واجهة جديدة لمحاولة بئيسة لإعادة إنتاج الوصاية على وعي الشباب المغربي و الركوب على مطالبه العادلة
.
ايمان الرازي
فاعلة سياسية ونقابية وأكاديمية مغربية
صادفتني ككل رواد وسائل التواصل الاجتماعي رسالة معنونة ب *حان وقت التحرك في العمق* وموجهة إلى رئيس الدولة وملك البلاد في ظاهرها، لكنها في عمقها واجهة جديدة لمحاولة بئيسة لإعادة إنتاج الوصاية على وعي الشباب المغربي و الركوب على مطالبه العادلة، فمن صاغ هذه الرسالة يتحدث بلسان الأجيال الجديدة، بلغة تنتمي إلى زمن الوصاية، وباسم الشعب مدعيا امتلاك الحقيقة المطلقة، دون أن يرف له جفن أمام حجم الخداع الذي يمارس على الرأي العام، وأن من سيقرأ هذه الرسالة لا يحتاج إلى كثير من الجهد ليكتشف أن مضمونها لا يعدو أن يكون محاولة مكشوفة للالتفاف على المطالب المشروعة التي عبّر عنها الشباب في الشوارع والفضاءات الرقمية، بتحويلها إلى شعارات “متجاوزة” تفرغها من بعدها الاحتجاجي المشروع، وتعيد توجيهها نحو سطو علني يسعى إلى التفاوض على أنقاض الغضب الشبابي.
ما يثير الانتباه في ذات الرسالة هو ادعاؤها البين الحديث باسم جيل “z” وكأن هذا الجيل يحتاج من يتحدث باسمه, ولا إلى وسطاء يحتضنون صوته. فهو جيل واعٍ، مبدع، ووطني حد النخاع، يعرف تماما من أين ينزف الجرح، ويعبر عن ذاته بوسائله الخاصة دون وصاية ولا تجبر من أحد، وأن كل محاولات احتوائه برسائل ناعمة أو استغلال حراكه لخدمة مصالح ضيقة مرفوضة، متناسين أن الشباب الذين خرجوا وصرخوا في وجه الحكومة وسياساتها اللا شعبية، لا ينتظرون ممن يحسبون على النخب المترهلة والمترددة أن تمنحهم شرعية التعبير، فهم يدركون تمام الإدراك بأن هذه الأصوات “الوسيطة” ما هي إلا أدوات مقننة للركوب على الموجة واقتناص الفرص والاتجار في المآسي..
فالمتحدثون باسم هذا الجيل من الذين يزعمون تمثيله، بينما يتحدثون بلغة الخشب المتعالية التي تُعيد إنتاج منطق الوصاية السياسية الذي لفظه المغاربة منذ زمن، وأن ما أرادوه من خلالة هذه الرسالة كإجراء إصلاحي، ليس في الحقيقة إلا وثيقة لتدجين الوعي الجماعي وتفريغ الحراك الشبابي من قوته النقدية ومن نبضه الشعبي الحر رغم لغتها المرتبة ظاهريا، التي تعيد إنتاج منطق الوصاية على الدولة وعلى المجتمع معا. فهي تتحدث عن “مصالحة الدولة مع المجتمع” بينما تتغاضى عن حقيقة الصراع بين القوى الاجتماعية التي تصنع الثروة وتلك التي تحتكرها. تتحدث عن “الأمل في النفوس” لكنها تتجاهل الأسباب البنيوية لليأس: البطالة، الفوارق الطبقية والمجالية، واحتكار القرار السياسي من قبل فئات متغولة. ثم ترفع شعار “الإصلاح في العمق”، لكنها تتجاهل أن أي إصلاح لا يمر عبر القطع مع اقتصاد الريع ومراكز النفوذ المالي والسياسي ، وكأن مشاكل البلد ستحل بالندوات والبيانات لا بالسياسات الجريئة التي تعيد النظر جذريا في توزيع الثروة وتربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما الحديث عن “فتح حوار وطني شامل” فهو فرض للتوجيه على الملك وهذا أمر غير مقبول بتاتا، فمنذ متى احتاج الملك لمن يعطيه دروسا في الإنسانية، ومنذ متى طالبه المعارضون بتقديم التعازي لأحد أو أن يرتب أولوياته حسب هواهم أو ينتظر صفارة الإنذار من أحدهم، متناسين أن الملك أدواره مؤطرة دستوريا وأنه هو من يوجّه وليس العكس، وأن الرسالة المعلومة تفريغ للاحتجاج من مضمونه الحضاري، وأن الملك لا ينتظر رسائل من فوق/ تحت وأن الشباب بدورهم لا ينتظرون من يكون سفيرا فوق العادة لاحتياجاتهم الفردية والجماعية لأنهم يطالبون بالعدالة الاجتماعية والكرامة والحرية الحقيقية، لا بالبيانات الإنشائية التي تصدر من ذوات أنانية متضخمة، وأنه لا بد من التأكيد الحازم على أنه لا يحق لأي كان أن يجعل من الانتقاد ستارا للمساس بثوابت الوطن أو توجيه المؤسسة الملكية التي تشكل الضامن لوحدة الدولة واستقرارها.
إن أخطر ما في هذه الرسالة هو محاولتها إعادة رسم حدود المسموح والممنوع في الفعل الاحتجاجي، وتوجيه الحراك نحو قنوات التدمير بدل التغيير. هي ليست نداء للإصلاح أو التعاقد، بل محاولة لرسم موقع جديد يسمح بالإمساك بزمام المبادرة من طرف من لا مكان له في السياسة والشارع. لذلك، فإن الرد الحقيقي على هذه الرسائل ليس بنقاشها لكن بتعرية خلفياتها ومقاصدها، وأن من يتحدث باسم الشباب دون أن يعيش معاناتهم اليومية إنما يخدم بوعي أو بدونه إن افترضنا حسن النية، استمرارية نفس البنية التي يزعم أنه ينتقدها، ونقول ببساطة: لقد آن الأوان أن يُقال للكل وبوضوح: من يريد التغيير لا يفرض التوجيه، ومن يتحدث عن الشعب لا يمارس الوصاية، وأن الحلول لا تبدأ برسالة لكن عبر مساءلة من يسيئون التدبير ومن يستغلون النفوذ والمال لإفساد الحياة العامة.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن
















































عذراً التعليقات مغلقة