الكافل والمكفول بين السويد والعراق..”عصفور كفل زرزور… واثنين طيّارة”

11 أكتوبر 2025
الكافل والمكفول بين السويد والعراق..”عصفور كفل زرزور… واثنين طيّارة”

فاروق الدباغ

كتب من السويد

في عالم السياسة، كثيرًا ما تُغطّى العيوب ببياناتٍ رنانةٍ وصورٍ رسميةٍ مصقولة، لكنّ الحقيقة – كما يقول المثل العراقي – “عصفور كفل زرزور واثنين طيارة”. هذا ما ينطبق تمامًا على اللقاء الأخير الذي جمع وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري بوزير العدل السويدي ، يوهان فورشيل (Johan Forssell)، في زيارةٍ وُصفت بأنها تهدف إلى “تعزيز التعاون الأمني بين العراق والسويد”.
لكن، أيُّ تعاون هذا بين بلدين لا يربطهما لا جغرافيا، ولا لغة، ولا ثقافة، ولا حتى تحديات مشتركة؟ السويد، الدولة التي تُعدّ من أكثر بلدان العالم انضباطًا بالقانون والعلمانية، والعراق، الدولة التي تحكمها الوصاية الدينية والولاءات الطائفية والميليشياوية حتى النخاع. كأنما أراد كل وزير أن يغسل يديه من فشله الداخلي بمدّها نحو الآخر، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن شيئًا ما يتحرك… ولو إعلاميًا.
الوزير السويدي فورشيل، الذي يقف اليوم على رأس وزارة غارقة في أزماتٍ أمنيةٍ غير مسبوقة، فشل في كبح جماح الجريمة المنظمة التي تحوّلت إلى كابوس يومي للمجتمع السويدي.
كل صباح يصحو السويديون على خبر تفجير أو إطلاق نار جديد، ووراء كل حادثة خيوط تربط العصابات بشركاتٍ قانونيةٍ تموّلها أموالٌ سوداء داخل النظام نفسه. فحتى مؤسسات الدولة السويدية لم تسلم من الاختراق. فشل متواصل في ضبط الأمن الداخلي قابله تضييقٌ مستمر على المهاجرين، وكأنّ المشكلة ليست في المنظومة، بل في الغرباء الذين صاروا الشماعة المفضلة لكل إخفاق حكومي.
أما الوزير العراقي عبد الأمير الشمري، فحدّث ولا حرج. وزارة الداخلية العراقية تعيش تحت ظلّ “الوصاية الإيرانية” علنًا، لا سرًّا. فالمستشارون الإيرانيون يتابعون تفاصيل عمل الضباط العراقيين، واللغة الفارسية باتت تتردّد في المكاتب الأمنية كما كشفت تسجيلات رسمية بثّتها الوزارة نفسها. كيف يمكن لوزيرٍ يتحدّث عن “السيادة” أن يسمح بتبعيةٍ بهذا العُمق؟
بلاده غارقة في الفوضى الأمنية: اغتيالات، ابتزاز إلكتروني، عصابات مسلحة، وميليشيات تتجاوز المئة، كلٌّ منها يحمل سلاحًا وولاءً مختلفًا، لكنّها جميعًا ترتبط بخيطٍ واحدٍ هو الحرس الثوري الإيراني.
لقاء الشمري وفورشيل في ستوكهولم لم يكن أكثر من مسرحية سياسية متبادلة؛ كلٌّ أراد أن يُخفي فشله الداخلي بستار التعاون الدولي. فالأول يريد أن يبدو كوزيرٍ فاعل في محاربة الإرهاب، والثاني يحاول أن يُقنع السويديين بأنه يصنع تحالفاتٍ دولية لحماية أمنهم، رغم أن النار تشتعل داخل بيتهما قبل أن تمتدّ إلى أي مكانٍ آخر.
المفارقة الساخرة أن هذا اللقاء يذكّرنا بالمثل السويدي الشهير “Lika barn leka bäst” أي “الأطفال المتشابهون يلعبون معًا بشكل أفضل”، وهو ما ينطبق هنا تمامًا: فالفشل جذب الفشل، والتجميل الإعلامي التقى بتبرير العجز، فـ “وافق شنٌّ طبَقا” كما يقول المثل العراقي.
ما بين وزيرٍ سويديٍّ يتخبّط في سياسات أمنية مشوَّشة، ووزيرٍ عراقيٍّ يتحدّث باسم دولةٍ لا تملك قرارها، وُلد اتفاقٌ لا يُسمن ولا يُغني من جوع، ولن يُغيّر شيئًا في واقعٍ منهارٍ هنا وهناك.
ربما كان الأجدر بكلٍّ منهما أن يبدأ بتطهير وزارته، قبل أن يتحدث عن “التعاون الأمني” مع الآخر. فالمشاكل الحقيقية ليست في الخارج، بل في داخل مؤسساتٍ فقدت بوصلتها الأخلاقية والإدارية.
وفي النهاية، يحقّ لنا أن نقول:
إذا كان “Lika barn leka bäst”، فإن الشمري وفورشيل فعلاً “لعبا معًا” لأن الفشل يجذب الفشل… ولأنّ “عصفور كفل زرزور، واثنين طيارة.”

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com