فاطمة الخراز

المغرب

الملخص:
يتناول هذا العرض، موضوع التفكيكية في متن جاك ديريدا الفلسفي، و انعكاسها على التيار الفكري المعاصر لما بعد البنيوية، وكيف اندست هذه “الثورة النقدية” إذا سمح التعبير، في التغلغل داخل التصورات الفلسفية الكبرى، كون التفكيكية تعمل على اختراق كل ما هو مركزي محتكر للمعنى المبثوث داخل النصوص، كذلك سنعمل على السعي، إلى محاولة فهم الأسس، التي تقوم عليها، وتأثيرها في التصور الثابت، ثم ننتقل إلى استعراض الخطوط العريضة بآثار هذا البراد يغم النقدي، من رجة خلخلت زعامة النصوص الغربية، كذلك ارتداد صداها في تصورات الفكر العربي المعاصر ضمن مصطلحاتها و مقاصدها.
الكلمات المفتاحية: التفكيكية – جاك دريدا – المركزية – الفكر العربي المعاصر.
Résumé:
Cette présentation aborde le thème de la déconstruction dans le texte philosophique de Jacques Derrida, et sa réflexion sur le courant intellectuel contemporain du poststructuralisme, et comment cetterévolution critique, si l’expression le permet, a infiltré les concepts philosophiques dans leur ensemble, puisque la déconstruction s’emploie à pénétrer tout ce qui est central et monopolise le sens diffusé dans les textes. Nous nous efforcerons également de comprendre les fondements sur lesquels reposent la déconstruction, et son impact sur le concept fixe, puis nous passerons en revue les grandes lignes des effets de ce paradigme critique, depuis le choc qui a ébranlé le leadership des textes occidentaux, ainsi que ses répercussions dans les concepts de la pensée
Arabe contemporaine dans ses termes et ses finalités.
Mots-clés : Déconstruction – Jacques Derrida – Centralité – Pensée arabe contemporaine
المقدمة:
برزت أفكار ما بعد الحداثة، مُركزة في هجومها على المغالطات العلمية، و تحطيم التاريخ الموسوم ب“المركزية الثقافية”، بحيث تم تجنيد هيئات أكاديمية في العالم تخصصت في تقويض، و محاربة ما أتت به هذه الأبحاث الجديدة، وفق انتشارها في الفضاء الأكاديمي في سبعينيات القرن الماضي، التي أصبحت من بين الحقول النشطة على مستوى العالم بأسره، و في مجالات مختلفة ( الأدب و التاريخ و العلوم السياسية و الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع …الخ) إلى جانب الدراسات العرقية و النوعية. بعد السقوط المدوي للحداثة، و انضواء النقد الأدبي و الثقافي بكل مذاهبه تحت مظلة ما بعد الحداثة*، لتطرح قضايا، ما ذهبت إليه أهداف الافتراضات و الأكاذيب، التي حيكت زورا حول الحضارات العريقة القديمة، سواء منها الحضارة الآسيوية، أو الإفريقية، أو الأمريكية “الهنود الحمر” و كل بقعة تسلل إليها الرجل الأبيض، في غفلة من أهلها؛ ليمارس ما هدف إليه مسبقا، و خطط له مقدما، من تعنت و تصلب و عنصرية، و غزو فكري، ينزع إلى استلاب كل ما هو “أصلاني“. وما يحمل من الإغراء في خطابه، والإغراق في خطوبه.
* ما بعد الحداثة: في ضوء مبرِرات ولادتها في أرضها الأم بوصفها انعكاسا لهذه الشروط الجديدة، الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.. كرس خصوصية الظاهرة بحكم نشأتها في الغرب تحديدا. في المجتمعات الغربية، وهو ما لا ينبغي بالضرورة خضوع المجتمعات الأخرى التي لم تمر بتحولات مشابهة لهذا ومن ثَم لا النظر إلى تلك الثقافة باعتبارها نتيجة طبيعيةً النمط من الفكر الجديد. يجب إذً به الغرب من تناقُضات وانقسامات في الأيديولوجيات الحداثية، لا سيما في علاقة المركز ِ الاستغلال والاستعمار، وغياب المساواة، وسيطرة النخبة بالهامش وما نشأ عنها من قيم من الطبيعي أن تنشأ، كنوع من ردة الفعل، اتجاهات مضادة، تنادي … الخ. ومن تطالب بالخروج عن كل بسقوط الأيديولوجيات، والسرديات الكبرى، ونهاية الميتافيزيقا، و مقياس معياري، وترسيخ مبدأ الانتماء الفردي، وربما تشيع أيضا ملمح الثقافة السلعيةُ الاستهلاكية، ورفض مقولات وفرضيات عصر التنوير،وخطاب الحداثة المتمثل في الإيمان).
دروب ما بعد الحداثة، ص11
*الاختلافات والفوارق التي تفصل الفكرة ما بعد الحداثي عن نظريه الحداثي. يصنف ليمرت المفكرون ما بعد الحداثة إلى ثلاث فئات:
أ- الراديكاليون: ليوتار، وبودريار، وإيهاب حسن، الذين يَعتبرون الحداثة شيئً ينتمي للماضي، وأن الوضع الثقافي الراهن لا يَحتمل مقولاتها.
ب- الاستراتيجيون: ميشال فوكو، ودريدا، ودولوز الذين يتخذون من اللغة أو الخطاب أساسا لتحليلاتهم، ويرفضون أيَّة صياغة ملفهوم الجوهر الشامل، والكلية أو القيم الشمولية.
ج- الحداثيون المتأخرون: مثل هابرماس وجيمسون، الذين يتخذون موقفً ا نقديٍّا من الأنساق الشمولية الكبرى،ولكنهم لا يَرفضون مفاهيم الحداثة. نفس المرجع، ص 33
تفجرت الساحة الفكرية بمنعطفات عميقة غيّرت مسار الفلسفة والأدب، وكان من بين أبرز هذه التحولات، ظهور نقدي جديد ما بعد البنيوية، وهو ما يعرف بالتفكيك La déconstruction أسسه الفيلسوف الفرنسي المثير للجدل جاك دريدا، الذي لم تكتف دراساته بإعادة قراءة النصوص الأدبية والفلسفية، بل امتد تأثيره ليكتسح الكثير مجالات المعرفية والجغرافية، بما في ذلك التصورات الفكرية العربية. تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على هذا المفهوم الغامض و الملتبس، والكشف عن الأسس التي يقوم عليها هذا التيار النقدي. كما تهدف إلى تتبع أثر التفكيكية في استعراض أهم القضايا، التي أثارتها، بجهاز مفاهيمي عزز من ثبوت أركان أهدافها و مقاصدها، بكلمات مفتاحيه اختصت بها، مثال مفهوم “المركزية” و هدم الهيمنة الغربية على الساحة الفكرية العالمية. كما تهتم بأصحاب الأقلام المهمشة، ، وغيرها من التيارات الفكرية التي تسعى إلى تغيير الأوضاع الكولونيالية الإمبريالية. للمزيد من التعمق في الموضوع لا بد من التطرق لأسئلة حول جوانب:
ـ ما هي التفكيكية؟
ـ ما هي الأسس التي تقوم عليها؟
ـ ما هي أهم الرؤى التي تناولتها؟
ـ من هم الأعلام العرب الذين تأثروا بها؟
1 ـ ما التفكيكية La déconstruction :
يقول الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان ( شاع استخدام مصطلح ” التفكيك”.. مع أن المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عند تلقيه، هو التفصيل أو التخليص، بخلاف المقابل الأجنبي الذي يفيد معنى التقويض أو التهديم، و التفكيكيات إجمالا، عبارة عن وجوده كتابة النصوص، و قد اشتهر بها الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا الذي أفاد كثيرا عن أفكار سلفيه: نيتشه و هايدجر، و الذي امتد أثره إلى خارج دائرة الفلسفة، فنفذت دعاويه في الدراسات الأدبية، و لا سيما النقدية منها1).
اشتهر عن التفكيكية بأنها حركة فلسفية أدبية ظهرت في فرنسا في سبعينيات القرن الماضي، من بين التعريفات الأخرى، أنها منهج نقدي يهدف إلى تشريح النصوص، والكشف عن بنياتها الخفية الملتبسة، كونها لا تحمل معنى ثابتا و واضحا، بل هي مليئة بالثغرات والتناقضات، التي يمكن للقارئ أن يكشفها من خلال تأويلها و إعادة بناءها على خلفية قراءة جديدة . تم تطبيق التفكيك في الكثير من المجالات ، بما في ذلك الأدب، والفلسفة، والعلوم السياسية، وقد أثرت بشكل كبير في الدراسات الأدبية والنقدية، حيث ساهمت في تطوير مناهج جديدة لتحليل النصوص وتفسيرها. واجهت التفكيكية العديد من الانتقادات، حيث اتهمها البعض بالغموض والتعقيد، وبالتطرف في نسبية المعنى. كما اعتبرها البعض الآخر، مجرد موضة فكرية لا تقدم إضافة حقيقية للمعرفة.
(بفضل ترجمة سبيفاك ومقدمتها الشارحة، احتدم الجدل ولا يزال حول دريدا الذي غزى نهجه الثوري، في معالجة الفينومينولوجيا والتحليلَ النفسي والبنيوية واللغويات، بل تراث الفلسفة الغربية؛ و وجه النقد عموما. والاسم الشائع لهذا النهج هو “التفكيك” الذي أخذت روحه تتسرب إلى مجالات أخرى لاحقًة؛ كالنقد النسوي و النقد الثقافي ودراسات ما بعد الاستعمار والتاريخية الجديدة2). تتسم التفكيكية بتفرد في الهدف، لكنها في الوقت نفسه، غيرت من مشهد الإنتاج الفكري الغربي، وساهمت في تطوير مناهج جديدة، لتحليل النصوص و تغيير ملامحها و نتائجها. تم التقاطها من قبل تيارات اهتمت بهذا التوجه لاستشكال مباحثها، و إيجاد منفذ من ثغور القبضة المحكمة و المالكة لأحادية المعنى في البعد الكوني.
(1) طه عبد الرحمن. فقه الفلسفة1( الفلسفة و الترجمة) المركز الثقافي العربي، ط1، 1995، الدار البيضاء.ص 42
(2) كلارك تيموثي. (التفكيك و الأدب). سلسلة دروس التفكيك. ترجمة حسام نايل، الناشر مؤسسة هنداوي، 2017، ص7
بعد ما كتب دريدا رسالة لصديقه البروفسور الياباني أزورتو، عمد إلى شرح مستفيض و مختزل لرحلته الطويلة مع التفكيك و التفكيكية، تم اقتباس منها هذه السطور الأخيرة (ما الذي يكون التفكيك؟ كل شيء ما التفكيك؟ لا شيء! أعتقد أن هذه الكلمة جيدة، و هي خصوصا ليست بالمفردة الجميلة، أكيد أنها أسدت بعض الخدمات، لكن في وضعية محددة جدا، و ما فرضها في سلسلة من البدائل الممكنة، على الرغم من علوم كفايتها الجوهرية، يستوجب تفكيك و تحليل هذه الوضعية المحددة جيدا، و هذا أمر صعب، و لن أتمكن من القيام به3) في هذه الخاتمة يبين الفيلسوف عن عجزه، في تعريف شامل مانع لمفهوم التفكيك. من هنا نستشف استشكال الأمر على صاحبه، فما بالك بمن نقلوا عنه؟ وهذا ما يثير العديد من التساؤلات حول امتناع دريدا عن الإفصاح عن مشروعه، و إحاطته بهالة الغموض.
(المهم أن الحركة التفكيكية لمسلمات الفلسفة، توسعت و تعمقت و وصلت أوجها في السؤال الراديكالي الجذري: ما الوجود؟ لا وجود الكائنات التي نسميها أشياء، لكن الوجود الذي دونه لا يرى شيء بعدمه، و لا يشرق بصيص من نور، الذي افترضه الأولون و الآخرون دون يدركوا ذاته، و يرى هايدجر أن (الدازاين أو الوجود هنا) طريقا ينهج إلى أانطولوجيا جديدة انبثقت مز تأويلاتها السطحية أشكال شتى مما راج و ماج بعد الحرب العالمية الثانية، هذا التفكيك نفسه، هو الذي فجر دريدا منابعه في صورة جديدة و أسلوب جديد …إن التساؤل في حد ذاته، نو ربط بين إشكاليات تجدد المناقشة الفكرية لإتاحة الفرصة للفكر و القذف بها في جدل لا يمكن التنبؤ بنتائجه4).
إن الدراسات التي أقامها دريدا حول الوجود، مكنته من تحديد المعنى الذي لا يستطيع الإنسان بلوغه، و أن لا يوجد هناك حقيقة، وإنما دوائر تأويلية حسب نيتشه، و الوجود ذاته يتخفى في ذاته، لذلك وجب التشكيك و تقويض كل صرح فكري يدعي امتلاك الحقيقة.
(3) جاك دريدا ( الكتابة و الاختلاف) ترجمة كاضم جهاد، تقديم محمد علال سيناصر، سلسلة المعرفة الفلسفية،ط2 ، دار توبقال الدار البيضاء، 2000، ص 63
(4) المرجع نفسه، 16
الفصل الأول
2 ـ المبادئ و الأسس:
2ـ 1 ـ التركيز على الهامش: تهتم التفكيكية بتحليل الهوامش، والأجزاء الميتة في النصوص، للكشف عن المعاني الخفية التي قد لا تكون واضحة في المتن الرئيسي. و يحتل مفهوم “الهامش” مكانة مركزية في تفكيكه للثنائيات الفكرية التقليدية، يرى دريدا أن الفكر الغربي قد قام على تراتبية صارمة بين المركز والهامش، حيث يحيل إلى المركز، على أنه الأصل والمرجع، بينما يعتبر الهامش مجرد تابع أو نقيض. إلا أن دريدا يسعى إلى قلب هذه المنظومة، وكشف النقاب عن أهمية الهامش في تحديد معنى المركز.
( فهو يرى أن الهامش ليس مجرد إضافة هامشية أو ثانوية، بل هو جزء أساسي من بنية المركز، ولا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر. في هذا السياق، يقدم دريدا مفهوم “الاختلاف” أو “الانتشار” (différance)، الذي يشير إلى العلاقة المعقدة بين المركز والهامش. فالاختلاف لا يعني مجرد التباين أو التضاد، بل يشير إلى عملية مستمرة من التأجيل والتأخير، حيث يتحدد معنى كل عنصر من خلال علاقته بالعناصر الأخرى، بما في ذلك، تلك التي تعتبر هامشية أو ثانوية بتصديه للمفهومات المؤسسة للميتافيزيقا الغربية و لمفهوم الأصلl’origine بخاصة يرينا دريدا بمماحكة دياليكتيكية نوعا ما، أن الأصل لا يكون أصلا إلا باستفادة من النسخة التالية له، التي يسود الزعم أنها تأتي لنسخه و تكراره، ضامنة له بذلك حيازة (الأصلي) و هذا لمسار تأتي فيه الآثار المتتابعة لتعدله في أصليته…إذن في البدء كان الاختلاف ! و هذا ما يفسر قول دريدا في التأخر أو الإرجاع الأصلي le retard original الأصل يحيل إلى لاحقه دائما. لدى يكون الإخلاف في حقيقته، مجرد إحالة إلى الآخر، و إرجاء لتحقق الهوية و انغلاقها الذاتي5).
2ـ 2 ـ الإرجاع و الإرجاء : يسعى التفكيك يقينا، إلى إيضاح، أن مسألة الرجع، أعقد وأكثر استشكالا مما تفترضه النظريات التقليدية، ولكن الأكثر من هذا (أن التفكيك يتساءل عما إذا كان مصطلح “الإحالة” يفي تماما بتسمية ‘الآخر‘ وهذا الآخر، الذي يتجاوز اللغة، والذي يستدعي اللغة، قد لا يكون هو المشار إليهréférent بالمعنى المعتاد … بيد أن يبعد عن بنية المرجع المعتاد… لا يعني القول إنه لا يوجد شيء أبعد من اللغة6) تعتبر التفكيكية أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الأفكار فحسب ، بل هي جزء أساسي من تشكيلها، وتسعى إلى تحليل اللغة و كشف آلياتها. وهذا ما جعله يميل للبنيوية في هذه المسألة، فاللغة أصبحت تعبر عن نفسها، وعن بطون نصوصها، دونما تدخل وسيط بينها و بين المتلقي.
(5) ( الكتابة و الاختلاف) مرجع سابق ذكره ص 16
(6) المرجع نفسه ، ص 30- 31
أما مفهوم الإرجاء فهو أحد المفاهيم الأساسية في أركان التفكيك، يرى فيه دريدا أن المعنى ليس ثابتا، بل هو دائما في حالة تقلب وتأخير. و الكلمات تحمل في طياتها معاني متعددة، تتأجل باستمرار، ولا يمكن حسرها. هناك تشابه نوعي بين المفهومين، لكنهما مختلفتين، تعتبر كل من “الإرجاء والإرجاع” مفهومين متكاملين يعملان معا في اللغة؛ فالإرجاع يسمح لنا بتشكيل مفاهيم عامة عن الأشياء، ولكن هذه المفاهيم، ليست ثابتة ومستقرة بين الدال و المدلول، بل هي دائما في حالة تأجيل وتأخير بسبب الإرجاء. يساهم كلاهما في فهم طبيعة اللغة، والمعنى بشكل فعال. كما يساعد في تحليل النصوص بشكل دقيق، وفي فهم كيف تنحت المعاني و تتغير عبر العصور.
2ـ 3 ـ تفكيك الثنائيات: تقوم التفكيكية على تفكيك الثنائيات المتضادة التي يقوم عليها الفكر الغربي، مثل ثنائية، الخير\الشر،والحقيقة\الوهم، العقل\الجسد،أنثى \ذكر، وتسعى التفكيكية إلى دراسة هذه الثنائيات وكشف العلاقة بينها. وهي نظرية جاءت بها الثقافة العليا. التي شاءت بسط هيمنتها في التمييز العنصري بين شرائح المجتمعات، ما جعل رواد ما بعد البنيوية، نذكر على سبيل المثال أشهرهم: جيل دولوز، ميشيل فوكو، جوليا كريستيفا ( إن إخراج دريدا من محيطه الطبيعي اللغوي السيميائي، و الدلالي الناقد لميتافيزيقا الحضور، و المقترح لنظرية جديدة في الكتابة هدفها إعادة هيكلة الثنائيات الميتافيزيقية الكلاسيكية، سيفضي حتما إلى صيدلية أفلاطون Le pharmakon de Platon التي فيها من الترياق الشافي بمقدارها من السم الزؤام، إذ سيغادر مجال إبداعه أحادي الدلالة و الإحالة، ليلج مجالا خاصا و أشمل تعقيدا، هو مجال الهرمنيوطيقا، حيث تعدد المعاني والدلالات بل الدلاليات7).
2ـ 4 – نقد الميتافيزيقا:
تعتبر التفكيكية أن الفلسفة الغربية التقليدية تقوم على ميتافيزيقا ثابتة ومطلقة، وتسعى إلى تفكيكها وكشف تناقضاتها (فظلت الكتابة محكومة بهاجس من المعلوم أن أنكسمندريس هو أول من كتب من بني الفلاسفة ذا كنسخة، وكملحق مقابل للأصل الغرافيكي المنطوق. الميتافيزيقا منذ الحقبة اليونانية، ونظر إليها دوما وامتدت هذه النظرة من أنكسمندريس حتى هايدغر، مرورا بأفلاطون وروسو وهيغل و دي سوسير وليفي سرتوس. ومن هنا محاولة دريدا – في كتاب “في الغراماتولوجيا” – تحرير علم الكتابة من الأفكار الميتافيزيقية التي ترأسه 8).
(7) جاك دريدا ( أحادية الآخر اللغوية) ترجمة عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الإختلاف، ط 1، 2008 بيروت، ص 19
(8) عمر التاور ( إستراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء) جريدة التبين ، العدد 29
وعليه فإن دريدا عمل على نسف الحضور الميتافيزيقي في النصوص، أو ما يصطلح عليه الاستشهاد السلطوي، أو الاستشهاد بسلطة صاحب النص سواء كان قديسا أو رئيسا، وقد تكون كرة قديمة عفا عنها الزمن، و ما أكثر ميتافيزيقا الحضور في النصوص العربية التي أبت الموت، و تتناقل عبر الكتابة من قلم على آخر (إن السبيل إذن إلى تفكيك ميتافيزيقا الحضور، إلا بوضع مفهوم الكتابة – بوصفه الحامل لكل التاريخ الغريب، موضع سؤال؛ والسبيل إلى التساؤل بصدد الكتابة، إلا بالعودة صوب النصوص الفكرية والفلسفية، التي عملت على تأزم مفهوم الكتابة، والعمل على تفكيكها لكشف قواعد لعبها وتخليصها من رواسب ميتافيزيقا الحضور التي علقت بها9).
من هنا تنصب التفكيكية على إسكات الأصوات المسيطرة بين سطور النصوص القديمة، محاولة نسف التصور الدلالي، الذي عمر طويلا بدون أي مسائلة و لا استجواب، و هذا يحيلنا إلى ما جاء به علم النفس الاجتماعي، و ما يصطلح عليه بالأفكار النمطية ( تتمظهر في تلك الصور و المعتقدة التي نتمسك بها عن الآخرين، أفرادا كانوا أو جماعات.. قد تكون لها من فوائد إيجابية / سلبية، قد تشوش العالم من حولنا، و تؤدي إلى مشكلات اجتماعية خطيرة المغالاة في تقدير الاختلافات بين الجماعات، الاستهانة بالبيانات داخل الجماعة، تحريف و تشويه الواقع، تبرير العدوان، أو الاستبداد10) و هذا موضوع آخر فيه تعمق رزين و عميق يتوخى التأمل لما يترتب عنه من ترسيخ للأفكار الميتافيزيقية النابعة عن إيديولوجيات محددة، في اللاوعي الجمعي حسب جوستاف لوبون و كارل يونج، قد يكون المصطلح مختلفا، لكن المضمون مقاربا على قول جيل دولوز الفلسفة هي نحت للمفاهيم.
(9) المرجع نفسه
(10) أحمد زايد (سيكولوجية العلاقات بين الجماعات)، عالم المعرفة، العدد 326، 2006 ، الفصل السادس، الأفكار النمطية، ص 127- 129
الفصل الثاني
و عليه، يمكن القول أن التفكيكية تيار فكري نقدي يهدف إلى إعادة قراءة النصوص الفلسفية والفكرية بطريقة جديدة وشاملة، تتجاوز الولاء للأفكار القديمة التي سادت لفترة طويلة. و تهدف لهدم و زعزعة الأسس والثوابت المطلقة، و تغيير المسلمات التقليدية التي تعتبر غير قابلة للنقد. كما عمد العديد من النقاد و الفلاسفة المرموقين ما بعد البنيوية، المفكرين الذين ساهموا في تأسيسها أو تبنيها أو نقدها. تجندوا لخلخلة هذه الأفكار بواسطة أدوات نقدية صارمة، تجعل من مفهوم الاختلاف مرفوض، شددت التفكيكية على أهمية الاختلاف والتنوع، ودعت إلى احترام الآخر المختلف.
1 ـ جاك دريدا:
ولد جاك ديريدا 1930 ـ 2004 في الجزائر، التي كانت آنذاك تحت الاستعمار الفرنسي. لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة، كانت تتحدث الفرنسية، وتأثرت بثقافتها، عاش طفولة عسيرة، وشباب قلق، جاك دريدا لم يأتي بأفكاره من فراغ، لأنه تعمق في من سبقوه،و تسلح بمعرفة موسوعية، جعلته مميزا يعتبر ديريدا الأب المؤسس للتفكيكية. يرى ديريدا أن النصوص لا تحمل معنى واحدًا وثابتا، بل تتضمن معاني متعددة ومتضاربة، و لا يزال إرثه الفكري حيًا حتى اليوم، ولا تزال أعماله تقرأ وتناقش في الأوساط الأكاديمية والثقافية حول العالم. اقترن اسم هذا الفيلسوف القلق، بفصل دراساته العميقة و الرزينة استطاع فك شفرة أفكار حول الوجود. (دريدا مفكر لا تعنيه مشكلة الالتزام، لكنه رجل من أخلص الرجال، لمواقف تشرف الإنسان، لا يخشى فيها لومة لائم، لأنها تنبثق من فكر و لا تصدر عن عبث الأحداث، بما يظهر جديدا عن ملوك الكلام و فاتن الصور؛ لذلك بعلاقة الفلسفة و القوميات اهتماما فلسفيا، بحيث انتبه إلى المشكلات العالمية الكبرى. و حدت من موقفه في سياق فلسفي أخلاقي محض، في أعماقه بلا تردد و لا تساهل11).
(11) الكتابة و الاختلاف، مرجع سابق ذكره ص 16
ليس من وجه الإعجاب بمكان، و لا من وجه المبالغة، أن نقول أن دريدا بطل شجاع، إذ استطاع التقاط مطرقة نيتشه، وأضاف إليه معوله، ليهدم حصن الفكر الهيكلي (الإشكالية، على ما يبدو أن دريدا بنى كتاب كلاس Glas بطريقة تجعل مثل هذه العلاقة الجدلية dialectique بين النصين مستحيلة عمليا – بحيث يجب على المرء أن يتخلى عنها – وبالطبع ، لا يتناول الكتابة أي شيء تقريبًا باستثناء “جنازة الديالكتيك” ودفن “المعرفة المطلقة”، ونهاية طريقة معينة في التفلسف التي يعتبر هيجل بدون أدنى شك الشخصية المثالية فيها12) . إذن نستطيع القول و نحن نقف حيال هذا التحدي الأكبر، الذي أخذه دريدا على عاتقه، في دفن المسلمات مع أفار أصحابها، ونقد الديالكتيك الهيجلي و الوقوف عند حدوده، وادعائه أن “روح العصر” حقيقة وحيدة واحدة ( يبدو أن التفكيك، بمعنى ما، هو النقيض التام للتأويل. وهكذا يمكننا أن نفهم بشكل أفضل الموقف الكلاسيكي الذي لا يتزعزع الذي يتبناه دريدا في كتابه“Glas”. لا أرى شخصًا آخر، باستثناء مارتيال جيرولت* الذي أظهر، في نفس الفترة تقريبًا، تجاه مؤلفين مثل ديكارت واسبينوزا، نفس الطموح المتناقض لكتابة تعليق شفاف لدرجة أننا لا نرى من خلاله سوى العقيدة نفسها” يُقارن دريدا بجيرولت الذي سعى، في تفسيراته لديكارت واسبينوزا، إلى تقديم قراءة “شفافة” تكشف عن “العقيدة نفسها” للمؤلفين. يبدو أن هذا الطموح يتناقض مع فكرة التفكيك التي تؤكد على عدم وجود معنى واحد ونهائي13 (.
(12) ”Derrida -Hegel dans Glas (le dégel)”
Charles Ramond
HAL Id: halshs-00923405
https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00923405
Submitted on 2 Jan 2014 . p2
(13) Ibid. p 5
*مارتيال جيرولت (1891-1964) في باريس، هو فيلسوف فرنسي ومؤرخ للفلسفة، معروف باهتمامه و اشتغاله غلى أعمال الفيلسوف الهلندي قديس الفلسفة باروخ سبينوزا.
2 ـ غيالي غترافورتي سبيفاك Gayatri Chakravorty Spivak

هي المفكرة الهندية، من مواليد 1942 من أولى أعلام الحركة الديكولونيالية، ولا زالت حية ترزق، التحقت بجامعات أمريكا، و شهرتها، بدأت في ترجمتها لكتاب الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا “عن علم النحو” الصادر سنة 1976 لتنطلق في كتاباتها في كل المجالات النقدية الأدبية، خصوصا في القراءات التفكيكية الماركسية، و النسوية بحيث ركزت على مفاهيم التابع \ المهمش \المختلف، أسهمت في الانخراط في جدل حول التبعيات الثقافية، و مفهوم الهيمنة، و الاستعمارية، و الطبقية، والجندرية، بالمفهوم الأنجلوسكسوني. في سؤالها المعمق” هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” ?Can the follower speak الذي جاء على شكل مقال لا يتعدى 111 صفحة، يضم أربع أجزاء، و 89 إحالة، بحيث أراد كشف، و تفكيك الخطاب المركزي، و يعتبر من أهم ما كتبت سبيفاك، لما قدمه و يقدمه من دعم قوي لهذا التيار، الأمر الذي استدعى تسليط ضوء كبير على الكاتبة، و إنتاجاتها الفكرية، وجل منشوراتها الورقية و الرقمية، المتاحة في المكتبات و على شبكات النت. للتقرب إلى فهمها ومحاولة الغوص في متاهات تفكيرها، ما نتج عن إعادة “تأويل المقال” و إنتاج نسخا مترجمة لهذا “الفكر\ الفكرة” التي تحاول صاحبتها إيصالها للمثقف الشعبي، و تعدد إعادة كتابته، تعود إلى الأهمية المقترنة بالظرفية التي يعاد فيها تأويل المقال ، أو مبررات منطقية، استدعت القيام بمراجعات وتحولات لإغناء النص. (غاياتري تجلب لساحة النقد أفكار فلاسفة و مؤرخين و مفكرين مشهورين على نحو مكثف قصد فهم علاقات السلطة المعاصرة، و دور المثقف داخلها14).
(14) ينظر إلى مقدمة المترجم ، غاياتري سبيفاك،هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ ترجمة خالد حافظي.الطبعة الأولى2020
3 ـ هومي بهابها ( بابا) Humai Baba:

هومي بابا ( 1949ـ ) من رواد الفكر التفكيكي، و الناقد ذو الأصول الهندية، و المختص في الأدب الإنجليزي و الفني في جامعة شيكاغو الأمريكية، المتشبع بتعاليم من قبله، من رواد النقد الثقافي، و ما بعد الحداثة، و المناهضين للسلطة الكولونيالية و الحداثة، في أهم مؤلفاته “موقع الثقافة” الذي ألفه سنة 1974، يعد من المؤثرين في هذا الخطاب، بمفاهيم استقاها من إدوارد سعيد و فانون، و(جاك لاكان) البروفسور في علم النفس والحاصل على العضوية الكاملة في ‘الرابطة الدولية في فرنسا للتحليل النفسي.
تهدف أطروحة هومي بابا إلى التوظيف للنفس و علاقتها بالمنظومة السياسية في الخطاب الغربي، و التي أخذها من فانون في دراسته ما بعد الكولونيالية، في مقدمته الأخيرة لكتاب «معذّبو الأرض»، يقرأ بابا العنف الاستعماري باعتباره أحد مظاهر أزمة المستعمَر في تحديد هويّته النفسية حيث يصبح نكران الذنب عارا يولد القمع الاستعماري ذنبا نفسيا عاطفيا عند المستعمر، ( يمكن إلقاء المزيد من الضوء على فكر هومي بابا بالإشارة إلى علاقته المتجاذبة مع ذاته مع كثير من المفكرين و التيارات والسياسية التي نركز هنا على الأبرز بينها. و بداية؛ فإن تنظير ما بعد الكولونيالية عموما متأثر أعمق التأثر بأعمال المنظرين الفرنسيين، خاصة ميشيل فوكو و جاك لاكان وجاك دريدا[…] حيث يدخل إسهاماتهم في مشروعه الخاص15).
(15) هومي ك . بهابها ( موقع الثقافة) ترجمة ثائر ديب، الناشر المجلس الأعلى للثقافة، ط 1 ، 2004، القاهرة، ص19
من الواضح جليا تأثير استراتيجية التفكيك بشكل كاسح للمنابر العالمية، و بات يحظى بمكانة رفيعة لدى هومي بابا والتزود ( أما دريدا، فأثره واضح على بابا من حيث قدرة دريدا، على إيضاح الممارسات النصية و الكتابية و المؤسساتية التي يمارسها الانزياح و الإرجاء..فإن بابا يدعو معنيا بأن يكسو باللحم قول دريدا: بالنسبة للبعض منا، فإن مبدأ التعيين هو ما يجعل حرية الإنسان الواعية أمرا قابلا للفهم16). غير أن بهابها، في معرض نقده إدوارد سعيد، أضاف مفاهيم كثيرة، مثل (التجاذب) و(الاختلاف) و (الهجنة الثقافية) و(الفضاء الثالث). و رغم الانتقادات التي وجهت إلى هذا المفهوم الأخير، فإنه يبقى من أهم المفاهيم التي أتى بها، وهو المفهوم الذي ستعتمد عليه هذه الدراسات الديكولونيالية بصفة رسمية، و في الدراسات الراهنة في مسألة الهوية، كذلك رؤية فانون إلى الثقافة أنها حقل أدائي، كما عمل هومي بابا على تطوير هذه النظرية، فيما يخص التحليل النفسي، والجسدي في أفق منظور، جاك لاكان ونظرياته النفسية، و خاصة في مفاهيم (التمكن) (الآخر)(الأنا) من خلال إعادة نظرية فرويد النفسية، بحيث أنشأ جمعية “دراسة التابع في الهند”، و قلب مدونة التاريخ الهندي المكتوب من قبل المؤرخين الاستعماريين، و ما استبعدته من تراث شفهي والصور الحقيقية في الحياة الهندية.
المحور الثاني
1 ـ تأثير التفكيكية في الفكر العربي:
لا يختلف اثنان، أنه من الاستحالة الجواب على هذا السؤال الشائك، الذي طرحته سبيفاك، في بلداننا العربية، لأن شتان بين الفكر الهندي المعاصر، و الفكر العربي، يقول المؤرخ الكبير بن خلدون في مقدمته، الفصل الثالث و العشرون:” أن المغلوب مولع أبدا بالغالب في شعاره و زيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده” انصهرت العقلية العربية، و ذابت في الثقافة الغربية قلبا وقالبا، في كل الميادين و التيارات، و الحال عليه بل و يزيد “التقليد سما” ينهش في البدن العربي. من منظور فكري مغاير، هناك توجد العديد من المصنفات التي نهضت بالفكر العربي الفلسفي. (نحن مدينون لدريدة بفلسفة ارتباط الخير و الشر (ينظر للصفحة 9 من هذا الكتاب) لا بمعنى التبرير، لكن بالتساؤل الجندري الذي يحررنا من ربقة اللغة التي سادت الفلسفة و هيمنت على معظم علاقاتنا باللغات التي تطور التساؤل الفلسفي فيها. و قد نال في إطار الفلسفة الغربية، كذلك الفلسفة العربية تنتمي لهذا الإطار، و لا يمكن فهم أرسطو و العلوم اليونانية؛ إلا بالرجوع إلى مراحل الحضارة العربية الإسلامية؛ التي لم تكن مجرد مدرج يفضي لهذه العلوم17).
(16) المرجع نفسه، ص 20
(17) الكتابة و الاختلاف، مرجع سابق ذكره، ص 10
للتذكير أن البنيوية أكدت على أهمية البنية النصية، ونسقها الشكلي المغلق، والنظام المركزي للدلالة، وهذا ما أدى إلى نعتها الاختزال ورفض كل السياقات، و الإنكباب على النص المكتفي بذاته حسب ادعاء أنصارها، كل هذه “المزالق” المنهجية كانت سببا كافيا لقيام حركات معرفية في النقد الأدبي على اندثارها، تختلف عنها جذريا، وهو ما اصطلح عليه ما بعد البنيوية أو التفكيكية.
قلنا سابقا، من الراجح أن مصطلح التفكيك مطاطي المعنى، فهو من جهة يدل على التهديم والتدمير، و إعادة بناء جديدة؛ إلا أنه من زاوية فلسفية يرقى لمستوى دلالي عميق، ما يرجى و يستحب تطبيق المنهج ألتفكيكي على النصوص العربية.
(لتمييز خير ما سُمع و أحسن ما كُتب و أشرف ما يُؤثر، فإن أردنا إظهار الفارق بين الفكر الكلاسيكي العربي من جهة، و الاهتمامات الحالية من جهة أخرى، لظهر ذلك في الشك بقدرة التمييز الموروثة. و ثقتها بسهولة العملية التي تحكم العقل كفيصل عادل قاطع ظاهر يكفي لتأسيس رأي و وضع منهاج لا يظل من تمسك به على سواء السبيل؛ لذلك أرى أن ( أول) باب يولج إلى المغامرة الفكرية الدريدية، هو التحقق من هذا التساؤل، و تبيان السبل التي تؤدي إلى الاستنطاق الأنطولوجي الهيدجري، و (الثانية ) تخترق سؤاله عما انتهت إليه التجارب الفلسفية الحديثة في أسمى عباراتها و( الثالثة) تهتم بما يربط فكر ديريدا و تدخلاته في القضايا العصرية من وجهة الفكر الذي يحاول إظهارها18).
إذا ما أخذنا مثال مفكر عربي جزائري محمد أركون، الذي تغلغل في الفكر ألتفكيكي، لكن بشكل نخبوي، لا تشم فيه رائحة ثورة المهمش، ولا أي ثورة بين طيات مفرداته المعقدة، في نفس السياق، حيث يقول أن الحداثة أصبحت من التاريخ، و أنه يدفع الفكر الإسلامي إلى ما بعد الحداثة، إلى محو الثنائيات التي تشكل العقل الديني الذي يكره الاختلاف، و هذا العقل دوغمائي القمعي لا يقبل التعدد، و تكون من سماته الأساسية، أركون يشير إلى المسكوت عنه في طيات النصوص الدينية، و ما تم “تسميطه” و إخفاؤه و قمعه. يقول أنه اعتمد على الكثير من المناهج النقدية، و كان من بين مناهجه الإبستيمولوجية و التأويل و اللسانيات، استوعب أركون التراث الأنثروبولوجي في البحث عن أصول المقدس، و وظفه في أخطر كتبه ( الفكر الأصولي و استحالة التأصيل) في هذا الكتاب صدى مباشر لفكرة جاك دريدا التي تقول لا يوجد أصول و هو ما اصطلح عليه بالمركزية الوهمية، و الهوية الخالصة و المغلقة، و الهوية لا تتحدد إلا بالآخر، و السلفية الدينية و الثقافية و الأدبية و الفلسفية، المجبولة على التشبث بقدسية الأصول، و ما يسميه سيغموند فرويدبالفكر الطوطمي، البدايات الذهبية التي تتسم بالطهر والنقاء.
(18) الكتابة و الاختلاف ، مرجع سابق ذكرهن ص 7
من منظور عربي يضيف طه عبد الرحمن ففي مقاربته بين التفكيكية و فقه الفلسفة (أهم ما يتسم به النظر ألتفكيكي، وصفين أساسيين، الاتجاه الأول، هو الانقطاع عن نموذج الإحالة، أي أن الأصوات تحيل بعضها عن بعض في علاقات التوزيع و الترابط و التسلسل، و لا تتعدى النص المنظور إلى نصوص سواها، فلا تعدو العلامات المكتوبة كونها أشباحا أو آثارا.، لينفك الخطاب الفلسفي عما علق به من اعتبارات انطولوجية، في التعلق بالعقل و الحقيقة و إدراك الوجود …أما الإتجاه الثاني، فهو الاتصال بأفق الأدب، و الاتصال بأفق الأدب، ..من أساليبه البيانية للنص الفلسفي، طرقه في التمثيل و الاستعارة و التخييل، ما جعل دريدا يقف طويلا عند الاستعارة في تقريب المفاهيم و تبينها19).
و التفكيك في نظر جاك دريدا و بول ديمان* يتجلى في لا نهائية التفسيرات، و العدد اللانهائي للتأويليات، ما سماه بالقراءة الجديدة، و هدف التفكيكية أن يتحدث المؤلف بشيء، و القارئ عن شيء آخر، كذلك القطع مع الترابط و النسق التقليدي، الهدف الأساسي يكون في إعطاء مدلولات تهدم القراءات السابقة، لكن ليس بالضرورة، فهي لا تهدم المقولة الجيدة السابقة، قد تكون موضوعية و رزينة، و فيها من الخير الكثير، من هنا جاءت ما سمي بالقراءة المسيئة / السيئة لذلك تقول هذه النظرية أن الحديث أفضل من القديم.
لكن الجدير بالذكر أن القراءات الجديدة، لا يكون لها وزنا ثقيلا؛ إلا من خلال الإسناد إلى قراءات قديمة، كما كان في أصول التأويل*لدى المفسرين المسلمين، و عليه من الممكن أن تؤدي إلى مجموعة من النتائج و المعطيات تنفع المتلقي و القارئ المحترف.
(19) فقه الفلسفة1، مرجع سابق ذكره، ص 42- 43
*بول ديمان ولد بول دي مان البلجيكي الأصل (1919 )1983 نشر كتابه ” العمى و البصيرة ” 1971 . كتاب مذهل ، أخاذ ، نتاج عقل لا يهدأ ولا يرضى أن يقف عند أقل من الامتداد المفتوح لنقد الذات. وهو من الناحية الكتابية يوضح بجلاء أن دي مان قد توصل إلى منطقه ألتفكيكي بطريق مستقلة عن تأثير ديريدا. هذا ما قاله “كرستوفر نوريس”. أما “فولاد غودزيتش”فقد قال: لا يقرأ بول دي مان ليشكل هويته، أو هوية النص ، ولا هو يقرأ ليصل إلى هوية ما وراء النص. بل هو يريد أن يحدد موقع نقطة العمى في النص بوصفها منظم فضاء الرؤية التي يحتوي عليها النص. http://www.4shared.com/document/-yHHU05g/_________.htm .
*انظر كتاب (أخلاقيات التأويل، الفصل السادس) من أنطولوجيا النص إلى انطولوجيا الفهم، محمد الحيرش
يقول محمد الحيرش لتأكيد الدور التفكيكية في المنهج الهرمنيوطيقي، كيف يحد من الغلو السلطويين لهذه النصوص المتناحرة ( لقد تراجعت الحظوة التي ظلت تتمتع بها السلط و طوعت منازعها الاستعلائية، و خفف من غلوائها، لتؤول إلى مجموعة مرنة من الوساطات الاستفهامية… و قد ساعد على هذا التحول، أن الهرمنيوطيقا أضحت في الأفق الفكري الراهن، تكرس يوما بعد يوم، بوصفها ثقافة فلسفية مشتركة… تفيد منها طائفة واسعة من العلوم…فترتب عن ذلك مسالك في النظر و التأمل فيما يدعى اليوم وعيا تأويليا معاصرا يأخذ على عاتقه مسؤولية تخليص الفكر من من أغلاله الميتافيزيقية الآسرة، و تفكيك بؤر العنف المتخفية فيه، ما يسمح في حياتنا في نبذ العنف و الإنغلاق20). ما يؤكد في قوله مساعي الهرمنيوطيقا لتأسيس ثقافة فلسفية مشتركة، تدعو إلى الحوار البناء الذي لا يلغي الآخر، و يعطي مساحة للتعايش الفكري المثمر بين جميع الأطراف المختلفة.
2 ـ التفكيك عند العرب (عبد الكبير ألخطيبي نموذجا):
2 ـ 1 ـ عبد الكبير ألخطيبي:
هو مفكر مغربي بارز، ( 1938ـ 2009 ) في مدينة الجديدة جنوب الدار البيضاء، بدأ دراسةَ علم الاجتماع والفلسفة في جامعة السوربون، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الأدب ألمغاربي. حصد العديد من الجوائز جعلت منه فيلسوفا يتصدر المشهد الفكري المغربي جنبا الى جنب مع عظماء فلاسفة عصره، اشتهر بمساهماته في مجالات الفلسفة، الأدب، وعلم الاجتماع. عرف بهوسه لكل ما هو تقليدي و تراثي في الفنون الحرفية المغربية. يتميز فكره بالتنوع والجرأة في كتاباته، وقد أثر في المشهد الثقافي العربي. أبرز جوانب فكر ألخطيبي (النقد المزدوج) يسعى إلى تأويلٍ للوجود، من خلال منظور تفكيك ثنائيات الشرق والغرب، الأنا والآخر. يهدف هذا النقد إلى تجاوز الرؤى الأحادية والتبسيطية، وإبراز التعقيد والتنوع في الظواهر الاجتماعية والثقافية. كان منهج ألخطيبي متفردا في العالم العربي، والكتابة بالنسبة إليه مغامرة تقتضي تفكيك الأشياء وممارسة النقد المزدوج للتراث ولمعرفة الآخرين، وتقتضي إلغاء الحدود المصطنعة بين الأجناس الأدبية وبين أنواع الكتابة، كذلك قدم أطروحات نقدية وتصورات فكرية أثارت ردود أفعال متفاوتة، اهتم بتحليل النظم الثقافية المادية والرمزية، وظل يبحث عن الخيوط المشتركة التي بإمكانها توحيد العالم العربي، و كانت صدمته في فشل اتحاد المغرب العربي كبيرة ومؤثرة. قال عنه رولان بارت
(20) محمد الحيرش ( أخلاقيات التأويل) من أنطولوجيا النص إلى انطولوجيا الفهم، ط 2 ، الفاصلة للنشر ، طنجة 2019 ص 78
(إنني و ألخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والآثار، وبالحروف والعلامات. وفي الوقت نفسه يعلمني ألخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيدا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أحسّ كأني في الطرف الأقصى من نفسي21).
و هذا ينم عن اهتمام بين الأطراف الفلسفية، و اطلاع عما يروج في الساحة الفكرية المتبادلة بين الغربي والعربي، شغل موضوع الهوية حيزاً كبيراً ، حيث سعى إلى فهم الهوية المغربية والعربية في سياق التحولات التاريخية والثقافية. دعا إلى تجاوز النظرة الثابتة للهوية، والاعتراف بالتنوع والتعدد داخلها. و إعطاء فرصة لكل ما حصر في الظل، و كان هذا الفيلسوف يلي اهتماما خاصا لكل مهمش في المجتمع، لديه يقين بأن ليهم من الآراء ما يفوق غيرهم، و من الأفكار ما يستحق الوقوف و التأمل. اعتبر أن الهامش يحمل في طياته إمكانات للتجديد والتغيير، لم يعتبر الكتابة مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار، بل اعتبرها تجربةً معرفيةً ووجوديةً، تميزت كتاباته بالأسلوب الرفيع، والعمق الفكري، واستخدمت لغةً شعريةً وفلسفيةً، تجمع بين التحليل والتأمل. و قد ترجمت العديد من مؤلفاته للعديد من اللغات.

(21) عبد الكبير ألخطيبي الموسوعة المغرب الجزيرة، 3/3/2015
2 ـ 2 ـ ألخطيبي مفكر تفكيكي:
كانت علاقة صداقة فكرية عميقة، التقيا في باريس سنة 1974، ومنذ ذلك الحين، بدأت صداقتهما التي استمرت حتى وفاة دريدا، كان كل منهما مفكرا ذا اهتمامات واسعة، تشمل الفلسفة والأدب والنقد الثقافي. وقد جمعتهما رؤى مشتركة حول قضايا اللغة والهوية والاختلاف، كان كل منهما يقدر فكر الآخر ويحترمه، وقد تجلى ذلك في كتابات ألخطيبي عن دريدا، وفي إشارات دريدا إلى أعمال، كانت العلاقة بينهما تتجاوز الجانب الفكري، حيث كانا صديقين مقربين يتشاركان الاهتمامات الشخصية ويتبادلان الزيارات. كانا يتناقشان في الأفكار والقضايا الفكرية، وقد أثر كل منهما في فكر الآخر. التأثير المتبادل تأثر ألخطيبي بأفكار دريدا، وخاصة مفهوم التفكيك، الذي استخدمه في تطوير منهجه النقدي الخاص. وفي المقابل، أشار دريدا إلى أهمية أعمال الخطيبي في فهم قضايا اللغة والهوية في السياق المغربي والعربي. كتب كل منهما عن الآخر، حيث كتب الخطيبي كتابا عن دريدا، وكتب دريدا عن أعمال الخطيبي. كما ساهمت هذه العلاقة في إثراء الفكر الفلسفي والأدبي في كل من المغرب وفرنسا، حيث قدمت رؤى جديدة حول قضايا اللغة والهوية والاختلاف. جسدت هذه العلاقة أهمية الحوار الثقافي بين المفكرين من مختلف الخلفيات الثقافية
2 ـ 3 ـ الهوية المشتركة:
ساهمت في تطوير النقد الثقافي في العالم العربي، حيث قدمت أدوات جديدة لفهم وتحليل الظواهر الثقافية. يمكن القول إن العلاقة بين عبد الكبير ألخطيبي وجاك دريدا كانت علاقة استثنائية، جمعت بين الصداقة الفكرية والإنسانية، وأثمرت عن إسهامات قيمة في مجالات الفلسفة والأدب والنقد الثقافي.
في تحليل أحادية الآخر اللغوية يظهر ذلك الخيط الناظم القوي، المشترك بين دريدا و الخطيبي ( البعد النوستالجي، أن هذا الكتاب عبارة عن حوار المونولوج بين دريدا الحاضر، و عبد الكبير الخطيبي الحاضر- الغائب، حيث يستحضر أجزاء مشاركتهما في أحد الملتقيات التي انعقدت في أمريكا حول مسألة الآخر. اغتنم دريدا الفرصة السانحة بتدشين حوار مع ألخطيبي، و تحديدا من خلال كتابه “إلهام حب مزدوج”، و انطلاق من هنا يقوم دريدا بممارسة بوح من نوع خاص، حاول أز يفتح خلاله “صندوق العجب” صندوق تشكل اللغة الهوية نقاط ارتكان أولانية لبحث قضية يعتقد دريدا أنه حان الوقت لبحث من هو المفكر الحقيقي؟ من هو المفكر الفرانكفاني- مغاربي الأصل؟ إن ما يجمعنا هو أوثق بكثير من رائحة الدم و الأرض، إنها اللغة الفرنسية! من هنا أتى سؤال دريدا المحوري ( الفكرة المحورية للكتاب) هل يمكن للغة أن تكون أساسا للهوية؟22 ).
(22) جاك دريدا ( أحادية الآخر اللغوية) ترجمة عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الإختلاف، ط 1، 2008 بيروت ص 9- 10
هل يمكن لنا أن نفهم مدى القلق من الضبابية التي تلف مفهوم الهوية بالنسبة لدريدا؟ لكن ما الذي جعل دريدا يقدم نفسه على ألخطيبي، وحامل لقب المفكر الفرانكفوني ـ ألمغاربي؟ قد يتفق معه القارئ، لأنه لربما يكون ذاك الفيلسوف الفرنسي الذي لم يستطع الغرب إسقاطه أو إبعاده من الساحة الفكرية العالمية. (واضح من بين كل المشاركين، هناك مشاركان اثنان، عبد الكبير ألخطيبي، و أنا ذاتي يتقاسمان قدرا واحدا معطوفا على صداقة قديمة تمتزج فيها مؤثرات القلب و الذاكرة، و يعيشان “وضعا” خاصا بالنسبة للغة و الثقافة، وضعا أقرب منه إلى القانون23). كان البحث المشترك بين دريدا و ألخطيبي هو ذاك التنقيب عن الهوية في بطون النصوص و اللغة،
(لنفترض أنتي في إحدى الملتقيات المعقدة، في مدينة لويزيانا… قمت و دونما نية في أن أجرح عبد الكبير ألخطيبي؟ بتوجيه الإفادة التالية، محملة بكل معاني الود و المحبة، كان مضمونها: عزيزي عبد الكبير، ألا ترى معي بأنني الأولى بلقب الفرانكو- مغاربي ؟ و بأنني قد أكون الفرانكو- مغاربي الوحيد هنا؟!.. سأحرص على أن يكون قولي مبررا أيما كفاية 24 ).
يقول بارت في تمجيده للغة داخل النص، و ما تعطي للمؤلف من صلاحيات اللعب بالمفردات و الإبداع في إعادة تركيبها و إنتاجها، بمقتضيات المعارف التي توسل بها لتعكي القارئ المثقف لذة فكرية تتولد عليه عند قراءة ذلك النص (فلذة القارئ تبدأ عندما يكون منتجا؛ أي عندما يسمح له النَّص أن يقوم بتشكيل قدراته الخاصة، واستثمارا لهذا الطرح الذي قدمه بارت، طور التفكيكيون، وعلى رأسهم جاك دريدا، إلى فوضى (التفسيري المتمرد) على فضاء التأويل، فقصد المؤلف انتفاء قصدية المؤول، والنَّص نفسه لا وجود له، وفي وجود ذلك الفراغ الجديد الذي جاء، تصبح قراءة القارئ هي الحضور الوحيد، لا يوجد مع موت المؤلِف وغياب النص، تصبح كل مغلق ولا قراءة نهائية، بل توجد نصوص بعدد قراء النَّص الواحد، ومن ثم التفكيك من رفض تصور بارت لفكرة قراءة نصا جديدا مبدعا، وهكذا انتقل اكتمال المعنى، إلى قدرة القارئ على تحقيق المعنى الذي يراه في رؤى لا نهائية عند كل قراءة جديدة للنصوص. في أعماله المتأخرة، مثل (Z/S) 25)
(23) المرجع نفسه، ص 34
(24) المرجع نفسه، 37
(25) عبد الكبير ألخطيبي(الاسم العربي الجريح) ترجمة محمد بنيس. منشورات الجمل، ط1، 2009، ص 156
2 ـ 4 ـ تفكيك اللغة الشعبية القمعية:
عرف الفيلسوف ألخطيبي بمؤلفاته الغزيرة و الجريئة باللغة الفرنسية، كما عرف عنه الهوس بكل ما هو شعبي و تراثي، فيعمد إلى ترجمة كل كلمة تدخل في خانة التراث الشفهي بما فيها الأمثال الشعبية، و المعاني الثاوية فيها (إن قراءة الثقافة الشعبية عند ألخطيبي توقف منهجي و نظري في مرحلة تاريخية لا تزال تقدس المتعاليات، و تصمت عند حدود ترى أن المساس بها مدعاة للهدم. هذه المرحلة التاريخية هي التي لا يزال الفكر اللاهوتي متمحورا حولها، و لذا فإن كل مقاربة تخشى الحرب الطبقية داخل النص Texte كما تمارسها خارجه، تبقى أسيرة مفاهيم المجال المعرفي التقليدي نفسها، تستند قراءة ألخطيبي للجسم العربي إلى الفرق، و هو قانون أساس من قوانين هذه القراءة. إن الفرق إقرار بالتعدد، و يستحيل الوصول إلى الكشف عن غور الاسم العربي الجريح من دون إعطاء الاعتبار لتعدد اللغات التي تم بها صوغ هذا الجرح .حديث الكتب عن الكتب هو في بعد من أبعاده حديث المركز عن الهامش، حديث الوحدة عن التعدد حديث الغياب عن الحضور، و بالتأكيد فإن لهذا الحديث طابعا قمعيا، يرى ما حوله مواتا لا نطق فيه و لا ارتجاج حتى متى يمكننا إلغاء هذا التعدد المحرك للتاريخ؟ إن الفرق الفاعل المحرك بالنسبة للخطيبي، هناك فرق طبقي، فرق لغوي، فرق تاريخي، فرق جغرافي، فروق لا نهائية عمدت الثقافة العربية الحديثة، أكانت سائدة أم في طريقتها للسيادة، إلى قمعها26).
إن العطب الموروث في اللسان العربي الشعبي ذا البعدين “الديني و الأنثروبولوجي” المتعالي و ما سماه ألخطيبي بالنقد المزدوج، و عليه فقد استطاع هذا الطرح، الفصل بين الجسد الفيزيولوجي الملموس ( المحرم) ، و بين الجسد الذي أسست مفاهيمه تلك الثنائية المتعالية، تتناقل الكتب و الأجيال، وتصمت عند وقوفها على حافة وضع اليد على مكامن الخلل، خشية سقوطها، وتخشى أي مقاربة داخل النصوص، قد تثير الجدال العقيم كما هو خارجها، فتظل حبيسة المجال المعرفي التقليدي، ما يجعلها مركزية صلبة، و المقاربة الخطيبية، في تحدي منها، تستند إلى زحزحة ذلك المحرك للفرق الطبقية بما فيها ( اللغوية و التاريخية و الجغرافية و عرقية و لاهوتية ..) هذه الفروق هي نواة استلاب الإنسان العربي المعاصر، و المحركة لكل ما مستبد و مسيطر، في نفس السياق، يقول لولان بارت، و هو يستشكل صعوبة اللغة الشعبية في الشعب الغربي، و يعلن عدم قدرته عما ذهب إليه هذا المفكر المغربي و نوه على شجاعته في تفكيك و إعادة قراءة الجسم العربي بعين نقدية متفحصة
(26) المرجع نفسه،ص 7
(إن ألخطيبي معاصر، يساهم في هذه التجلية التي تنمو بدخيلتي…فهو يقوم بمعنى ما بالشيء نفسه لحسابه الخاص، إنه يساءل الأدلة التي ستجلي له هوية شعبه، لكن ليس شعبي الذي لم يعد بصورة هوية، التي لم تعد سوى مادة متحفية…و ما بسائله ألخطيبي هو إنسان شعبي كلية…إذا أصالته ساطعة بدخيلة عرقه، صوته متميز حتما، فهو متفرد، لأن ما يقترحه، يشكل هو استرجاع الهوية و الفرق في آن.. من هنا يمكن لغربي مثلي أن يتعلم شيئا من ألخطيبي، إننا لا نستطيع أن نفعل ما يفعله، ليس أساسنا اللغوي واحدا27).
أما تأثير جاك دريدا على النقد الأدبي الأمريكي فقد بدأ منذ خروج كتابه التأسيسي للتفكيكية، و هو
في علم الكتابة De la grammatologie أصبح دريدا مرجعا في النقد الأدبي الأنجلوسكسوني، و عزز هذا التمكين و الإقبال عليه، كون التفكيك لا يسعى إلى التحول لإرث منهجي، و لا إلى نزعة سلطوية و يفجر ينابيع الفكر التي أسست للقارئ دستورا يقيه ضربة الثنائي “النص و المؤلف” و يصبح بفعل التفكيك يتحلى ببصيرة قوية حسب دي مان، حيث شكلت بنية قوية في المتن الفلسفي الأمريكي المعاصر(يرى ريتشارد رورتي أن شهرة دريدا لم تأتِ من الفلاسفة، بل من نقاد الأدب الأمريكيين الذين وجدوا في التفكيكية أداة جديدة لقراءة النصوص وتجاوز الفهم التقليدي للتاريخ الفكري. وقد كان هذا اللقاء بين دريدا والنقاد الأمريكيين حاسمًا في تشكيل مكانة التفكيكية كأحد الاتجاهات الهامة في النظرية الأدبية المعاصرة.التفكيكية كمدرسة نقدية أصبح دريدا، رغمًا عنه، رائدًا لمدرسة فكرية في الولايات المتحدة، وهو ما لم يكن يسعى إليه28). يمثل النص الفكري الغربي سلطة مرجعية شديدة البروز في إنتاج العرب الفكري طيلة العصر الحديث، و قد بلغت من التكاثر حدا يجعلها جديرة بالدراسة و الفحص و اقتفاء الدلالات، ظاهرة كفيلة في حد ذاتها بإعادة العديد من الأسئلة و الافتراضات، ظل النظر في القراءات العربية للفكر المغربي لدراسة مستقلة تتناول مستويات المعالجات المنهجية (و هذه القراءات تعرفنا عن كثب على المصادر التي أسهمت في توفير أجيال من قراء الفكر العربي و منتجه. إن المتن الذي تمنح منه مقاربة القراءات المتعددة لجاك دريدا و تيارات التفكيك في الفكر النقدي العربي الراهن، واسع و منفلت، ينتشر في فضاء تداولي متداخل، يصب فيه الأكاديمي و الصحفي و الإبداعي، يتوزع على دراسات و مقالات و حوارا و مؤلفات يصعب حصرها 29).
(27) المرجع نفسه، ص 15-16
(28) دراسات ( التفكيكية و قراءة الأدب العربي القديم، عبد الفتاح كيليطو نموذجا) سامي محمد عبابنة، العلوم الإنسانية و الاجتماعية، المجلد 42، ملحق 1، 2015 ، ص 1077
(29) البنكي أحمد محمد ( دريدا عربيا، قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي) ط 1 ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت 2005، ص 15
لنعتقد فرضا أن التفكيك ما هو إلا تشريح و مسائلة و “محاكمة” كبرى، يخضع لها النص، كيف ما كان جنسه و دلالات تركيبه. يمكننا القول كذلك ، أن التفكيك هدم “شرعي” يميط اللثام على الوجه الحقيقي للأفكار التي تعشش في أدمغة المتشددين و النمطيين، و كارهي البحث و التجديد…
ليقول قولته الشهيرة جيل دولوز ( الفلسفة ما هي إلا نحت للمفاهيم)، و كقول جوليا كريستيفا في مفهوم التناص الذي يحيل على نصوص سابقة، و أخرى جديدة تجعل من بنية النص تنزح للتكرار و الاجترار دون طائل يذكر، لا يجرؤ على التزحزح من نقطة الانطلاق و الوصول، دائرة مغلقة تجتر ما قيل بإضافات محتشمة، لا تسمن ولا تغني من الجوع شيء. و يستمر العود الأبدي النيتشوي في دورته اللامتناهية في تلقف المعرفة دون نقد.
يقول حسن حنفي في هذا المجال ( أن هوسرل أراد أن يجد للفلسفة أساسا لا يرقى إليه الشك…و يقول يوسف كرم في تاريخ الفلسفة الحديثة، أن الفينومينولوجيا نقد جديد للمعرفة، يقصد توخي الدقة أكثر مما فعل ديكارت و لوك و هيوم و كنط، فتأخذ على نفسها أن تصف الظواهر بكل دقة و ترتبها بكل إحكام، و يقول هايدجر التلميذ البارز لهوسرل في تعريف للظاهرة (Phénomène) ما يلي : الشيء يظهر، و دراسة الشيء تقتاده إلى الضوء، المجموع يعطي الظاهرة30) انتهي الاقتباس.
(30) سرو محمد (المعرفة العلمية، مقاربات و إشكالات). باب الحكمة، ط 1 ، ص 256
الخاتمة:
بعد هذا الطواف السريع حول مفهوم التفكيك، أو التفكيكية، لرائدها جاك دريدا، و من أخذ بطرحه، و من أتى من بعده، يتضح جليا أن الموروث الفكري بصفة عامة، سواء منه الغربي أو الشرقي؛ لهو بحاجة ماسة إلى التوسل ب”اسراتيجية” هدم النص السلطوي، و الخطاب المركزي، الذي حصر بين كلماته حدود المعرفة. لاحظنا كيف استطاع الغرب أن يتخلص من القيود الوهمية المبثوثة في أعتا النصوص المنيعة توضيحا و تعقيدا. و المجندة بمسلمات القدسية السلفية، كما جاء في مأثورة الإمام أبو حنيفة النعمان“هم رجال ونحن رجال” قول يوضح أن لكل عصر مفكروه، و علماؤه و قضاياه و انشغالاته.. من المتعارف عليه، أن الفكر الغربي مر بمنعطفات كبرى، بعد التنوير جاءت حمولة الحداثة و تقديس العقل، الذي أدى بالإنسانية إلى السقوط في خنادق المنهج، وحصر العلوم، و ربطها بعلوم الفيزياء، التي شيئت الوجود و الموجود، بما فيها العلوم الإنسانية، استباحت السيطرة على العالم، بكل ترسانة الصناعة الفكرية، و الإمبريالية الاستعمارية، هذا الغلواء أدى إلى اشتعال ثورات فكرية مضادة، زهاء النصف الثاني من القرن العشرين.
فترة النقد المضاد، أدت إلى إلتآم الجرح الإنساني من جديد، لكن السؤال يظل عالقا: هل بمقدور هذا التصدي المبهر، أن يصمد في وجه السلطة المركزية؟ وذلك من منطلق، النص وليد سياقه اللغوي بوصف اللغة بيت الوجود كما جاء في قول هايدجر، و تعاقب النصوص يكون يتم في تباعد المفاهيم و الأفكار. كما يتم قراءتها قراءة جديدة، بموجب فكرة التأويل بصفة النص حمال أوجه، ونحن نبقى منتجات اللغة، و العالم منتج رمزي صامت أمام اللغة، و التفكيك لكل ذلك المدعاة الحقيقة المطلقة…
15\02\2025
فهرس المقالة
الملخص
المقدمة
المحور الأول
1 ـ ما التفكيكية
2 ـ المبادئ و الأسس:
2ـ 1 ـ التركيز على الهامش
2ـ 2 ـ الإرجاع و الإرجاء
2ـ 3 ـ تفكيك الثنائيات
2 ـ 4 – نقد الميتافيزيقا
3 ـ نماذج لامعة من رواد التفكيك :
3 ـ 1 ـ جاك ديريدا
3 ـ 2 ـ سبيفاك
3 ـ 3 ـ هومي بهابها
المحور الثاني
1 ـ تأثير التفكيكية على الفكر العربي
2 ـ التفكيك عند العرب (عبد الكبير ألخطيبي نموذجا):
2ـ 1 ـ عبد الكبير ألخطيبي
2 ـ 2 ـ ألخطيبي مفكر تفكيكي
2 ـ 3 ـ الهوية المشتركة
2 ـ 4 ـ تفكيك اللغة الشعبية القمعية
الخاتمة:
المراجع و المصادر
المصادر الورقية:
1ـ التفكيك و الأدب، كلارك تيموثي، سلسلة دروس التفكيك. ترجمة حسام نايل، الناشر مؤسسة هنداوي، 2017 ـ
2 ـ الكتابة و الاختلاف، جاك دريدا ، ترجمة كاضم جهاد، تقديم محمد علال سيناصر، سلسلة المعرفة الفلسفية، ط2 ، دار توبقال الدار البيضاء، 2000
3 ـ سيكولوجية العلاقات بين الجماعات، أحمد زايد، عالم المعرفة، العدد 326، 2006، الفصل السادس (الأفكار النمطية).
4 ـ هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ غاياتري سبيفاك، ترجمة خالد حافظي.الطبعة الأولى2020
5 ـ موقع الثقافة هومي . ك . بهابها ترجمة ثائر ديب، الناشر المجلس الأعلى للثقافة، ط 1 ، 2004، القاهرة
6 ـ فقه الفلسفة 1( الفلسفة و الترجمة) طه عبد الرحمن. المركز الثقافي العربي، ط1، 1995، الدار البيضاء
7 ـ ( أخلاقيات التأويل) من انطولوجيا النص إلى انطولوجيا الفهم محمد الحيرش ، ط 2 ، الفاصلة للنشر ، طنجة 2019
8 ـ دروب ما بعد الحداثة، بدر الدين مصطفى هنداوي للنشر، 2017
9 ـ أحادية الآخر اللغوية جاك دريدا ترجمة عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، ط 1، 2008 بيروت
10 ـ (المعرفة العلمية، مقاربات و إشكالات). سرو محمد، باب الحكمة، ط 1
11 ـ ( دريدا عربيا، قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي) البنكي أحمد محمد، ط 1 ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت 2005
المراجع إلكترونية:
12 ـ إستراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، عمر التاور ، جريدة التبين ، العدد 29
13 ـ عبد الكبير ألخطيبي، موقع الجزيرة الموسوعة المغرب، 3/3/2015
14 ـ دراسات ( التفكيكية و قراءة الأدب العربي القديم، عبد الفتاح كيليطو نموذجا) سامي محمد عبابنة، العلوم الإنسانية و الاجتماعية، المجلد 42، ملحق 1، 2015 ،
المراجع الأجنبية:
15 – ”Derrida -Hegel dans Glas (le dégel)”
Charles Ramond
HAL Id: halshs-00923405
https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00923405
Submitted on 2 Jan 2014

















































عذراً التعليقات مغلقة