رسالة إلى السيد رئيس جمهورية العالم  

18 أكتوبر 2025
رسالة إلى السيد رئيس جمهورية العالم  

   أ. د. محمد طاقة 

كاتب وخبير اقتصادي دولي

استوقفتني عبارة السيد دونالد ترامب عند لقائه برئيس مجلس الوزراء العراقي المعين 

بعد الاحتلال ، حيث قال (( ان العراق يمتلك ثروة هائلة من النفط لكنه لايعرف كيف يتصرف بها )) . 

نعم ايها السيد ترامب ، لقد اصبت في تشخيصك لهذه الحقيقة ، لكنك أغفلت عن عمدٍ أو عن مكر سياسي ، الاسباب التي أوصلت العراق إلى هذا الحال ، فدعني اذكرك ببعض الحقائق التي تعرفها جيداً ، بل انت أحد صنّاعها . 

انتم من غزا العراق عام (2003) بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل ، وهي تهمة اعترف البيت الأبيض لاحقاً بانها كانت كاذبة ، وتم غزو العراق دون تفويض من مجلس الامن ، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة .لقد كان هدف الغزو الحقيقي السيطرة على ثروات العراق وموقعه الجيوسياسي ، وليس تحرير شعبه أو نشر الديمقراطية كما تزعمون .

انتم من دمر العراق دولةً ومجتمعاً ، وحللتم مؤسساته ، وسرّحتم جيشه الوطني ، وفتحتم الأبواب امام الفوضى التي  لم تنته حتى اليوم . لقد كانت الفوضى مقصودة وممنهجة لتمزيق النسيج الوطني وتفكيك البنية الإدارية والعسكرية ، كي لايقوم للعراق كيان مستقل من جديد . 

انتم من جلبتم أولئك الذين تسميهم اليوم ( قادة العراق الجديد) ، وهم بالحقيقة مجموعة من العملاء والجهلة والطائفيين الذين لا يمتلكون اي مؤهلات سياسية أو اقتصادية أو اخلاقية لإدارة الدولة . وبالتنسيق مع ايران كنتم تختارون رؤساء الوزراء والوزراء وتمنحونهم شرعية زائفة ليكونوا أدواتكم في تدمير ما تبقى من العراق . 

لقد سلمتم العراق رسمياً إلى النفوذ الإيراني ليكمل مشروع التدمير ، تحت أنظاركم وموافقتكم . فصار البلد تابعاً لارادة  طهران ، وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية ، ومصدراً لتمويل اقتصاد ايران الذين تزعمون محاصرته . كل ذلك جرى بعلمكم وبتواطؤ مؤسساتكم السياسية والاستخبارية . 

النظام الذي أقمتموه في بغداد ليس إلا واجهة فاسدة تتحكم بها مليشيات طائفية وشخصيات منبوذة اخلاقياً وسياسياً . هؤلاء ليسوا سوى ادوات رخيصة تنفذ أوامركم واوامر الولي الفقيه . ومن غير الممكن ان تكونوا تجهلون فسادهم ، لأنكم انتم من صنعتم هذه الطبقة ومولتموها. ووفرتم لها الحماية السياسية والغطاء الدولي . 

انتم تعلمون ان عائدات النفط العراقي تُودع في صندوق خاص في الولايات المتحدة ، وتصرف تحت إشرافكم ، ومع ذلك تُهرب نحو ( 80‎%‎ ) من الدولارات إلى ايران عبر أدواتكم في العراق ، فهل هذا تهريب ام اتفاق ضمني بينكم وبين طهران لتبادل الأدوار على حساب الشعب العراقي ؟ ان ( الكنز العراقي ) هو الذي يمُوّل الحصار الأمريكي على ايران ، وهذا ما يجعل الحصار مجرد مسرحية سياسية لتضليل الشعوب . 

لقد ربطتم الاقتصاد العراقي بسلاسل من التبعية، حتى اصبح رهينة للاقتصاد الايراني . فالعراق رغم ثرواته يستورد ما يزيد عن (30) مليار دولار سنوياً من السلع والخدمات الايرانية ، بينما مصانعه ومزارعه مدمرة ، أليست هذه هي النتيجة الطبيعية للسياسة التي رسمتموها منذ الاحتلال ؟ انتم من سهل اغتيال وتهجير العلماء والأكاديميين العراقييين ، والذين تجاوز عددهم أربعين الف عالم وخبير من مختلف التخصصات . اردتم ان يبقى العراق بلا عقول ، بلا نخبة تقوده نحو النهوض . لقد تخلصتم منهم لأنكم تعلمون ان هؤلاء قادرون على اعادة بناء العراق كما فعلوا بعد عدوانكم عام (1991) ، فكان اغتيالهم وتهجيرهم خطة ممنهجة لإبقاء العراق في حالة عجز دائم . 

يا سيد ترامب لاتخدعوا انفسكم ، انتم تعلمون ان كل ما جرى في العراق منذ عام (2003) وما يجري اليوم هو بعلمكم وبتخطيطكم ، انتم تتحملون المسؤولية الكاملة عن كل ما لحق بالشعب العراقي من دمار وفقر وجوع وفساد ، ومن هنا تنطبق علكم مقولتنا العراقية القديمة (( شبيه الشيء منجذب اليه ))، فأنتم تتعاملون مع أشباهكم من الساسة الفاسدين والمنحطين الذين جلبتموهم للحكم . 

انتم دمرتم الصناعة والزراعة والخدمات ، وتركتم الشعب يواجه البطالة والجوع والجهل والأمية ، وخلقتم جيلاً مشوّه الوعي ، فاقد الامل بوطنه ومستقبله ، فمن اين للعراق ان يعرف كيف يتصرف بثرواته وهو واقع تحت وصايتكم ؟ 

ان من السخرية ان ياتي من دمر العراق ليعاتبه على عجزه ، انتم من صنع المأساة، فبأي وجه تلقون اللوم على ضحاياكم ؟ لقد فقد العراق امنه واقتصاده وعقوله وثرواته بفضل سيادتكم ، وبفضل الأدوات التي دعمتموها وزعمتموها فيه .

وان كنتم تتساءلون لماذا لايعرف العراقيون كيف يتصرفون بثرواتهم  فا لإجابة لأنكم ازحتم من كان يتصرف لمصلحة البلد ولن تتركوا للعراقيين دولة ليتصرفوا من خلالها وبحرية . 

إلى الشعب الأمريكي ، لا تحملوا وزر حكوماتكم التي خدعتكم كما خدعت العالم ، لقد استُخدم اسمكم لتبرير غزو دمر وطناً كان غنياً بعلمه وثقافته وثرواته . ان العراق لم يكن عدواً لكم ، بل ضحية لجشع الشركات والحروب التي تخاض باسم ( الحرية والديمقراطية ) نحن لانحمل الكراهية للشعوب ، بل نرفض من يستغلها ليصنع المآسي ويبرر بها الاستعمار الحديث . 

                                 عمان 

                 17/10/2025

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com