصا سيئا … ” ص 58، تنتفي فيه صفة السوء ، وتحويل الاهتمامات إلى مروحة لتلطيف  الحرارة : ” يُلطف الحر بمروحة اهتماماتي … ” ص63، واحتساء الظلام للأفراح بعد تعليبها : ” أنعت الظلام بالأخرق المعتوه / لأنه علب يوما  ما الأفراح / ليحتسيها على مهل .. ” ص 91، مما خلع عليه صفة الصفاقة والعته . ورغم الأشكال العديدة للجانب الجمالي داخل نسق المتن الشعري من أساليب الإيقاع  والمجاز فإنه تناول موضوعات عدة مثل الشعر الذي تقول فيه الشاعرة  : ” الشعر نفاذ / كالعطر/   كالحرائق … ” ص 24، فهو يتغلغل في بواطن النفس ، ويحرك كوامنها ، ويشيع عطره في القلوب والحنايا ، ويتوهج ، مشتعلا كالحرائق التي تستعصي على الإخماد ، وعلاقة الشاعرة به ، أي الشعر ، عبر طقوس تتجسد في أماكن من قبيل مقصورات القطار ، وقاعات الانتظار :

” أكون أشعر عندما يسود اللغو / في مقصورات القطار ، / في قاعات الانتظار .. ” ص75، وما يعمها من لغط وجلبة تحرك فوضاها اللواعج ، وتتسرب إلى الخبايا ملهمة ومنيرة في إيثار لحالة اللغو عن حالات الهدوء والسكينة ، ثم ما تفتأ تنتقل لوصف وضعية الشعر ، والتي  تعج بنواقص وهنات كما تعبر عن ذلك في قولها  : ” النصوص الضعيفة الآن تخجل ، / لأنها كعباد الشمس / أينما مال النور تميل . ” ص 23، وما يمثله ذلك من انحراف وزوغان عن سمو الشعر وصدقيته . وموضوع الحب في تصاد وتماه مع الشعر :

” أيها الحب الذي أصبح كالشعر …/  الحب كالنص الشعري / له حجر الأساس … ” ص 15، والذي يعج بضروب خيال تحلق به في  آفاق شاسعة ، وأجواء رحبة : ” الحب كالطيران / لابد له من الأجنحة ،/ من الريش ، / ومن الريح . ” ص15 ، في استعمال لمفردات من معجم الطيران ( الأجنحة ، الريش ، الريح ) ، وموضوع المفارقة في شقها الأدبي الإبداعي ؛ حيث يتم الاحتفاء بالشعراء في بلدان متقدمة كفرنسا ، بينما يظل الالتفات إلى وضعهم الاعتباري في بلد الشاعرة حلما يصعب بلوغه : ” تحلم أن يحتفي وطنها / ذات عمر بميلاد الشعراء / كما تحتفي فرنسا ب « رامبو« . ” ص 85، موازاة مع ما تزخر به المجموعة الشعرية من ثنائيات ضدية : ” وأقيم عرسا أو مأتما على ورق… ” ص19 ، فيقابل العرس المأتم ، والقلة الكثرة في قولها : ” أبصر قليلا / أحب كثيرا … ” ص 46، وموضوع التاريخ الذي تجسده  أحداث وطنية كالمسيرة الخضراء التي شارك فيها ثلاثمائة وخمسين ألف من المتطوعات والمتطوعين : ” بعد الثلاث مائة وخمسين ألف مشاء للمسير ة الخضراء.. ” ص 88، وحدث انتشار وباء كورونا ، وما أحاط به من جدل ونقاش حول جدوى التلقيح وفعاليته : ” الآن لم أتحمس للاحتجاج ضد التلقيح المشبوه ، / مددت ذراعي ثلاثا عن  طواعية ، / لأنني مولعة بالسفر / إلى حد السفر / أو الموت .. ” ص88، في إشارة إلى إلزامية التلقيح لمن يرغب في السفر خصوصا خارج الوطن مما حتم عليها استنفاد جرعات التلقيح الثلاث ، وما صاحب ذلك من تنديد واستنكار في صفوف فئات عريضة من المواطنين ؛ ومنهم من امتنع عن أخذ التلقيح كاملا أو اكتفى بجرعة أو جرعتين . ولا تفوت الإشارة كذلك إلى عنصر” الأنا ” وما أضفاه على نصوص الأضمومة من بوح لا يخلو من جمالية في التعبير والمعنى وهو ما يطالعنا من أول عنوان لأول نص ” قطعا لست أنا ” ليتواصل مده وامتداده في بقية النصوص حيث تقول الشاعرة في ” هكذا أنا ” : ” هكذا أنا ، / عندما يضل النهر عن مجراه / أصبح على أهبة لأصير ساقية … ” ص12، في تفاعل مع جريان مياه النهر وتتحول ، الشاعرة ، إلى ساقية تستقبل هده المياه الزائغة عن منبعها ، وإلى شجرة : ” أنا الشجرة التي يسيل دمها / عند قطع الأغصان … ” ص13، مع تصوير ما تتعرض له الشجرة من ألم  ناجم عن بتر أغصانها ، وما يشكله ذلك من حيف وجور تتقاسمه معها أنا الشاعرة متحملة وزر الإحساس الممض ببترجزء من ذاتها وكيانها ظلما وتعسفا . مع طرح سؤال يستجلي أغوار كينونة الهوية وعلاقتها المستشكلة في مدى ارتباط الذات بالذات ! مفصحة عن ذلك : ” فهل كنت يوما ” أنا ” ؟ خالية الوفاض إلا من أنا ؟ ” ص 41، لتنفتح الأنا على آفاق لامتناهية ولا محدودة : ” هي ذي أنا / التي .. / والتي .. / والتي … ” ص 67.

كما ورد ذكر مجموعة من أعلام من سياسيين ك ” بروتس ” الروماني والذي شغل منصب عضو مجلس الشيوخ الروماني ، وعرف بمشاركته في مؤامرة اغتيال يوليوس قيصر ، وتشي جيفارا قائد الثورة الكوبية : ” ربما «قيصر« أيضا / كان سيقول ل« بروتس «  / أنا أستحق . ” ص47، ودينيين كأبي ذر الغفاري : ” أم أنك ستتوه / بين مسبحة « أبي ذر … ” ، وعلماء اجتماع كابن خلدون : ” والشعراء النظامين / الذين تنبأ « ابن خلدون «…/ لتواجدهم الطافي. ” ص 50، وشعراء من قبيل الشاعر العباسي أبي نواس : ” ودن أبي نواس .. ” ص73،  والعراقية نازك الملائكة ، والفلسطينية فدوى طوقان : ” أقتفي أثر نازك أو فدوى . ” ص99. وهوما يعبر عن مدى اطلاع الشاعرة الواسع ،وانفتاحها على شتى ألوان الفكر والسياسة والإبداع وصنوفها.

ديوان ” ساعبر جسر القصيدة ” يحظى بميزات وخاصيات إبداعية عديدة اعتمادا على أدوات وعناصر مجازية وإيقاعية ودلالية أكسبتها مقدرات تعبيرية بارزة على مستوى طرائق التصوير والصياغة والتشكيل. 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com