نجلاء مرون
باحثة في القانون العام -المغرب
عرفت الحركات الاحتجاجية خلال العقدين الأخيرين تحولا بنيويافي منطلقاتها وأدواتها وأهدافها، فبعد أن كانت تنبثق من سياقات وطنية أو إقليمية محدودة، أصبحت اليوم تتغذى من تفاعلات جيوبوليتيكية عابرة للقارات، حيث تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية وصراعات النفوذ بين القوى الكبرى.
في الموجة الأولى من الاحتجاجات كان الطابع الإقليمي هو الغالب، ففي العالم العربي شكلت انتفاضات 2011 تعبيرا عن تفاعل داخلي مع أزمات بنيوية مثل الفساد والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، لكنها تأثرت أيضا بتداعيات صراعات إقليمية كالغزو الأمريكي للعراق والتنافس الإيراني الخليجي والانقسام العربي. وفي أمريكا اللاتينية قادت التحولات السياسية في فنزويلا والبرازيل إلى موجة احتجاجات متبادلة ذات بعد إقليمي ضد النيوليبرالية، أما في أوروبا الشرقية فقد ساهم توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في خلق “جيوب مقاومة” احتجاجية ضد ما ينظر إليه كهيمنة غربية، كما في أوكرانيا وجورجيا وروسيا.
في هذه المرحلة كان الفاعل الإقليمي، سواء دولة كبرى أو تكتلا إقليميا، يلعب دور المرآة التي تنعكس فيها المطالب الاجتماعية والسياسية المحلية، حيث ارتبطت الاحتجاجات بتوازنات القوى الإقليمية أكثر من ارتباطها بالمنظومة الدولية ككل.
لكن منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، انتقلت الحركات الاحتجاجية إلى مستوى الجيوبوليتيك العالمي، لم تعد الغايات مرتبطة فقط بمطالب محلية، بل أصبحت تعبيرا عن اختلالات النظام الدولي ذاته، فحركة “احتلوا وول ستريت” سنة 2011 كانت صرخة ضد هيمنة رأس المال المالي العالمي، بينما جسدت حركات المناخ مثل “أيام الجمعة من أجل المستقبل” قيادة شبابية عابرة للحدود في مواجهة تقاعس الدول الكبرى.
كما أن احتجاجات هونغ كونغ، والسترات الصفراء في فرنسا، واحتجاجات إيران والسودان، أظهرت أن أدوات التعبئة الرقمية مثل تويتر وتيك توك وتليغرام خلقت فضاء احتجاجيا كونيا لا تحده الجغرافيا ولا السيادة الوطنية.
وتبرز حركة “جيل زد” كأوضح تعبير عن هذا التحول من الجيوبوليتيك الإقليمي إلى الجيوبوليتيك العالمي فجيل زد الذي نشأ في فضاء رقمي مفتوح لم يعد يتأثر فقط بحدود الدولة أو سردياتها الوطنية، بل أصبح يتفاعل مع رموز وقضايا كونية مثل المناخ، العدالة الرقمية، المساواة الجندرية، وحرية التعبير. وتكشف احتجاجاته، سواء في المغرب، أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية، عن وعي شبكي جديد يرى في التضامن الرقمي وسيلة ضغط تتجاوز الآليات التقليدية للسياسة.
في السياق المغربي مثلت أزمة جيل زد نموذجا واضحا للتفاعل بين المحلي والعالمي في دينامية الاحتجاج، فالشباب الذين خرجوا للتعبير عن رفضهم لأوضاع الصحة والتعليم وغلاء المعيشة لم يتحركوا بدافع اقتصادي صرف، بل انطلقوا من إحساس جماعي بالتهميش الرمزي والسياسي، وبحاجة إلى إعادة تعريف المواطنة خارج الأطر الحزبية التقليدية، لقد تشكل وعيهم الاحتجاجي داخل فضاء رقمي متشابك حيث تتقاطع الخطابات حول العدالة الاجتماعية والكرامة الرقمية مع الصور والرموز العابرة للقارات، ما جعل حراكهم امتدادا للاحتجاجات العالمية أكثر من كونه حدثا محليا معزولا.
يتميز جيل زد المغربي بقدرة فريدة على الجمع بين الانخراط في الديناميات الكونية والتمسك بالهوية الوطنية، فهو يتقاسم مع أقرانه عبر العالم استخدام التكنولوجيا والتشكيك في السلطة والمطالبة بالعدالة، لكنه يعيش سياقا مغربيا خاصا تتقاطع فيه طموحات التنمية مع تحديات التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية، ومن هنا فإن احتجاجه ليس رفضا للدولة، بل مطالبة بإعادة بناء الثقة وتجديد الوسائط السياسية والاجتماعية.
تختلف احتجاجات هذا الجيل عن نظيراتها الغربية من حيث الشكل والمضمون، إذ تتخذ في الغالب طابعا عفويا وتلقائيا بدل التنظيم الأيديولوجي الصارم. يعتمد الشباب المغاربة على السخرية والرمز والميمات كأدوات للتعبئة، ويحولون الفضاء الرقمي إلى ساحة للنقاش والمقاومة الناعمة، فالنكتة والمقطع الساخر والهاشتاغ أصبحت بدائل عن الشعارات الكلاسيكية، تعكس ذكاء شعبيا وقدرة على التعبير الجماعي دون بنية تنظيمية واضحة.
أما في علاقتهم بالدولة فإن جيل زد لا يتبنى موقفا صداميا، بل يسعى إلى مساءلة النخب الوسيطة التي لم تترجم الإصلاحات الكبرى إلى نتائج ملموسة، إنه جيل يرى في الملكية إطارا للاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يطالب بتجديد القنوات التي تمكنه من المشاركة في صياغة السياسات العمومية. وبهذا المعنى يمثل احتجاجه نوعا من “الرقابة الاجتماعية الجديدة” التي تمارسها الأجيال الرقمية على المؤسسات.
جيوبوليتيكيا، يتفاعل هذا الجيل مع العولمة من موقع المشارك لا التابع، يستخدم أدواتها لتأكيد ذاته وهويته، ويعيد تأويلها من منظور مغربي وإفريقي وإسلامي، فيسعى إلى الانفتاح دون الذوبان، وإلى الكونية دون التخلي عن الخصوصية.
جيل عالمي في لغته وأدواته، لكنه محلي في رموزه ومرجعياته، يحتج لا ليعارض فحسب، بل ليعيد تعريف معنى المواطنة والانتماء في مغرب يسير نحو مرحلة جديدة من التحول المجتمعي والسياسي، حيث يصعد الفعل الرقمي كقوة مدنية مؤثرة في مستقبل الدولة والمجتمع.
المقال خاص لصحيفة قريش – لندن













































عذراً التعليقات مغلقة