د. خالد زغريت
لمحمود درويش مأثرة تاريخية بنقل حبل الغسيل من أداة لنشر الغسيل ، واتخاذه كناية عن السخرية والتندر والغمز إلى راية للشعر؛ قبل محمود درويش كنا لا نسوق عبارة حبل الغسيل إلا للدلالة على التستر عليه لأنه ناشر ما لا يجب أن يرى من الآخرين، بينما رفعه درويش إلى سدة شعرية تتوهج بمعانٍ حيوية دافئة.
كخصوصية الهوية مثلاً. ،
امتطى الأدباء موضة البطل في ثيابه الداخلية للبحث في الأراضين المحرمة، واكتشاف كنوزها المطمورة مغتبطين بما يحققونه من إثارة في تصوير مغامرة رحلتهم، فأسرفوا في نشر كل الثياب على حبال غسيلهم، بما فيها تلك التي تفضح ما يرتكبونه من جرائم سرية مخفية في الظلام، بل أفرطوا في ملاحقة الإثارة والمغايرة ،والإدهاش حتى ولو كان ثمنُ ذلك الإدانةَ، فوقعوا في مطبات كثيرة ؛بل هم حفروا هذه المطبات، فانتقلوا من لوم براقش التي جنت عليهم إلى خلق براقشهم بهمة عالية، راغبين بتمثل قواهم العقلية بالجني على أنفسهم، فأوقفوا مصداقية الكثير من دعواتهم ومقولاتهم على حاجز المساءلة: هل حبل غسيل الأدباء لمجرد الإثارة.. أهو للتباهي في الرذيلة.. وأي أفق يستوي معناه الفضيحة أم الحميمية، لنتساءل معا عن ذلك في الأمثلة التالية :
ربما يتأتى الاتفاق على أن الشعر موقف، ومصداقيته في مصداقية الموقف، لا نتخالف في أن الشاعر محمد الماغوط الشاعر، و المسرحي شاعر موقف مناضل، لا يفتر مواله عن الاضطهاد السياسي الذي يعانيه جزاء مواقفه. فاسمعوا إذاً حكاية محمد الماغوط عن انتمائه الحزبي الذي أسس موقفه على مرتكزاته، يقول عن انتسابه إلى الحزب القومي السوري:
(كان في الحي الذي أسكنه ببلدة سلمية مكتبان متجاوران، أحدهما للحزب الشيوعي، والآخر للحزب القومي. ولما جئت بقصد الانتساب رأيت أن مكتب الحزب الشيوعي لا يحتوي على مدفأة بينما الحزب القومي فيه مدفأة فاخترت الأخير لأني كنت بردان….)
هل يحق لنا باحتذاء منهج الماغوط الانتمائي أن نسوغ عار التكسب الذي دمغنا بختمنا على جباه فاعلية من الشعراء القدماء.
أما آن لهم أن يتحرروا من رقّنا لهم بتكسبهم…؟ إنه محمد الماغوط الشاعر الكبير والمسرحي الذي يناهض الحكام بأدبه ، و يصفق الشعب لنقده السياسي المعبر عن قهره الداخلي، ألم يقهرهم أكثر مما انقهروا من الفساد السياسي عندما أحسوا بهزئه منهم ومن مشاعرهم، وماذا يسمون حبل غسيله ؟
هذه واحدة أما الأخرى :فاسمعوا لميخائيل نعيمة المبدع الذي وقف على جبل الإنهاض والتنوير والإرشاد كاشفاً عن الجهل مندداً بالخزعبلات مبشراً بالعلم الناسف للأوهام بين مذهبه الفلسفي، ولا أقول العقائدي كون المسألة تتعلق بالموقف، وليس العقيدة ؛ونعيمة محسوب في جبهة التنوير العام، وليس الخاص ( أنا أعتقد بحياة ليس لها بدء ولا انتهاء وأعتقد بحياة أبدية وبأنني سأحياها بعد أن أموت ليس هناك موت بمعنى الفناء وما زلت عل عقيدة التقمص) أؤكد هنا ولا أقصد بمحاكمة العقيدة أو الغمز بها إنما أين العلمانية التي بنوا فهمهم الإرهاصي لها في التنوير…؟ أما ممدوح عدوان المسبع الكارات الذي كتب لدى قراءته لحوار مع نزار قباني يؤكد فيه على جمهورية الشعر، بأنه رغب بأن يخرج إلى الشارع مهرولاً صارخاً ملء شدقيه أنا الشاعر.
فإنه يقول كذلك:( الشعر بالنسبة للعرب مثل فلسطين
كل إنسان له الحق في إبداء رأيه وتقديم مقترحاته) ما هو العار يا شاعر الشعب في أن يدلي الجميع برأيه في الشعر ؟؟؟؟ أليس من حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه يا حامل لواء الحرية وأبرز منافحي القمع؟؟؟؟ بلى من حق الجميع أن يدلوا بآرائهم، وأن يمسحوا الأحذية بالقصائد التي لا تروقهم فليس من وصاية عليهم أليست الوصاية من مخترعات الاستعمار، أنتم قلتم لنا ذلك وما زلتم..
أما الأخيرة فهي مساءلة الشاعر عن صدق موقفه الذي يتلون حسب المناخ (ك)…كتب مرة الشاعر المحبوب محمد علي شمس الدين في مجلة الكفاح العربي في زاويته أجراس تحت عنوان (جاك بيرك العربي ونجيب محفوظ الإسرائيلي ): إن حالة جاك بيرك العربي الكبير اليائس تدعو إلى التأمل، إننا نرى أنه ليس غريباً أن تؤتى حضارة من خارجها أن تستحيا بلقاح خارجي، لكن هل لا بد للعربي دائماً من آخر يدافع عنه… في الزمن العربي الراهن الذي يسقط فيه نجيب محفوظ في الزمن الإسرائيلي، ويموت ضميره موتاً أخيراً، يستيقظ ضمير جاك بيرك العربي) ثم كتب في المجلة ذاتها وفي الزاوية عينها بعنوان النوبليان : (حضر نجيب محفوظ فجأة إلى إحدى قاعات المعرض ودونما سابق إعلان فاجأنا بدخوله … وقفت أتأمله قلت في نفسي آن لهذا الفارس أن يستريح بعدما قاد العرب مظفراً إلى قمة نوب،ل وانبثق فجأة وجه يوسف إدريس ممتلئاً بصراخ الغيرة والاحتجاج، إنه يريدها لنفسه لذعة من جنون، تلون حركات وأفكار ونظرات يوسف إدريس).
طبعا المقال بطوله وعرضه غزل رفيع بصورة نجيب محفوظ وأدبه ؛ نعم هو نفسه محمد علي شمس الدين في المجلة نفسها في الزاوية ذاتها كتب هذين المقالين… ماذا يعني ذلك..!! صحيح إنه حبل الغسيل ولن يكون إلا ذلك .فإذا ارتقى في قصيدة محمود درويش إلى صورة جميلة حررته من رقّه، فإنه لدى البعض يصير نخاسا يمتهنهم بأيديهم.

















































عذراً التعليقات مغلقة