د.محمد كرواوي*
جاء خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان يوم 10 أكتوبر 2025 ليضع البلاد أمام منعطف جديد في مسار الدولة الاجتماعية، ولينتقل بالخطاب السياسي من مستوى الاشادة بالانجازات إلى مستوى الالزام بالاداء والنتائج. فالكلمات المفتاحية التي استخدمها الملك، مثل “العدالة الاجتماعية والمجالية ليست شعارا فارغا” و”تغيير العقليات” و”ثقافة النتائج”، تكشف عن إرادة واضحة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها المنتخبة على قاعدة النجاعة لا الوجاهة. لقد خاطب الملك البرلمان في لحظة حساسة هي السنة الأخيرة من الولاية التشريعية، لكنه لم يكتف بتقييم الماضي، بل استثمر المناسبة لتثبيت مسار جديد يحول البرمجة الحكومية إلى التزام وطني تتقاطع فيه كل السلط والمؤسسات. وهذه التحولات في النبرة والمضمون تؤكد أن الملك يسعى إلى ترسيخ نموذج حكم يقوم على تتبع الأثر الاجتماعي للمشاريع بدل الاكتفاء بتعدادها في الخطب الرسمية.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الخطاب حمل ملامح “خطة ختامية” للولاية البرلمانية، لكنه في الوقت نفسه مثل “انطلاقة تأسيسية” لجيل جديد من الحكامة الوطنية. فالدعوة إلى إعطاء الأولوية للمناطق الجبلية والواحات والسواحل ليست مجرد توجيه إداري، بل هي إعلان ضمني عن مرحلة إعادة توزيع الثروة الترابية والاقتصادية على نحو أكثر عدلا واستدامة. كما أن توجيه الخطاب إلى البرلمان والأحزاب والمجالس الترابية ووسائل الإعلام معا يعكس إدراك المؤسسة الملكية بأن أزمة التنمية ليست فقط في التمويل، بل في ضعف ثقافة التنسيق والمسؤولية المشتركة. ومن ثم، فإن هذا الخطاب لا يقرأ كوثيقة ظرفية، بل كمبدأ تأسيسي يربط بين السياسة كفعل جماعي والأخلاق كمعيار دائم للإنصاف والمساءلة.
أولا، العدالة الاجتماعية والمجالية: جوهر الرؤية الملكية لمغرب 2030
لم يكن حديث الملك عن العدالة الاجتماعية والمجالية مجرد تكرار لمبدأ دستوري أو شعار تنموي، بل جاء ليؤكد أن المرحلة المقبلة من تاريخ المغرب ستقاس بمدى تحقق هذا المبدأ على أرض الواقع. فقد شدد الخطاب على أن العدالة الاجتماعية ليست أولوية ظرفية بل توجه استراتيجي، وأن تحقيقها يستدعي تعبئة شاملة لكل الطاقات الوطنية. هنا يظهر بوضوح أن الملك يسعى إلى إرساء مفهوم جديد للعدالة يتجاوز المساعدات الاجتماعية نحو تمكين المواطن من أدوات الإنتاج والمشاركة في الثروة. فالمسألة لم تعد تتعلق بتوزيع الدعم بل بإعادة توزيع الفرص. وهذا التحول في الرؤية يعكس انتقال المغرب من دولة الرعاية إلى دولة التمكين، حيث تصبح التنمية مشروعا جماعيا تشارك فيه كل المستويات الترابية، من الجماعات المحلية إلى المؤسسات الوطنية.
كما يلفت الخطاب الانتباه إلى أن العدالة المجالية هي المرآة التي تعكس حقيقة العدالة الاجتماعية، فالمناطق الجبلية والواحات والسواحل لم تعد فضاءات منسية، بل محاور استراتيجية لبناء مغرب متوازن ومتضامن. إن الحديث عن جيل جديد من برامج التنمية الترابية يشير إلى رغبة في القطع مع منطق المشاريع الظرفية نحو تخطيط وطني طويل الأمد، يعتمد على المعطيات الميدانية والتكنولوجيا الرقمية كأدوات للقرار. وفي هذا الإطار، يتجاوز الخطاب مجرد نقد السياسات السابقة ليضع تصورا شاملا لإعادة بناء الدولة الترابية على أسس المردودية والتكامل، بحيث لا تبقى التنمية رهينة بالمركز، بل تمتد إلى الهامش باعتباره قلب التحول الاجتماعي. هكذا، يتضح أن العدالة في منظور الملك ليست هدفا فحسب، بل أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، على نحو يجعل كل مواطن شريكا في الثروة لا متلقيا لها.
ثانيا، من البرامج إلى النتائج: نحو دولة نجاعة لا دولة نوايا
التحول الأبرز في الخطاب الملكي لهذه السنة يتمثل في دعوته الصريحة إلى ترسيخ ما سماه بثقافة النتائج، وهي عبارة تحمل في طياتها نقدا ضمنيا لمرحلة طويلة من السياسات العمومية التي كانت تقاس بكمية المشاريع المعلنة لا بنوعية آثارها. فحين يقول الملك إننا لا نقبل أي تهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي، فإنه يوجه رسالة حازمة إلى مختلف الفاعلين مفادها أن زمن التبرير الإداري قد انتهى، وأن معيار الحكم على الأداء هو الأثر الملموس على حياة المواطنين. إن هذه الرؤية تعيد بناء المنطق الداخلي للدولة، بحيث تصبح الكفاءة والفعالية مقياسا للشرعية العملية، تماما كما كانت المشروعية الانتخابية مقياسا للشرعية السياسية. وبذلك، يتقدم الملك خطوة إضافية في مسار تحديث الدولة المغربية عبر ربط التنمية بالمساءلة، وربط السياسات العامة بعقود نجاعة تفرض على كل قطاع أن يبرهن على قدرته في تحويل الميزانيات إلى نتائج واقعية.
كما أن الخطاب لا يقف عند حدود التنبيه الأخلاقي، بل يطرح أسس إصلاح مؤسساتي عميق، يقوم على اعتماد التكنولوجيا الرقمية كوسيلة لمتابعة تنفيذ المشاريع وقياس مردوديتها في الزمن الحقيقي. فالإشارة إلى استثمار التكنولوجيا ليست تقنية فحسب، بل هي دعوة إلى ثورة إدارية تجعل من المعلومة أساس القرار ومن الشفافية قاعدة التقييم. وهنا تتضح معالم دولة جديدة قيد التشكل، دولة تحاسب بالبيانات لا بالتصريحات، وتقيس التنمية بالمؤشرات لا بالوعود. إنها نقلة نوعية من الإدارة الورقية إلى الإدارة الذكية، ومن المركزية المفرطة إلى الحكامة الميدانية. وبهذا، يتحول مفهوم التنمية في الخطاب الملكي من فكرة أخلاقية إلى منظومة قياس علمية تجعل المواطن شريكا في الرقابة كما هو شريك في الإنتاج، فيتجسد بذلك جوهر الدولة الحديثة التي لا تكتفي بالنوايا بل تثبت وجودها من خلال النتائج.
ثالثا، تحالف التنمية والهوية: الرؤية الملكية لوحدة التراب والمجتمع
يتميز خطاب الملك محمد السادس هذه السنة بدمجه بين البعدين التنموي والوطني في رؤية واحدة تعتبر أن التنمية ليست منفصلة عن الهوية، وأن الحفاظ على وحدة التراب الوطني هو شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. فحين يشيد الملك بالدبلوماسية الحزبية والبرلمانية ويحثها على خدمة القضايا العليا للبلاد، فإنه يؤكد أن التنمية لا يمكن أن تنجح في بيئة يغيب فيها الوعي الوطني، وأن التماسك بين مكونات الدولة ضروري لبناء مغرب صاعد ومتضامن. هذا الربط بين السياسة الخارجية والبناء الداخلي يبرز كيف ينظر الملك إلى الاستقرار السياسي كرافعة للتنمية، لا كغاية في ذاته. ومن هنا، تتخذ قضية الصحراء المغربية بعدا جديدا في الخطاب، فهي ليست فقط قضية وحدة وطنية، بل أيضا مجال اختبار لقدرة الدولة على تحقيق الإنصاف المجالي والاقتصادي في أقاليمها الجنوبية، باعتبارها نموذجا مصغرا لما يجب أن يكون عليه التوازن بين الهوية والتنمية في باقي جهات المملكة.
ومن جهة أخرى، أعاد الخطاب توجيه النقاش السياسي نحو مسؤولية النخب المنتخبة، مؤكدا أن زمن التنصل من المسؤولية قد ولى، وأن تمثيل المواطن لا يقتصر على الجلوس تحت قبة البرلمان، بل يتجلى في الدفاع الفعلي عن مصالحه ومتابعة المشاريع التي تمس حياته اليومية. فحين يطالب الملك البرلمانيين بالتحلي باليقظة والالتزام، فهو يعيد تحديد مفهوم السياسة كمهنة خدمة عامة لا كامتياز سياسي. أما دعوته إلى محاربة الممارسات التي تضيع الوقت والجهد والإمكانات، فهي رسالة حازمة إلى الإدارة المغربية بأن المرحلة المقبلة لن تقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات، بل بقدرتها على إنجازها في الميدان. هكذا، يتحول الخطاب الملكي إلى عقد أخلاقي جديد بين الدولة ومواطنيها، قوامه ربط الوطنية بالتنمية، والهوية بالفعل، والسلطة بالمساءلة، في مشروع حضاري يسعى إلى تحقيق التوازن بين الأصالة المغربية والانخراط في العصر.
رابعا، الجيل الجديد من الدولة المغربية:
يختتم الخطاب الملكي دورة جديدة من التفكير في طبيعة الدولة المغربية ودورها في بناء المستقبل، حيث تتبلور ملامح ما يمكن تسميته بالجيل الجديد من الدولة، دولة لا تكتفي بقيادة المبادرات من الأعلى، بل تسعى إلى تعبئة المجتمع حول رؤية مشتركة للإصلاح والتنمية. فحين يخاطب الملك الحكومة والبرلمان والأحزاب ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في خطاب واحد، فهو يضعهم جميعا في موقع الشريك لا التابع، ويؤسس بذلك لمفهوم جديد للسلطة يقوم على التعاون الأفقي لا على التراتبية العمودية. إن هذا التحول يعني أن الدولة لم تعد تحتكر الفعل التنموي، بل تشاركه مع قوى المجتمع الحية، في إطار من التعاقد الأخلاقي والسياسي يقوم على الكفاءة والمساءلة. إنها لحظة انتقال من الدولة الراعية إلى الدولة المحفزة، ومن المواطن المنتظر إلى المواطن المساهم، بما يفتح الطريق أمام نموذج تنموي يستمد شرعيته من المشاركة لا من الوصاية.
وفي العمق، يعكس هذا الخطاب إرادة ملكية في إعادة تعريف مفهوم القيادة في القرن الحادي والعشرين، بحيث لا تقوم على إصدار الأوامر، بل على توجيه الطاقات وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالملك حين يدعو إلى تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، فإنه لا يوجه كلامه إلى النخب السياسية وحدها، بل إلى الضمير الجماعي للأمة، داعيا إياه إلى تجاوز الانقسامات وتوحيد الجهود من أجل مغرب أكثر عدالة وتوازنا. لقد أصبح الرهان الحقيقي هو الانتقال من الإصلاح كحدث ظرفي إلى الإصلاح كثقافة دائمة، ومن التنمية كخطة حكومية إلى التنمية كمشروع وطني مشترك. وهكذا، يقدم خطاب 10 أكتوبر 2025 تصورا متكاملا لدولة تتجدد من داخلها، تعيد توزيع السلطة كما تعيد توزيع الثروة، وتؤمن بأن النهضة الحقيقية لا يصنعها القائد وحده، بل يصنعها وعي الأمة حين يتحول إلى طاقة بناء لا إلى طاقة انتظار.
خامسا، من الرؤية إلى الأثر: الخطاب الملكي كخارطة طريق للمغرب المقبل
يشكل خطاب الملك محمد السادس في افتتاح البرلمان لسنة 2025 وثيقة استراتيجية تؤطر ما يمكن تسميته بالانتقال الثالث في تاريخ الدولة المغربية الحديثة، انتقال من مرحلة الرؤية التي صاغتها الأوراش الكبرى، إلى مرحلة الأثر التي تترجم تلك الرؤية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. فبعد عقدين من الإصلاحات البنيوية في البنية التحتية والمؤسسات، يوجه الملك الأنظار نحو عمق المجتمع، مطالبا بتحويل منجزات الدولة إلى منجزات اجتماعية حقيقية يشعر بها الفرد المغربي في صحته وتعليمه وشغله وكرامته. هذا الخطاب ليس فقط تقييما لمرحلة سياسية، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة من التدبير الوطني، تقاس فيها جدوى السياسات العامة بقدرتها على تضييق الفوارق وتحقيق الإنصاف، لا بعدد النصوص والقوانين. وهو في جوهره إعلان عن دخول المغرب عهد الدولة المقاسة بالأثر، لا الدولة المقاسة بالشعارات.
ومن هذا المنطلق، يبدو واضحا أن الملك يسعى إلى بناء توازن بين التحول الاقتصادي السريع والتحول الاجتماعي العادل، بحيث لا تتحول المشاريع الكبرى إلى واجهة براقة تغطي اختلالات العدالة الترابية. فالتركيز على المناطق الجبلية والواحات والسواحل هو في الحقيقة جزء من مشروع وطني أوسع يروم بناء تنمية شاملة لا مركزية، تعيد الثقة للمواطن في العدالة المكانية وفي كفاءة الدولة. وهكذا يصبح الخطاب الملكي في أكتوبر 2025 أكثر من مجرد خطاب افتتاحي، بل هو خارطة طريق للمغرب في العقد المقبل، تلزم الحكومة والبرلمان وكل الفاعلين العموميين بإعادة صياغة أولوياتهم وفق معيار الأثر والعدالة. إنها دعوة صريحة إلى تحويل السياسة إلى خدمة عامة، وتحويل التنمية إلى عهد أخلاقي بين الدولة والمواطن، حيث يقاس النجاح لا بما يعلن في الخطب، بل بما يتحقق على الأرض، في المدرسة والمستشفى والمجتمع.
*كاتب وأكاديمي مغربي

















































عذراً التعليقات مغلقة