هل حرمان المرأة من العمل طريق
للقضاء على البطالة وتحقيق التقدم وإقامة دولة الرفاه ؟
سمير خلف الله
الجزائر
إن الكثيرين ممن لا يتفقون مع هذه السرية، يرون بأن الأولى بصاحبها. لو أنه سعى لتنوير المجتمع، عبر وضعه لخطة عقلانية، قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. مفادها كيفية خلق الثروة، وكيفية جعل الأصول المالية، تتراكم لتدوير العجلة الاقتصادية. ومعها تخفيض معدلات البطالة، وإن أمكن القضاء عليها. كما هو الحال في الصين. فمعدلها في النصف الأول، من العام 2025، كان 5.2 ٪. وهي نسبة منخفضة مقارنة بتعداد سكانها، أين الكل يشتغل الرجال، والنساء على حد سواء. أما في اليابان فقد بلغت نسبتها 2.6 ٪، إلى غاية أوت 2025. في حين أنها بلغت، في النرويج 4.5 ٪ جويلية 2025 . وهي نسب منخفضة، إذا ما قورنت بنظيراتها، في بعض الدول المتخلفة. ومع ذلك فتلك المجتمعات، لم تنادي أبدا بضرورة اقصاء، عنصر فعال (المرأة) من سوق العمل. للقضاء النهائي على بطالة الرجال، لعلمها المسبق، بأن في هذه الخطوة، الانهيار الحتمي للمجتمع والدولة. ولو أننا نتتبع دور المرأة في المجتمعات الإنسانية عامة، والمجتمع الجزائري بصورة خاصة. فإننا نجدها، جزء من اليد العاملة النشطة. منذ العهد العثماني، ومرورا بحقبة الليل الاستعماري، وإلى ما بعد الاستقلال. فالمرأة الريفية وكما هو حال شقيقتها، في المدينة كانت تشتغل. وتعمل وفق ما هو متاح، وما يتلاءم مع مؤهلاتها وامكاناتها. ولولا الخوف من الاطناب لكنا، استعرضنا جوانبا من، الحياة العملية للمرأة الجزائرية. في الحقب المذكورة أنفا، ولكن هذا الأمر يتطلب، مقالا أو دراسة قائمة بذاتها، لتبيان الحقيقة وإنهاء كل لبس.
إن الأمر المؤكد أن هناك منظومة قيم، تسعى لفرض نفسها، لتكون بديلا لما هو موجود. لا أحد يحجر على حق أي كان، في طرح البدائل. بل هذا هو المطلوب، لأنه تدافع للأفكار، وهو تدافع محمود، وإلا سيكون هناك جمود وموت للمجتمع. كما أن المشكلة ليست في طرح البدائل، ولكنها في مدى عقلانيتها. ومدى قدرتها على الاستجابة، بشكل إيجابي للتحديات، التي تواجه المجتمع. ومدى قدرتها على تقديم الحلول، القادرة بالفعل على انتشال المجتمع، من هوة التخلف السحيقة. بعيدا عن المزايدات الجوفاء، أو المس بالحقوق الطبيعية، لأية فئة من فئات المجتمع. وما دون هذا سيبقى مرفوضا، ذلك أنه وبدلا من تقديم الحلول. سيغرق المجتمع في مستنقعات الفشل، المتوالدة من بعضها البعض، والنتيجة خلق مجتمع فاشل ودولة فاشلة. أساسهما القمع لعدم قدرة، المشروع المطروح على الاقناع. تماما كما هو حال محاكم التفتيش، وهنا فعلى الدولة والمجتمع السلام.
ويا حبذا لو أن أصحاب، سردية حرمان المرأة من العمل. قدموا أطروحات ترتكز، على أسس علمية. مفادها كيفية إدارة، الدولة والمجتمع للميزانيات المالية. أو وضع آلية وخطة، تحول دون الوقوع في فخ الديون. ذلك أن المديونية لهي، بمثابة حكم بالإعدام على كل مشروع نهضوي أو تنموي، أو هي بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة عليه. ويا حبذا لو أنهم، قدموا، خارطة طريق عملية. لكيفية تنويع مصادر الدخل في دولهم، أو الآلية التي يجب، أن تدار بها أموال الادخار. والوجهات التي يجب، أن توجه لها أموال الاستثمارات. هذا هو المطلوب، في مكان تلك السردية التي، تضر أكثر مما تنفع. ويا حبذا لو أنهم وضعوا، وصفة فعالة لكيفية خلق الثروة. مما يؤدي بصورة آلية، للقضاء على البطالة، الرجالية والنسائية على حد سواء. بعيدا عن الاقتصاد الريعي، الذي قد يجهض كل محاولة للخروج من دائرة التخلف. وإلى جانب هذا يا حبذا، لو أنهم أرشدوا مجتمعاتهم. إلى الآلية التي بها تقام بيئة جاذبة للاستثمار، ولعل أهم مقوماتها اليد العاملة الماهرة، عالية المردودية والكفاءة. يا حبذا لو أنهم أرشدوا مجتمعاتهم، إلى الآلية التي بها أخرجت الصين 850 مليون شخص، على مدار 40 سنة من دائرة الفقر. وهذا هو المطلوب، وليس الاجهاز على، حق طبيعي من حقوق المرأة.
كما كان الأولى والأجدر على أصحاب، هذه السردية القاتلة للفرد والمجتمع، والمدمرة للدول والأمم. أن يسعوا لبناء المواطن المسؤول المواظب على الإخلاص والاتقان في العمل، مع تنمية روح المبادرة والابتكار. لا اقتراح مثل هذه الحلول المهلكة والمدمرة، للإنسان من حيث هو خليفة لله في الأرض. ومهمته الأساسية اعمارها، إلى أن يشاء الله ما يشاء، سواء كان هذا الإنسان رجلا أو امرأة. وإلى جانب ما سبق يجب مناقشته كيفية، رفع الدخل القومي كما هو في الدول المتقدمة، أو لما هو أفضل منه، ومعه ترفع القدرة الشرائية للمواطنين. مع وضع خطة عملية، لتحقيق كل ما يحتاجه المواطن. وهذا ما سيسهم في، انخفاض معدلات التضخم، التي تنهش جيوبه يوميا.وهذا ما نجحت فيه، المملكة المتحدة حيث أنها، خفضت نسبته في 2024 إلى 2.3 ٪، بعدما كان 8.7 ٪ في العام 2022.
كما أن المطلوب لهو وضع، خارطة طريق عملية وفعالة، لرفع قيمة الدخل الفردي (كأستراليا 64.407.5 دولار حسب البنك العالمي). ومعه يتم القضاء على الفقر، الذي لا تتجاوز نسبته،3.9 ٪ في بلاروسيا في 2025. كما أن الدخل الفردي يُسهم في، رفع معدل استهلاك الفرد للكهرباء، والمياه الصالحة للشرب. وتحسين النقل والخدمات المختلفة، وعلى رأسها الصحة والنقل والتعليم.
إن الأهم من تسريح المرأة من العمل، هو مشاركتها في السعي، لتحقيق الأمن التكنولوجي للوطن. في عالم لا يرحم من تخلفوا عن ركبه، كما فعلت كل من كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين وتايوان. كما أن الأهم من إحالة المرأة على البطالة، هو تسريع وتيرة الاندماج. في الاقتصاد العالمي، للحاق بالدول المتقدمة. وهذا لا يتم إلا ببناء، اقتصاد قوى متعدد المصادر. متعدد السلع المنتجة والمصدرة، وخدمات متطورة وخاصة النقل، بصورة تواكب نظيراتها في عالم الشمال. لا العمل على اقصاء المرأة، وتحميلها مسؤولية كل مآسي المجتمع، ولذلك فلا حل لمعضلاته إلا في تغييبها ووأدها.
وما دام هذا الخيار مدمرا، فلعل البديل يكون، وهو كذلك وهذا ما راهنت عليه سنغافورة. فكان الطوق الذي انتشلها من التخلف والضياع، وقذف بها في غضون 30 سنة في عالم الكبار. وهذا الخيار الاستراتيجي، يتمثل في الاهتمام بالتعليم. بمختلف مراحله، من حيث الكم والنوع والجودة. فالتعليم هو الرهان الأوحد، لخلق قوة عاملة قادرة، على انتشال المجتمعات من تخلفها. نعم إن التعليم وحده لهو القادر على أن، يضمن للرجل فرصة عمل محترمة. بعيدا عن الكلام المرسل، وغير المسؤول في بعض الأحيان. في حق المرأة وتحميلها، زورا وبهتانا وزر بطالة الرجل. وحتى إن لم يحصل على وظيفة، التي ربما لن تقدم له شيئا، بل سيبقى رهينا لها طوال حياته. فالتعليم الجيد يشحذ ملكات عقله، ويجعل الأخير قادرا، على التدبر في قوانين الطبيعة. ومنها يستلهم أفكارا خلاقة، تكون طوق نجاته ونجاة الملايين معه. كالمهندس المصري حاتم زغلول، مكتشف الواي فاي (Wi-Fi). ولنا أن نتصور المردود المالي، الذي عاد عليه من وراء هذا الاختراع، وعلى المحيطين به. ولذلك وبدلا من السعي لوأد المرأة، فالتعليم لهو خيار استراتيجي. للتعامل مع مشكلة انعدام الغذاء، فها هي الصحراء مترامية الأرجاء. فاتحة ذراعيها، تعد وتبشر بالخير. لمن يشغل عقله هدية الله للخلق، ونعمته التي منّ بها على عباده. كما أن المطلوب لهو تطوير واستحداث، أساليب زراعية تتناسب مع ظروفها (الصحراء). وفي هذا المجال، يتساوى الرجل والمرأة. كيف لا وهي من اكتشفت الزراعة، في العصر النيوليتي الزراعي، في منطقة الشرق الأوسط. وللإنسان أن يتصور أسلوب حياته، اليوم من دون هذا الاكتشاف الفريد من نوعه. واستمرت المرأة وإلى اليوم، وفي مختلف أرجاء العالم. في الاهتمام بالزراعة، وتطوير كل ما يخصها. وفي هذا تحسين الإنتاج كما ونوعا، ومعه يكون اختفاء، كل شرور، سوء التغذية ونقص الغذاء والمجاعات.
وحتى إن لم تكن للمجتمع إمكانات مادية، فإن التعليم يمكنه من بدائل لها، وعلى رأسها ستكون الصادرات التكنولوجية عماد الاقتصاد، كما هو الحال في تايوان. إن التعليم سيبنى الفرد المواطن السؤول، الملتزم بواجباته تجاه وطنه، كما هو الحال في اليابان. وبالتالي فإن معدلات الفساد والجرائم ستنخفض، ومعها تنخفض نفقات الدولة على، السجون ومؤسسات إعادة التربية، لصالح المشاريع التنموية. على عكس ما هو موجود، في المجتمعات الأمية. ويا حبذا أو أنهم قدموا وصفة لبناء الإنسان، وصفة تعصمه من الوقوع في خطيئة الفساد، مهما كانت المغريات. فالدول المتخلفة بعد، استعادة استقلالها السياسي، سعت للحاق بركب عالم الشمال. فأقامت المصانع المستوردة، ولكنها لم تولى أهمية لبناء الفرد المواطن. فماذا كانت النتيجة، الرجوع خطوات إلى الوراء. فالرجل غير المسؤول، ومهما توفرت له مناصب الشغل، فلن يكون إلا عبئا على مجتمعه، وعامل ومعول هدم له.
كما لا ننسى العمل على، بناء منظومة صحية متينة. تكون هي الحصن الذي يقبر الأوبئة والأمراض، التي تحول دون تأدية العامل للمهام الموكلة إليه. بهدف القضاء على الفقر الذي يعتبر العدو، الأول للمجتمعات وليس عمل المرأة. لأن عملها سيؤدي بصورة مباشرة، إلى التقليل من عمالة، الأطفال والتسرب المدرسي. فالأم التي تساهم، في النفقات المادية للأسرة. لن يكون أطفالها مجبرين، على العمل لمساعدة آبائهم. والأطفال هم ثروة المجتمعات، ورأس مالها المستقبلي. وأي اهدار لهذه الثروة، فإنه يعني رهن مصير المجتمع. بكل ما هو ذميم، من مختلف الآفات المدمرة له (المجتمع). ولماذا لا يسعى أصحاب هذه السردية، إلى تحويل المجتمع إلى مجتمع صناعي؟. ولذلك فالأولى مناقشة، الآلية التي بها تتحول بها الدولة إلى دولة صناعية، من الطراز الأول. ويتزامن مع هذا، إيجاد آلية يرفع بها العامل انتاجيته. لتماثل نظيراتها في العالم المتقدم، فهي في اليابان 39 ألف دولار، وفي فنلندا ذات 5.6 مليون نسمة، 35 ألف دولار. بينما في بورندي 771 دولارا أمريكي، وفي الصومال 875 دولارا في العام 2023.
ومع ما سبق وبعيدا عن سردية، اقصاء المرأة من العمل. فإنه يجب مناقشة، مشكلة انخفاض الدخل الوطني، وإيجاد حلول منطقية لرفعه. فهو في دولة البرتغال، والتي تصنف ضمن الدول الأقل تقدما، 50.617 دولارا. وهذا حسب منشورات، البنك العالمي للعام 2024. بينما في الجزائر فإنه يبلغ 5.722 دولار، وهذه القيمة تعبر بصورة صادقة، عن القيمة الإنتاجية للعامل الجزائري. علما بأن الدخل الوطني لهو أمر جد مهم، فعلى أساسه يحدد مصير الدولة والمجتمع، من حيث مستوى المعيشة وجودة الخدمات.
إن إيقاف المرأة عن العمل، دون تحقيق كل ما سبق ذكره، لن يغير في الأمر شيئا. والدليل أن نسبة مساهمة المرأة، في سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا والجزائر جزء منها، لهي 19.1 ٪عام 2024 (احصائيات مجموعة البنك الدولي). وهذا يعني أن معظم القوة العامة من الرجال، ومع ذلك فإن نسب البطالة فيها مرتفعة، وكذلك نسب معدلات العنوسة. وهذا يعني بأن المشكلة، ليست في عمل المرأة. بل على العكس إن عمل المرأة، وانخراطها في سوق العمل. سيرفع من اجمالي الدخل القومي، ومعه الفردي وتتخلص الدولة. من مشكلة الديون التي توقف عجلة التنمية، الاقتصادية والاجتماعية بصورة خاصة. فتتحسن القدرة الشرائية للمواطنين، ويتحسن مستوى المعيشة، وكل ما يرتبط بالحياة اليومية للمواطنين.
علما أنه ومتى نجح المجتمع، في تحقيق الأمور السابقة، فإن الملايين من الرجال والنساء. سيصبحون جاهزين لممارسة التعدد، كل حسب قناعته وقناعاتها. طالما أن المرأة لم تعد تشكل عبئا، على الرجل عبر استقلالها المادي. وهذا ما لا يريد، أن تحققه أصحاب هذه السردية. لأن ذلك سيحرمهم، من فرصة السيطرة عليها. سيطرة لا خير فيها، لأنها مبنية على الأمراض، والعقد النفسية كالنرجسية. والأنا المتضخم والاستعلاء، والفوقية الزائفة حيال المرأة. من قبل بعض الرجال، بناء على فرضيات خاطئة، أو على التفسير الخاطئ للمقدس. فتتحول المرأة في هذا النموذج من الزواج، إلى سجينة والزوج سجّانها. والبيت الذي هو من المفروض، أن يكون ملاذها الآمن. إلى غرفة من غرف الجحيم، وزنزانة لمحاكم التفتيش. في حين أن الحياة الزوجية، هي مشاركة وتكامل. لا منافسة وسيطرة وهيمنة، كما أنها تقاسم حمل أعباء الحياة الثقيلة. ومن دون هذا ستبقى الحياة الزوجية اغتصاب للمرأة، ومصادرة لكل ما أودعها الله، فيها من ملكات خلاقة، مماثلة لتلك التي عند الرجل.
لا أحد يقول بأن هذا كلام، لن يجد آذانا صاغية له. فالتاريخ يخبرنا بأن، الكثير من الأفكار القاتلة. قد قفزت من الهامش، وأصبحت هي من يُشكل المجتمع. وهذا ما يمكن أن تمنحه الظروف، لدعاة اقصاء المرأة من سوق العمل. فيكون في هذا رفع لواء الخراب، في كل ربوع الأوطان. إن المجتمع يريد الاستقرار الاقتصادي، وحرمان المرأة من العمل. لن يحقق هذا الاستقرار، لأنه يقف على قدم واحدة، وحتما مآله السقوط.
وإذا ما ترافق هذا، مع ما لا يمكن لأحد انكاره. من أن هناك إرادة دولية وقرار دولي، مفاده تكريس التخصص الدولي للعمل، والتخلف في دول القارة، الافريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية. ولا خروج منهما إلا وفق، شروط وتفاهمات تحدد تقاسم الأدوار، على المسرح الدولي. ولكن هذا ليس قدرا لا يمكن الفكاك منه، وإنما يبقى هنالك هامش، يمكن المجتمعات المتخلفة من الانعتاق، من قيود التخلف كما فعلت الصين. وهذا لا يكون إلا ببناء مجتمع صناعي، يكون القاطرة التي تجر بقية القطاعات الأخرى، وعلى رأسها التجارة. وهذا يكون نتيجة تشجيع الابتكار، والمبادرة الفردية والشركات الناشئة. ونفس الأمر يقال على الهند، فعلى الرغم من عيوب تجربتها، ولكنها اليوم سادس أقوى، اقتصاد على المستوى العالمي. ولذلك فالمفروض اخبار المجتمع، عن الكيفية التي استطاعت بها أستراليا أن تخرج من أزماتها. وهي التي كادت في ثمانينات القرن الماضي، أن تتحول إلى دولة من دول العالم الثالث. وإخباره عن قصة نجاح ماليزيا، وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية. وإلى جانب هذا يجب اخباره بكلمة السر، التي غيرت وجه سنغافورة بصورة حذرية. والمتمثلة في الكفاءة، فهي المعيار الأول والأخير. والذي لا بديل عنه، لأية تجربة نهضوية. نعم يا حبذا لو أن المجتمع يناقش، الآلية التي يستفيد منها. من الرأسمال البشري، والذي هو أهم من الثروات مهما كانت طبيعتها. فالثروات من دون الاستثمار في العنصر البشري، لن تغنى البلد في شيء. بل قد تتحول إلى لعنة عليه، نتيجة سوء التسيير. وهذا أهم من أن يناقش المجتمع، مسألة مفتعلة كقضية عمل المرأة.
خاصة وأن بعض النخب ومع كل أسف، فاشلة ومشاريعها مفلسة. ونتيجة لعدم قدرتها على مناقشة، المواضيع الفكرية العميقة، مع القدرة على التنظير وطرح البدائل. فإنها تتجه إلى افتعال قضايا، نتيجتها الحتمية اخصاء جماعي للمجتمع. وتحويله بالقوة إلى مجتمع عقيم، ومجتمع فاشل يسهل على ، الفاشلين عمليات تموقعهم وتزعمه. بدلا من تحمل المسؤولية، كل حسب موقعه كمواطن مسؤول، (عضوي بتعبير عرامشي). ومواطن فعال في المجتمع، عبر امتطاء صهوة المبادرة الخلاقة.
خاصة وأن هناك عدة دول استطاعت، أن تحقق معدلات نمو جيدة. مقارنة بما لديها من إمكانات متواضعة، إذا ما قورنت بإمكانات الجزائر. ولكن لم نسمع أبدا بأنها اقترحت، حرمان المرأة من العمل، بل اعتمدتها ركيزة أساسية من أسس نهضتها. فالفيتنام على سبيل المثال، وعلى الرغم من خروجها من حروب مدمرة. وفقدانها للمساعدات السوفياتية، فإنها قد انتشلت شعبها من الفقر. وهنا على أصحاب تلك السردية، أن يتأملوا جيدا التجربة الفيتنامية. فلعل فيها ما يفيد، بعيدا عما قالوا. كما لا ننسى هنا بعض الدول الافريقية، التي سجلت معدلات نمو عالية، رغم محدودية امكاناتها . كغينيا وموريطانيا والسينغال، وبنين وساحل العاج. ولهذا فإنه يتوجب البحث، عن علاجات لداء البطالة والعنوسة، بعيدا عن هذا الطرح. وعليه فالمرأة بريئة من تحمل، وزر هذه التهم الباطلة. وعلى أصحابها أن يبحثوا عن الحل، بعيدا عما اتهموها به، في مجتمعاتنا من تهم زائفة.
وانطلاقا مما تقدم فإن الطرح السابق مرفوض، ومن المفروض أن يتعالى عنه المجتمع عامة ونخبه بصورة خاصة. إلى ما يحتاجه المجتمع، أمّا أن ننزل بالخطاب إلى هذا المستوى، فقل على المجتمع السلام. إنه خطاب يوشي ربما بجهل، أصحابه بقيمة المرأة، ودورها الذي خلقت لأجله. فأصحابه لا يرون فيها سوى، وعاء جنسي لإفراغ الشهوات. كما لا يرون فيها ذلك الكائن، المكرم المساوي لهم. فحتى الرجل عبارة عن، وعاء جنسي للمرأة، وهما في هذا الأمر سيان. وربما الأمر بعيد عن مدارك بعضنا، فالمرأة تبقى في نظرهم أقل من حيث القيمة الإنسانية من الرجل. وهذا هو الخطأ القاتل، الذي جعل البعض يتجرؤون، عليها ويعاملونها بفوقية مرضية.
إن هذا الخطاب لهو أمر مخزي، ومدان ومعيب ومسبة في حق أصحابه. فكيف لهم أن يلبسوا، هذا الخطاب لباس الدين، والدين منه براء. لا لشيء سوى لأنهم يريدون تمريره، دون أن يثير اعتراضا أو حفيظة. ومن هذا من أصحاب النيات الطيبة، من يستطيع معارضة أمر فصل فيه الدين؟. فما بالك بمن أقالوا، عقولهم عن طيب خاطر؟. وتركوا هذا أو ذاك يفكر في مكانهم، وضنوا بأنهم قد ارتاحوا من عناء التفكير. بإقالة عقولهم، هذه الهدية والمنحة الربانية، التي لا يوجد ما يماثلها فيما أبدعه الخالق. إن منطق الستالينية مرفوض، فلا أحد يستطيع اليوم أن يقنع غيره. بأن لا يفكر لأن، هذا أو ذاك يفكر في مكانه. كما كان ستالين يفكر في مكان الرفقاء، فماذا كانت النتيجة. الخراب وجهنم التي أقامها، في فترة حكمه وانهيار الإ س في الأخير. وكل هذا كان نتيجة جبن وخوف، الرفقاء كما اعترف بذلك خروتشوف في فترة لاحقة.
اليوم كذلك يجب على العقلاء، الوقوف في وجه هذا الخطاب، المدمر للذات الإنسانية. فليس كل كلام يُلبسه صاحبه، ثوبا دينيا يصبح هو الدين. ولقد أصاب الفيلسوف العظيم ابن رشد القرطبي، كبد الحقيقة عندما قال :”إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تُغلِّف له كل باطل بغلاف ديني”. والخطاب السابق لهو كلام مقلق، وغير مسؤول من رجال كان من المفروض، أن يزنوا كلامهم قبل أن يحدِّثوا به. ذلك أنه قد يفتح، أبواب الجحيم على المجتمع. فكم من كلمة طائشة، كانت سببا في خراب الأمم.
وهو كلام خطير للغاية، ولن ينال منه المجتمع، غير الجراح والآلام والآهات والحسرات. ويجب على صاحبه، عرضه على آلة العقل ومراجعته. ذلك أنه يعارض بصورة صريحة، إرادة الله في خلقه. بتبني صاحبه سردية الكنيسة الكاثوليكية، في المرأة والتي مفادها أن الأخيرة، هي سبب شقاء الرجل. لأنها هي من أكلت من الشجرة، وزينت له الأكل مثلها. وهكذا الأمر مع أصحاب السردية، القائلة بأن مكان المرأة البيت. لأن عملها وحسبهم، قد أغلق على الرجال أبواب ولوج العمل. ولهذا فهم يحملونها، المسؤولية الكاملة لما يعانقه، الرجل من شقاء وعذابات. ذلك أنها هي من سرقت منه مناصب العمل، وحرمته من أن يعيش حياة كريمة. وهنا تكمن الكارثة، فكما حملت الكنيسة المرأة، مسؤولية الخطيئة، فاليوم تتحمل وزر بطالة الرجل. والنتيجة أجيال وأجيال، ناقمة على المرأة وكارهة لها. تنظر لها بشك وريبة وحقد، نظرة عدو يتربص بعدوه للإجهاز عليه.
لا يا سادة إن خطابكم مرفوض، ولا يجب أبدا أن يتماهى، مع الخطاب الكنسي، الذي أثبتت الأيام عقمه فتجاوزته منذ أمد بعيد. إن هذا الأمر خطير للغاية، فالرجل ومتى اعتنق هذا الخطاب فإنه سيصبح ينظر إلى نجاح المرأة، بعين الحقد والكره والضغينة. وعين الرغبة في التدمير، لا لشيء سوى لكونه، لم يستطع انجاز ما أنجزته. ولم يستطع امتلاك بريق كبريقها، هذا الذي يذكره دوما بفشله وعجزه واخفاقه وتعثره. كيف لا وهي من خطفت منه كل الأنوار، ولم تترك له سوى كهفه المظلم ، يندب فيه ما يعتبرها مأساته. وكما يُقال إن وجودها، قد ألغى وجوده. وهنا ما من حل لمعضلته سوى تدميرها، وتدمير نجاحاتها، عبر حرمانها من ولوج عالم العمل.
وإنه لأمر محير لماذا لا يزال بعض الرجال، يصرون على اختزال المرأة في الفراش. لا أحد ينكر هذا الأمر، فهو حق طبيعي لكل من الرجل والمرأة. ولكن المشكلة هي النظر إلى المرأة، بنفس النظرة إلى العاهرات. لا يا سادة هذه ليست المرأة، وإنما هذا تصورك للمرأة، تصور أقيم على منظومة قيم خاطئة، لا يجب أبدا أن تكون المرأة رهينة وضحية لها.
لماذا يا سيدي الكريم لا تربي، الزوجة والابنة والأخت والحفيدة، لكي تكون حليمة يعقوب رئيسة سنغافورة. فالأخيرة مسلمة ومحجبة، وهي من كانت مهندسة نظافة (عاملة نظافة). وكل هذا لم يمنعها من أن تتبوأ، أعلى المناصب في بلدها. بلد متنوع من حيث الأديان، والأعراق والثقافات واللغات. نعم إنها امرأة وزوجة صالحة، وربة بيت، ومع هذا فهي من أكملت المسيرة، التي بدأها لي كوان يو، وجعلت بلدها من أغنى دول العالم. فهل كانت سببا في بطالة الرجال، وهل اقترحوا ركنها في البيت، ككومة قش تافهة لا قيمة لها. أو خرقة بالية لا تصلح، حتي لمسح الأحذية المهترئة!؟. لا إنهم لم ينظروا لها، انطلاقا من منظور السردية المشار إليها في هذا المقال. سردية مؤلمة ومفجعة ومحزنة، تعانق الأسماع والأبصار رغما عنهما. إن السيدة حليمة يعقوب، وكما مرّ أعلاه، كانت عاملة نظافة. والمعيار في اختيارها كان كفاءتها، وقدرتها على المبادرة الخلاقة وليس جنسها. خاصة وأنه ولا أحد منا ينكر بأن التقدم وتحقيق دولة الرفاه، لهو منجز بشري، يستند على العقل البشري وفتوحاته الخلاقة. سواء كان عند الرجل أو عند المرأة، فهو يعمل بنفس الكفاءة.
ومن الظلم الكبير أن يُنظر اليوم إلى المرأة، بما قررته منظومة القيم الماضية. لا أحد ضد الأسلاف واجتهاداتهم، ولكن الكثير منها غير ملزمة للأجيال الحالية. خاصة تلك التي تظلم المرأة، وترى بأن مكانها البيت. نظرة تقدس الحرملك، التي تسللت إلى الموروث الإسلامي، من نظيره اليوناني. كما ذهبت إلى ذلك العديد، من الدراسات ليس هنا مجال التطرق إليها. أو كما يسميها البعض، منظومة القيم الإغريقية الغازية للتراث الإسلامي. إن القرآن الكريم ليثني، على رجاحة عقل المرأة وحكمتها، وهذا في معرض حديثه عن بلقيس ملكة سبإ، ويثني كذلك على عفة مريم عليها السلام، وكذلك فعلت الأحاديث النبوية الشريفة. فكيف يتم اقصاء كل هذا، لصالح آراء واجتهادات، ترتكز على الموروث اليوناني القديم. خاصة وأن الكثير ممن فسروا القرآن الكريم، كانوا ينطلقون من بيئاتهم. فهذا الطبري مثلا وكما يقول دارسوه، كان ينطق في وصفه للحور العين من نساء مواطنه.
نعم إنه وحسب أصحاب هذه السردية، فإنه يتوجب على المجتمع. استبعاد الدكتورة الجراحة الخبيرة، ممن تمثل مع زميلاتها أقلية نادرة. في مجال تخصصها وتعويضها، برجل لا لشيء إلا لأنه رجل. حتى لو كان لا يحوز مثقال ذرة، من علمها وتمرسها وكفاءتها. في ميدان تخصصها، وتكتفى هي بالقعود في المنزل، مثلها مثل بقية أثاثه. ويا لها من قيمة تهدر في اللاشيء، وماذا عن ذلك الرجل الذي عوضها، لو لم يكن بنفس كفاءتها. وتمكنها من مجال تخصصها، ولا هو يحوز نفس، علمها وقدراتها ومؤهلاتها؟. الأمر المؤكد أنه سيتسبب، في كوارث طبية لمرضاه، يستحيل إعادة تصحيحها. ونفس الأمر مع المهندسة المعمارية المبدعة، فهي الأخرى عليها أن تقعد، مع القاعدات في بيتها. تندب حظها التعيس، الذي قذف بها في مجتمع. أقال رجاله عقولهم ويردون، إقالتها بصورة كلية من الحياة. ومتى استقالت هذه المهندسة، فإن من سيعوضها لن يقيم سوى، نسخا مزيفة ومشوهة، لما هي قادرة على إنجازه. وربما ما ينجزه سيتهدم، على رؤوس الأبرياء. طالما ستحميه تلك السرديات، التي سيجد أصحابها مبررا لما حدث، أوليس الأمر قضاء وقدرا من الله؟.
ومن سيعوض الأستاذة الجامعية والبروفسورة، ذات القامة السامقة في مجال تخصصها؟. خاصة إن كانت علمية دقيقة، ومن سيعوض مربية الأجيال المتمرسة، والمتحكمة بصورة نموذجية في مجال تخصصها؟. هنا ستنهار المنظومة التعليمية والتربوية، ومعها انهيار المجتمع والدولة. ولن يكون بين أيدينا سوى، مجتمع فاشل ودولة فاشلة. ونفس الأمر يقال على، مختلف مجالات العمل الأخرى. ولا يقول لنا صاحب هذه السردية، بأننا لن نسرح كل النساء. بل سنسرحهن بمقدار ما يوفر، تسريحهن مناصب عمل للرجال. المشكلة ليست هنا بل هي، في التدمير المنظم للمجتمع وفي قتل الكفاءات. فكفاءة واحدة بإمكانها، أن تبني أمة وتحييها وفي تغييبها يكمن، وأد أمة بأكملها وتدميرها. وما مثال حليمة يعقوب، السابق ذكره عنا ببعيد.
وقد يقول قائل بأننا سنترك، سوق العمل مفتوحا أمام المرأة، في بعض المجالات التي تتطلب تواجدها. هذه انتقائية مرفوضة، وفكر عنصري استعلائي مرفوض هو الآخر. فليس هذا أو ذاك من، يحدد مستقبل المرأة والمجال، الذي يتوجب عليها العمل فيها. وإنما هذا الأمر لهو متروك، لميولاتها ورغباتها ومؤهلاتها، ومواهبها وقدراتها وامكاناتها. وليس على ما فيما يقرره غيرها نيابة عنها، والقرآن يشهد للمرأة برجاحة العقل والحكمة، وهذا فيما تضمنته شهادته في حق بلقيس. والله جل في علاه زودها، بكل الأدوات التي تمكنها، من تقرير مصيرها وتحديد مستقبلها. وعلى رأس تلك الأدوات، العقل والإرادة الواعية. بعيدا عن كل وصاية مجحفة في حقها، ومدمرة للذات الإنسانية.
أي جنون هذا في أن تُجبر المرأة، على ولوج هذا التخصص أو ذاك؟. هذا قتل لما أودع، الله فيها من مواهب وملكات. هي أمانة ستحاسب عليها، غدا أمامه. ولن تُغني عنها تلك السرديات ، أو تشفع لها يوم تقف بين يدي ربها. ويحاسبها عن تلك الملكات، التي أودعها فيها لعمارة، الأرض مثلها مثل الرجل. ملكات كانت ستدفع المجتمع خطوات عملاقة، في طريق الرفاهية والتقدم والانعتاق. من نير دائرة التخلف التي تطبق على، ما تبقى من أنفاس لمجتمعاتنا. وعلى العقلاء والحكماء أن يقولوا، لا لتلك السرديات التي ما هي إلا أرحام لإنتاج الفشل. مهما كان الثمن الذي يتوجب دفعه، ما دام فيه خلاص المجتمع. من براثن تدفع به إلى هوة سحيقة، يستحيل عليه الخروج منها.
ترى بأي حق وبأي حجة، ومهما كانت تدفن مؤهلات وقدرات. لا يعلم سوى خالقها ما يمكن لها، أن تأتيه من معجزات، فيها خير البشرية جمعاء. لصالح سرديات تصادم، وتعارض إرادة الله في خلقه. ولم يشهد لها التاريخ مطلقا، ولا التجربة الإنسانية الموغلة في القدم. وبأي حق وبأي منطق يحجر، على المرأة وعلى عقلها. هذه الهدية الربانية التي اختصها بها، دون ما خلق في جنبات الكون الفسيح؟. وبأي حق تدفن إرادتها الحرة، في أن تكون ما تريد. والقرآن الكريم يعلنها، بصورة صريحة ولا لبس فيها، من أنه :” وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” البقرة الآية 228. وهل يوم القيامة سيحاسب هذا أو ذاك، في مكانها لأنها وبنصيحة، غير موفقة منه عطلت ما وهبها الله. من إمكانات يجب عليها استغلالها، في عمارة الأرض لأنها غاية الوجود الإنساني.
ولمن يقول بأن في حرمان، المرأة من العمل تكريم لها، فيا له من تكريم مغشوش، ومزيف وقاتل لها. إن المرأة ليست حيوانا أليفا، يوفر لها المأكل والمشرب، والملبس والمسكن وكفى. ولا هي جزء من أثاث البيت لتزيينه، فما لهذه الغاية أوجدها خالقها. بل هي انسان مكرم مثلها مثل الرجل، ومساوية له في الحقوق والواجبات والتكاليف، ومسؤولة مثله تماما تجاه مجتمعها.
ويبقى هذا الكلام مرفوضا، وكان الأولى بصاحبه .أن يتّطلع على التجارب التي حققت، للأمم والشعوب تقدمها. منذ العصور القديمة، بدء ببلاد الرافدين وإلى غاية اليوم . إن الأمر الملاحظ هو أنه ولا حضارة، من جملة كل الحضارات. قد قامت بإقصاء المرأة، كحل سحري لمشاكلها. وإنما تلك الأمم فجرت ينابيع العلم، الذي قذف بها خطوات عملاقة، في طريق التقدم والرفاهية. وكان الأولى بأصحاب هذه، الدعاوى أن يطرقوا هذا الباب. الذي شهد سبحانه وتعالى، بأنه خير للبشرية جمعاء، وهذا في معرضه حديثه عن الحكمة. إن نهضة مصر القديمة، قد بنيت على معارف السابقين لها. وعندما هاجر منها العلم ومن بلاد الرافدين، إلى بلاد الإغريق كانت حضارتهم ومنجزهم المعجز. وعندما هاجر إلى روما، أقيمت أقوى وأعظم الامبراطوريات في التاريخ. ثم عندما هاجر إلى قرطبة وبغداد، في العصور الإسلامية، أبدعت هذه الحضارة وأهلها، لدرجة أنهم حجبوا الكثير ممن سبقوهم وتفوقوا عليهم في عدة مجالات. وعندما هاجر من بلاد المسلمين صوب أوروبا، كانت نهضة الأخيرة وكشوفها الجغرافية، وهيمنتها على العالم كل هذه المدة الطويلة. وهذا ما ترنو إليه البلاد العربية اليوم، إنها تتوق إلى من يجلب لها ما فيه حياتها. أن يفجر ينابيع العلم والمعرفة بين جنباتها، فيغدو كل شبر فيها زينة الدنيا وعاصمتها كما كانت بغداد وقرطبة. لا أن ننفخ في مثل هذه السرديات، ونُجَمِّل فيها ما لا يُجَمَّل. وهي القادمة من أتون العوالم السفلي، ولا تحمل فوق الأكف سوى الخراب واليباب.
وعطفا على ما سبق لن نتحدث عن المرأة في الإسلام، فهذا الموضوع قد قتل بحثا. إلا بمقدار ما يلامس، موضوع هذا المقال. فالمرأة بايعت الرسول ص، ومن جملة ما بايعت عليه. حقوقها السياسية ودورها، في بناء دولة المدينة. فبأي حق تُحرم اليوم، من حقها في العمل. وهو من حيث المرتبة، أقل من حقوقها السياسية، الذي أقرها لها النبي ص. علما بأن الصحابيات شاركن الرجال، في الدعوة إلى الدين الجديد. كالسيدة خديجة وزينب بنت خزيمة، وجويرية بنت الحارث، رضوان الله عليهن. وهناك من استشهدن في سبيلها، بعد أهوال من العذاب، ومثال السيدة سمية معروف للجميع. ونساء أخريات برزن في مجال الفقه، كالرجال تماما وعلى رأسهن. عائشة أم المؤمنين وأم سلمة، وكنا مراجعا للرجال. حتى أنه يقال بأن 70 بالمئة، من السيرة النبوية ولولا السيدة عائشة، لكانت ضاعت إلى الأبد. ولهذا فالرجل مدين لها في هذا الجانب، ودينه يستحيل عليه ارجاعه. كما لا ننسى دورها، في العناية بالقرآن وحفظه، وهنا نلتقى بمنجز السيدة حفصة ر. ونفس الأمر مع رواية الحديث، فهناك مئات الصحابيات، المعروفات في هذا المجال. ورفيدة الأسلمية الممرضة الشهيرة، لم يقل لها أحد بأن مكانك البيت. والربيع بنت معوذ حديثها صريح وهي القائلة : “كنا نغزو مع رسول الله فنسقي القوم ونخدمهم ونداوي الجرحى ونردّ القتلى والجرحى إلى المدينة”. وكل هذه الأمثلة وغيرها، مما لا يتسع المجال لذكرهن جميعا. دليل على أن المرأة كانت، عنصرا فاعلا في مجتمعها. وفق ما لها من مؤهلات وقدرات، لا ما يقرره لها الرجل.
كما أن المرأة شاركت، في القتال إلى جانب الرجل. ففي معركة اليرموك، التي دارت رحاها وكما نعلم جميعا، سنة 15 هجرية زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. ولا نعرف كيف أن الأخير يسمح لهند بنت عتبة، بالمشاركة في هذه الحرب، ولا يأمرها بالتزام بيتها. خاصة وأن السيدة عائشة ر، سبقتها في هذا المجال. في الغزوات الأولى للرسول الكريم ص، كمقاتلة بعد أن كانت ساقية في الغزوات الأولى لصغر سنها. وفي نفس السياق نعرج، على خولة بنت الأزور. التي كانت مقاتلة، ولم يأمرها كبار الصحابة، بالكف والقعود في بيتها، طالما أن هناك رجالا يضطلعون بهذا الأمر.
إن إنكار هذه الحقائق التاريخية، لهو طعن مباشر في ذمة الرسول ص. فهو وحاشا سيد الخلق ص، من أنه لم يحسن تربية صحابته الكرام رضوان الله عليهم. ذلك أنهم خالفوا سنته، بعد موته وتجاوزوا ما أقره من حدود. وهذا أمر خطير، على أصحابه العدول عنه. ومن الأمثلة السابقة، لا يمكن أبدا القبول بمثل هذه السرديات. التي تفترى على الإسلام وتدعي، بأنها تسند إليه وتستمد منه شرعيتها. وربما العيب في أصحابها، فهم عاجزون عن التفاعل مع النص المقدس. ولذلك فتلك السرديا، لا تمثل الدين أو تعبر عنه. أمّا إن كانت اجتهادا شخصيا، فالأخير مرفوضا للاعتبارات، المذكورة في هذا المقال.
ومن يعلم من أن المرأة، التي منعتها بالقوة من العمل. لن تكون من نموذج، عالمة الكيمياء جيرترود إليون، الحائزة على جائزة نوبل العام 1988. هذه التي طورت أدوية خاصة بالسرطان، ومضادات الفيروسات، ولا يزال منهجها مستخدما إلى غاية اليوم. وليس بعيدا عنها العالمة الفذة، ماري كيري مكتشفة الراديوم والبولونيوم، وجهاز الأشعة السينية. كما لا ننسى مبتكرة أول جهاز حاسوب، وأول برنامج لمعالجة النصوص إيفلين بيريزين. ومعهن الأمريكية غيرترود إليون، الحائزة على 45 براءة اختراع. والقائمة طويلة ولا يمكن، أبدا حصرها في هذا المقال. ولولا المرأة لربما ما انتصرت، دول الوفاق الثلاثي ثم دول، الحلفاء في الحربين الكونيتين. ذلك أنها عوضت الرجال في أماكن عملهم، في المصانع وأثبتت كفاءة عالية، فاقت كفاءة الرجال . وغير هذا من المجالات الكثيرة، حتى أن بعضهن قد لعبن أدوارا، قتالية عزَّ نظيرها عند الرجال. وقبل هؤلاء جميعا فإن للمرأة، فضل على البشرية جمعاء. يتمثل في اكتشاف الزراعة، وكان هذا في العصر النيوليتي الزراعي، أو العصر الحجري الحديث. وبعد كل هذا يجب القول لا لمن يريد، تدمير هذه الأيقونة (المرأة). هدية الله إلى الأرض ومن عليها، وواهبة الحياة بأمر من الله تعالى. كفانا انتقاص من مكانة المرأة، بما مفاده أنها عورة، فللرجل كذلك عورة. ولعل عورة الجهل إن انتصبت أعلامها فيه، لهي أقبح مما يعتبره عورة في النساء.
أخيرا إن هذا المقال لا علاقة له، بما يسمى الفكر النسوي ( الفيمنيزم Feminism) بطبعته الغربية. نعم إن أولى مهام المرأة في الحياة، أن تكون زوجة وربة بيت وأمَّا. وكذلك الرجل فأولى مهامه في الحياة، أن يكون زوجا صالحا وأبا ورب أسرة. ولكن كل هذا لا يمنعه، من أن يكون فاعلا في الحياة، وكذلك الحال مع المرأة. ولهذا فمن المنطق، أن يُطرح هذا السؤال المشروع. هل حرمان المرأة من العمل، هو من سيقضي على مشكلة، البطالة والعنوسة في المجتمع. وهل انتهت كل المشاكل، ولم يبق سوى هاتين المشكلتين، لعل الإجابة فيما مرّ في هذا المقال.













































عذراً التعليقات مغلقة