حميد المصباحي

كاتب من المغرب
يقال عن الحضارة الإسلامية والعربية في صلبها، أنها حضارة نص، غدا ضرورة نصوصا، كلما جد مستجد، اضطر أهل الفكرة بالتفسير وحتى التأويل، إلى تجديد المعاني لتتسع لما جد في أمور الحياة والدين، كمنظم للحياة الخاصة ويمدون ذلك حتى للمشترك العام.
ومع تعدد المستجدات وتكاثرها، بل أحيانا وتعقيدها، تظهر اجتهادات شاذة وغير مقبولة لا عقلا ولا قانونا وأحيانا مرفوضة حتى أخلاقيا، فتصير إما مرفوضة بدون التصريح بذلك، أو مفروضة بسلطة الدولة أو إكراه المجتمع.
فكيف يحدث ذلك، وما هو مأزق الفقه في ذلك والدولة وحتى المجتمع؟
وهل التجاهل أم الإكراه هو الحل أو الاجتهاد وفق قواعد جديدة بقيم مقبولة حضاريا وإنسانيا؟
1علم الحديث:
هو ما جمع وما ورد عن النبي من أحاديث وأفعال وقرارات، أي السنة والسيرة، وهذه العملية لم تبدأ كتدوين إلا في سنة 750 ميلادية، مع الدولة العباسية عندما أطاحت بالأمويين ونكلت بأحيائهم وحتى أمواتهم، انتقاما لأهل البيت، وعلى رأسهم الحسين بن علي بن أبي طالب.
وقد جند العباسيون علماء وفقهاء، أغلبهم من الفرس والإيغور، الأتراك حاليا وحتى بعض السلاجقة، فلم يكن العنصر العربي، مصدر ثقة العباسيين، الذين انتصروا بغير العرب، ممن لا يزاحمهم في شرف الانتماء لقريش أو أنصار المدينة، يثرب.
جمعت الأحاديث التي بقيت محفوظة في صدور الناس لما يزيد عن قرن ونصف بعد موت الرسول، ولكثرة ما جمع ثم دون، وجد الفقيه صعوبة في التصنيف، بناء على اللغة أو الفكرة، فأبدع رجال الفقه والسنة قواعد لترتيب الأحاديث، وهي المعروفة، بالصحيح والحسن والضعيف والآحاد، فما هي قواعد ذلك؟
هناك معنيين لا محيد في هذه المعرفة عن عرضهما، وهما:
أ الدراية: ومفادها صفات الراوي من حيث كونه عدولا يشترط فيه حفظ الصدر أو الكتابة، وهناك شهود على ذلك، ولذلك كانت صفة الحافظ كلقب، محيلة على قدرته على التذكر بدون إضافة أو نسيان.
وهو بذلك ضابط لهذه المعرفة ومتابع لها ومجمع لما ورد فيها، مما يشترط في الحديث الاتصال وهو المعروف بالتواتر، أي التقارب التاريخي بين من سمع عن الآخر في سلسلة الوارد والمروي عن فرد من خلال آخر أو حتى جماعة سماعا وقولا.
وهناك من اشترط المعاصرة زمنا وحتى مكانا، بحيث يكون الراويان في المدينة نفسها وثبت لقاؤهما كما اشترط البخاري، ولذلك اعتبرت الأحاديث التي رواها من الصحاح إلى جانب مسلم، غير أن أصحها هو ما رواه البخاري وفق لما عرف بشرطه السابق الذكر.
ب وهو الرواية: أي مضمون الحديث نفسه، ومدى اتساقه مع النص القرآني والدعامات التي له من خلال الأخبار التي تناولت الموضوع نفسه، يعني ألا يكون فيه شذوذ أو علة خفية طالت المضمون لغة أو تعبيرا أو حكما.
وقد يكون الحديث في بعض حالاته مفصلا لمجمل ورد في النص القرآني، فكان بمثابة محكم أو مفصل لمجمل عام، ورد في صيغ مختلفة، فأما إن تناقضت، فالأمر يقتضي البحث عن الراجح، باختلاف معايير الترجيح، لكن أعمها الإجماع.
فماذا إن وجت أحاديث لا دعامة قرآنية نصية لها؟
ما العمل إن تعارضت أحاديث صحيحة مع بعضها؟
ما العمل إن كانت أحكام أحاديث صحيحة متعارضة مع قيم العصر وقوانينه الأكثر عدالة؟
ماذا عما جدً في الحياة المعاصرة من نوازل لم يعرف بها السلف لا واقعا ولا حتى تخيلا وافتراضا؟؟
يعتمد الفقه الإسلامي على الثابت لفرض حكم على المتحول، من قبيل اعتماد حديث( لا تجتمع أمتي على ضلال)
لاستخراج حكم سمي بالإجماع، أي اتفاق علماء الدين والفقه حول قضية، هي بمثابة جواب ملزم لكل المسلمين، وهو اختبار لتصديقهم بما ورد في الحديث.
لكن المثير أن الإجماع لا يقصد به القدامى، فالقضية لم تطرح في عصرهم، بل يتم تمديد الإجماع للعلماء اللاحقين حتى المعاصرين من خلال الإفتاء أو الاتفاق بين المؤسسات الدينية والمجالس الإسلامية.
والعارف بالمذاهب الفقهية، شافعية وحنفية وحنبلية ومالكية، يدرك أن فيها النصي وفيها المعتمد على القياس ورافضه وفيها أهل الرأي، والسؤال، أين الإجماع إذا كانت وسائل الفحص في الفقه مختلفة ولو اختلاف فروع؟؟
وأين وسائل التعديل والتجريح التي سبق للسابقين أن عملوا بها لكشف حدود الصحة ودرجات الترجيح نصا أو عقلا أو قياسا ورأيا؟؟
حتى إن صحت الرواية وكان فيها شذوذ، تلغى بصيغة اختلف فيها العلماء، أو قيل فيها قبولا، اتفق أغلب العلماء، بل أحيانا تعرض الاجتهادات المختلفة وتترك إن لم يمل الراوي لأحداها تقديرا أو ميلا لهذه الجهة أو تلك، بميول سياسية أو انحياز الغلبة التي بها يفرض الرأي في النازلة خصوصا إن كان فيها ما هو سياسي أو مذهبي تمييزا لها.
أما التجريح فيتجاوز حدود المعنى إلى الراوي، الذي يشترط فيه الصدق والصلاة والاستقامة، وكأن هذه القيم الفردية حصانة لفرض الثقة فيه، وقد يمتد ذلك، إلى السؤال عن مدى التزامه بالصلاة في وقتها بالمسجد.
بهذا الفكر الفقهي، الذي وسم حضارة بأكملها، حيث قيل أنها حضارة فقه، فرض قضاياه وقعد حتى اللغة التي يتحدث بها ويكتب، فدشن بتحريمه لفنون حركية وقولية وسمعية، إن لم تمتثل لما يفرضه عليها من قضايا دينية، تعض أكثر مما تمتع، مما نتجت عنه ظواهر غريبة عن العصر وحتى الحضارة المعاصرة.
حميد المصباحي كاتب روائي











































عذراً التعليقات مغلقة