أ.د أحمد محمد القزعل الهاشمي
هناك لحظات في عمر الأوطان لا يمكن أن تُمحى من ذاكرة الإنسان، ولا يمكن أن تُنسى في وجدان الأحرار، لحظات يلتقي فيها الحزن بالعزّة والدمعة بالدم والقيود بالنور، فتولد من رحم الألم أمة لا تموت، في تلك اللحظات المضرّجة بالصبر والكرامة، تلتقي دموع السجين التي انهمرت في سجون الظالمين بـدماء الشهيد التي روت أرض الوطن بصدق الإيمان في مشهد خالد لا ينساه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
كم من سجين عاش ليله الطويل في غياهب المعتقلات يقتات من وجع الانتظار ويشرب من كأس القهر، يضمّ صدره الموجوع إلى نفسه ويسأل في صمت الجدران: هل يسمعني أحد!؟، دموعه ليست ضعفاً، بل صرخة في وجه الطغيان، ونداء خفيّ للأحرار في كل مكان، تلك الدموع التي تسقط على أرض الزنزانة الباردة، سوف تحرق ضمير الجلاد وإن لم يظهر لها أثر اليوم، فسيأتي غد تُحاكَم فيه الأرواح قبل الأجساد .
كل دمع يسيل على خدّ سجين بريء هو وصيّة للأجيال أن لا ينسوا أن للحرية ثمناً وأن العدل ليس منحة بل حق يُنتزع، حين يهمس السجين في سجوده: ” اللهم إنهم لا يعلمون ما بي “، تهتزّ السماء وتدوّن الملائكة اسمه في سجل الصابرين، وكم من سجين خرج من سجنه أكثر نقاءً؛ لأن القيود لم تستطع أن تطوّق روحه الحرة !
وفي الجهة الأخرى من لوحة الألم هناك الشهيد الذي مضى مبتسماً نحو الموت، كأنّه ذاهب إلى حياة أوسع من حدود الدنيا، كل قطرة من دم الشهيد تصبح وردةً على تراب الوطن، وكل صرخة في وجه الرصاص تتردد نشيداً في ضمير الأجيال، الشهيد هو اللغة التي لا تُترجم، هو النور الذي لا ينطفئ، حين يسقط جسده تقوم من تحته أمة جديدة، وحين يودّع الدنيا تشتعل في قلوب الأحرار نار العهد: ” لن نخون دمك “.
دم الشهيد ليس مجرد أثر على الأرض، بل هو توقيع أبديّ على ميثاق الحرية، إنه يقول للأحياء: لا تساوموا، لا تبيعوا الوطن في أسواق المسايرة، في كل شبر روته دماء الشهداء، تتفتح نبتة من الكرامة وتتنفس الأرض حريةً كانت تشتاقها منذ زمن، وما أكرم أولئك الذين بذلوا أرواحهم ليحيا غيرهم، وما أعظم من رحل تاركاً خلفه وطناً مرفوع الرأس.
في لحظة ما على حدود الحلم والألم، تلتقي دموع السجين بدم الشهيد، ليست صدفة هذا اللقاء، بل هو وعد إلهيّ أن لا تضيع التضحيات، وأن تمتد جذور الكرامة في أرض سُقيت بالدمع والدم معاً، الدمعة التي سالت في الظلام والدم الذي سُكب في وضح النهار، يتعانقان في وجدان كل من بقي حيّ الضمير.
حين يبكي السجين يسمع الشهيد بكاءه من عليائه فيطمئنه: ” اصبر، فالنصر قريب “، وحين تنزف الأرض دم الشهيد، تمسح دموع السجناء وتقول: ” لن تضيع تضحياتكم، فها هنا تُزرع الحرية من جديد “، الحرية نبتة سقَتها التضحيات، الحرية ليست شعاراً يُرفع في الخطب، بل نبتة نمت من تربة مخلوطة بدماء الشهداء ودموع السجناء، هي وعد الله للمظلومين، أن لا يدوم ليل القهر وأنّ للحق ساعة لا تخطئ موعدها، وكلّ من ذاق طعم السجن ظلماً أو حمل جراح الشهادة، صار جزءاً من نسيج الوطن الحقيقي، فالحرية تبقى؛ لأنها ثمرة التضحية الصادقة ولأنها لا تُمنح بل تُنتزع بثمن غال يدفعه الشجعان.
وما أجمل أن تلتقي تلك الدموع الطاهرة بالدماء الزكية في ذاكرة الأحرار؛ لتذكّرهم بأن الطريق إلى الكرامة لا يُعبّد بالنسيان بل بالوفاء !، ولعل واجب الأمة هو ألا تُغفل واحدة من دموعهم، ولا تتناسى لحظة من آهاتهم، فالنسيان خيانة، والصمت تواطؤ مع القاتل، لا يحق لأحد أن يتناسى، لا يحق لأحد أن يمرّ على تاريخ مكتوب بالدموع والدماء كأنّه صفحة من الماضي، هؤلاء السجناء الأبرياء الذين اعتُقلوا لأنهم قالوا: ” لا ” في وجه الباطل وذُبحوا بدم بارد؛ لأنهم رفضوا أن يركعوا، أليسوا هم ضمير الأمة ؟، كيف يمكن لحرّ أن ينام وقلبه يعلم أن هناك من لا يزال في ظلمة السجون يواجه الليل وحيداً ؟
كيف يمكن لوطن أن يزدهر إن لم يُكرم أولئك الذين صبروا حين خاف الجميع وضحّوا حين بخل الآخرون ؟، دموع السجناء هي أمانة في أعناقنا كما دماء الشهداء وصية في أعماقنا، من ينسى هؤلاء فقد نسي معنى الوطن نفسه، ومن يساوم على كرامتهم فقد خان الحرية ذاتها.
تعلمنا دائماً أنه حين يشتدّ النور يحاول الظلام أن يتزيّن، يحاول المتسلقون أن يعوموا فوق موجة الدماء يزيفون التاريخ، يلبسون القهر ثوب الرحمة ويبدّلون المعاني كما يشاؤون، لكنّ التاريخ لا يُكتب بالحبر بل بالدم، ولا يُمحى بالصوت العالي بل يُخلّد بالصبر الطويل، كلّ محاولات التزييف ستسقط؛ لأن دموع السجناء ستفضح الزيف، ودماء الشهداء ستضيء الحقيقة مهما حاولوا حجبها.
قد يظنّ الطغاة أن الزمن سينساهم، لكنّ الأوطان تحفظ أسماء الأبطال كما تحفظ الأم أسماء أبنائها في قلبها، دموع السجناء ودماء الشهداء لن تذهب سدى، ستبقى هي النور الذي يبدد ظلمات القهر، وهذه الدموع والدماء هي الذاكرة التي تحفظ للأوطان معناها الحقيقي، قد تتبدّل الوجوه وقد يحاول المتسلقون تعويم الظلام وتجميل القبح، لكن التاريخ لا يرحم والضمير الحي لا ينسى.
في كل وطن حرّ، في كل قلب صادق، في كل ذاكرة نقية، سيلتقي دمع السجين ودم الشهيد، سيلتقيان ليخطّا معاً سطر الخلود: إنّ الكرامة لا تُشترى، وإنّ الحرية لا تُمنح، وإنّ الأوطان لا تُبنى إلا بدم ودمع صدقا العهد فأنبتا الأمل.

















































عذراً التعليقات مغلقة