التطوع صنعة القلوب النبيلة

17 أكتوبر 2025
التطوع صنعة القلوب النبيلة

أ.د أحمد محمد القزعل الهاشمي

كاتب من سوريا

منذ أن وُجد الإنسان على وجه هذه الأرض، وهو يبحث عن معنى وجوده وعن الغاية من حياته، فيجدها في العطاء لا في الأخذ، وفي البذل لا في الكنز، وفي مدّ اليد لا في قبضها، ومن هنا وُلدت فكرة التطوّع تلك القيمة السامية التي ترتقي بالروح وتُزكّي النفس وتُجسّد أسمى معاني الإنسانية والأخلاق، فالتطوّع ليس مجرّد عمل يُؤدَّى أو وقت يُقضى، بل هو فلسفة حياة ومبدأ إنساني يعبّر عن عمق الانتماء للإنسانية والوطن والمجتمع.

التطوّع في جوهره الأخلاقي والإنساني

التطوّع هو انعكاس للخير الكامن في النفس البشرية ودليل على صفاء القلب ورقّة الشعور بالآخرين، يقول الأديب اللبناني جبران خليل جبران: ” إنّما يُقاس عطاء الإنسان بما يُضحّي به لا بما يُعطيه فقط “، فالمتطوّع يُضحّي بوقته وجهده وراحته في سبيل الآخرين، دون انتظار جزاء أو مقابل، وإنما يبتغي وجه الله أو تحقيق سعادة معنوية تنبع من شعور داخلي بالرضا والإيثار، وقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9].

إنّ الإيثار هو جوهر التطوع وهو الذي يصنع من الإنسان كائناً سامياً يسمو فوق أنانيته ويذوب في خدمة الجماعة، وبهذا يصبح التطوع قيمة أخلاقية تُربّي في الفرد روح المسؤولية والمواطنة الصالحة وتُنمّي فيه الإحساس بالآخرين، فتجعله أكثر رحمة وتفهّماً وتعاوناً.

التطوّع وبناء المجتمع

إنّ المجتمعات لا تُبنى فقط بالأنظمة والقوانين، بل تُبنى بسواعد أبنائها المؤمنين بقيم الخير والعطاء، فحين يتكاتف الأفراد في خدمة مجتمعهم دون انتظار مقابل تزدهر روح التعاون وتنكمش الأنانية ويتحوّل النسيج الاجتماعي إلى لوحة من التلاحم والتآزر، فالتطوع يملأ الفراغ الذي تعجز المؤسسات الرسمية عن سدّه ويقدّم خدمات تربوية وصحية وثقافية وبيئية…، تسهم في تحسين نوعية الحياة، والمتطوع هو نقطة الضوء التي تُبدّد عتمة الإهمال وهو اليد الخفية التي تزرع البهجة في القلوب.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن المجتمعات التي ينتشر فيها العمل التطوعي تكون أكثر استقراراً وتماسكاً، فحين يخدم الشاب كبار السن ويعلّم المثقف الأميّين ويزرع الفلاح شجرة في طريق عام، ويشارك الطبيب في حملات التوعية الصحية تتحول هذه الأفعال الصغيرة إلى نظام أخلاقي كبير يصون المجتمع من التفسخ واللامبالاة، وقد قال الشاعر إيليا أبو ماضي: كن بلسماً إن صار دهرك أرقماً     وحلاوةً إن صار غيرك علقماً 

التطوع في ضوء الشريعة الإسلامية

لم يكن الإسلام يوماً بعيداً عن قيمة التطوع، بل جعل العمل التطوعي عبادةً يتقرّب بها العبد إلى ربه، فالقرآن الكريم والسنة النبوية حفلا بالحثّ على البذل والعطاء والإحسان، قال تعالى:﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ﴾ [البقرة: 184]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام:” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”، وفي هذا الحديث الشريف يتجلّى المبدأ الأصيل: أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يُقدّم، فالمتطوّع في الإسلام ليس فاعل خير فحسب، بل هو شريكٌ في عمارة الأرض ومسؤول عن إصلاحها، كما قال تعالى: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61].

أثر التطوّع في بناء الشخصية

لا يقتصر أثر التطوع على المجتمع فحسب، بل يمتدّ إلى أعماق الفرد ذاته، فالمتطوع يتعلّم الانضباط ويكتسب مهارات التواصل ويقوّي ثقته بنفسه، كما أن التطوع يُنقّي القلب من شوائب المصلحة الضيّقة ويُنمّي الحسّ الإنساني، إنه مدرسةٌ تربوية تخرّج الإنسان الناضج الذي يدرك أن سعادته الحقيقية ليست في الأخذ بل في العطاء، وقد قال المفكر الفرنسي ألبير كامو: ” لا يمكن للإنسان أن يعيش سعيداً ما لم يشعر أن لحياته معنى “، حقيقة إن التطوع يمنح للحياة معنىً أسمى؛ لأنه يربط وجود الفرد بخدمة الآخرين ويمنحه دوراً فاعلاً في صنع الخير.

توصيات معاصرة لتفعيل مبدأ العمل التطوعي

1- تعزيز ثقافة التطوع في المناهج الدراسية: يجب أن تتضمّن المدارس والجامعات مقرّرات وأنشطة تُعرّف الطلاب بقيمة العمل التطوعي، وتشجعهم على المشاركة الفعلية في خدمة المجتمع.

2- إنشاء مراكز ومؤسسات تطوعية منظّمة: حيث يتمكن الشباب من الانخراط في العمل التطوعي ضمن بيئات آمنة ومنسّقة، تسهّل عليهم المساهمة بفاعلية وتحت إشراف مدروس.

3- الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية: من خلال إنشاء تطبيقات ومنصّات إلكترونية تجمع بين المتطوعين والفرص المجتمعية، لتسهيل المشاركة وتوسيع دائرة التأثير.

4- تكريم المتطوعين وتشجيعهم: فالإشادة بجهودهم تُحفّز الآخرين وتنشر روح المنافسة في الخير. كما ينبغي أن تتبنّى وسائل الإعلام قصصاً ملهمة لأبطال التطوع.

5- دمج العمل التطوعي في استراتيجيات التنمية المستدامة: لأن التطوع ليس جهداً مؤقتاً، بل ركيزة من ركائز التنمية تساند خطط الدولة في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.

6- إطلاق مبادرات تطوعية تخصصية: مثل التطوع البيئي والتطوع الصحي والتطوع الثقافي؛ ليُوظَّف كل فرد خبراته في المجال الذي يُبدع فيه.

7- تفعيل مبدأ الشراكة بين القطاعين العام والخاص: من خلال برامج المسؤولية المجتمعية التي تتيح لمؤسسات الأعمال أن تسهم بفاعلية في خدمة المجتمع عبر التطوع المنظّم.

أخيراً: إنّ التطوع هو لغة القلوب النقية التي تتحدث بالعطاء دون صوت وتمنح دون انتظار، هو جسرٌ بين الناس وسُلم ترتقي عليه الأمم نحو حضارة أخلاقية سامية، إنّ المجتمعات التي يغمرها التطوع لا تعرف التفكك ولا اللامبالاة؛ لأنها تقوم على الحب والإيثار والتكافل، لنعمل على صناعة الخير، نغرس شجرةً، نعلّم جاهلًا، نبتسم في وجه محتاج، فكل عمل طوعيّ مهما بدا صغيراً يضيف لبنة في بناء وطن قويّ متماسك.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com